المراجعة النقدية، ضرورة نهضوية
https://al3omk.com/147753.html

المراجعة النقدية، ضرورة نهضوية

وقفة استرجاع واعتبار شاملة، و إعمال نقد ذاتي مجدد ومسائل للخطوات والقدرات والسياقات والمقدمات والمخرجات، هي محطة ضرورية لنا ولجميع القوى السياسية العاملة في حقل العمل العام من أجل الإصلاح، باتت حاجة حاسمة بلا استثناء ولا اعتبار سياسي أو اديلوجي، من أجل الإسهام الجاد في التقويم الجماعي لما آلت إليه الأوضاع في عديد من الدول العربية والإسلامية، و من أجل الإسهام في محاولة وقف نزيف الاحتراب الداخلي ووضع حد لحمام الدم الذي تغرق فيه جملة من العواصم العربية و حواضرها الرئيسة في بغداد و دمشق و القاهرة، وعلى طريقها صنعاء و طرابلس و بيروت وغيرها ….

الأحزاب والجماعات وكافة القوى السياسية التي نشأت في البلاد العربية، كانت تستند إلى هدف بناء المشروع النهضوي وقيادة الشعوب المقهورة نحو الحرية والكرامة والديموقراطية ومن أجل امتلاك أدوات القوة الحضارية والمناعة الذاتية وتحقيق حلم التقدم والوحدة، واستعادة المجد الضائع و حماية الشعوب و أراضيها و مقدراتها وحراسة حدودها و مقاومة اعدائها ، وعندما انخرطت جماهير الشباب في صفوفها كانت تحدوها هذه الامال العريقة والعريضة و تسكنها هذه الاشواق الملتهبة .

كان جيلنا ومن سبقه و ما زلت منخرطا في صفوف الحركة الاسلامية لعلمنا و فهمنا انها تحمل مشروع نهضة الأمة ، وليست حزبا يحمل مشروع الوصول الى السلطة ويختزل كل جهده في المشاركة السياسية عبر بوابة الانتخابات، وهناك فرق كبير و شاسع بينكلا المنطقين والمشروعين ، وهناك فرق كبير و واضح بين ادوات ووسائل ومنطق ومنهج ورؤية وروح كل مشروع  على حدةـ بالاضافة الى الفرق الكامن في عملية التقويم نفسها و المراجعة المستندة الى جملة الاهداف و الغايات والسياسات والمناهج  .

مشروع تحرير ارادة الشعوب و العمل على اعادة بناء الدولة المدنية الحديثة الديمقراطية الموصولة بالمشروعية الشعبية الراسخة، دولة المجتمع والمواطنين الاحرار، تقتضي امتلاك القدرة على تحقيق الالتفاف الجماهيري الشامل حول هذا المشروع أي تحقيق الانخراط الكلي للمجتمع ومختلف قواه الحية في ديناميات البناء والتأسيس لذلك المشروع، و تحقيق اقصى درجات المشاركة المجتمعية و التعاون الايجابي بين مختلف مكونات المجتمع و غالبية القوى السياسية الحية والفاعلة ، لأن مشروع تحرير الارادة الشعبية واعادة بناء الدولة القادرة الفعالة والمجتمع المبادر والناهض ليس مشروعا خاصا لفئة دون فئة أو طائفة دون أخرى، وليس مسؤولية قوة سياسية دون اخرى . فهو يمثل مشروع الامة الجامع ، الذي يعود بالمكتسبات الحقيقية العميقة و الكبيرة على جميع مكونات الدولة بلا استثناء أو اعتبار استبعادي  .

عندما تتحرر ارادة الشعوب و تستطيع ايجاد تلك الدولة الحرة المستقلة الارادة اتجاه العالم وقواه ومكونات النظام العالمي، بمؤسساتها و ركائزها الدستورية ومكوناتها الأساسية من تشريعية و تنفيذية و قضائية و عسكرية و مالية ، و عندما تخضع جماهير الامة في عمومها لمرجعية وطنية عليا ، وعندما يترسخ مبدأ الاختيار الحر النزيه وتنتصر الامة في معركة النزاهة الانتخابية لتحرير ارادتها والتعبير عن اختياراتها بلا قيد او غصب او تحجير او تحكم ، يأتي الوقت المناسب للشروع في انضاج ثمرات التنافس السياسي الديمقراطي واخصاب الحياة الحزبية المكرسة للتعددية السياسية الحقيقية النابعة من تعبيرات المجتمع العميق ، و التنافس بين البرامج و الافكار العملية والرؤى المختلفة، كما وصلت لها اغلب دول العالم المتقدم ديمقراطيا ، ومن ثم التنافس في الوصول الى امتلاك جوهر السلطة الذي يحدد الاختيارات والاصطفافات والانحيازات وبالتالي المشاريع المتنافسة والمتصارعة .

الامر الاكثر اهمية في عملية المراجعة النقدية في هذا الافق فيما يخص مجمل مكونات الحركة الاسلامية التي تريد الفعل في العمق وفي القرب من الناس ، انها يجب ان تدرك ان الاسلام كانتماء ومرجعية عليا ملهمة للبدائل يمثل اطارا حضاريا واسعا ناظما للامة كلها بمختلف مكوناتها وتعدديتها وانحداراتها وسياقاتها وخصوصياتها، ويمثل مجموعة المبادئ و القواعد و القيم الراسخة التي تمثل الرصيد الفكري والحضاري الغني و القاعدة المعيارية لاشتقاق الرؤى القوانين و وانبثاق الانماط الحياتية المتعددة والانظمة المجتمعية المتمايزة التي تراعي سياقات التحول والتطور في نطاق الظرف الزماني و المكاني للتجمعات البشرية والمركبات الحضارية والتكتلات والاجناس المتفارقة، كما انها يجب ان تدرك ان الاسلام –بهذا التحديد والاعتبار-يشكل عامل توحيد لشتات الأمة و عامل نهضة و بناء و قوة  وائتلاف وتدبير تنوع، لا عنصر تهديم وفتنة وانحطاط وتراجع ونكوص وردة وتنازع ، ولا يجوز في أي حال من الاحوال ان يصبح عامل انهاك وفرقة و تقسيم و نزاع ، بسبب خلل في الاجتهاد الذي لا يجوز ان يصل الى حدود الجمود الفكري والعظمة المتعالية للازمان السابقة و القداسة المحنطة للتاريخ .

من يتصدى لحمل تأسيس نموذج جديد مغاير للنماذج العرجاء والمضادة، ومن يباشر مهام صياغة بديل للخبرة التاريخية التي رهنت الامة في مسارات الانحطاط والاستلاب الحضاريين، من يباشر ذلك من القوى الحية مراعاة لظروف التطور الحضاري القائم في الامة والاستحضارا للسياق التاريخي الحاسم لتطور البشرية ، ومن يتصدى لقيادة المشاريع النهضوية التي تحمل البعد التجديد النقدي في الفكر الاسلامي وتجعله يعانق آفاق الانسانية الرحيبة ، ينبغي ان لا يسهم في عملية الانهاك والشرذمة للامة بالعمل على تمزيقها و تفريقها ، و ينبغي ان يبقى متمسكا بخطاب الوحدة الجامعة القائمة على التسامح و التغافر و التراحم و عدم الاستجابة لدعوات التعصب الحركي والمذهبي و الطائفي والاثني والمناطقي، وينبغي ان يكون قادرا على فهم المخططات الخارجية التي تستهدف اثارة النزاعات التفريقية الانهاكية بين المكونات المختلفة للامة ، وينبغي ان يكون قادرا على افشال الجهود التي تسعى لاستنبات بذور الفتنة في داخل مجتمعاتنا ، والعمل على ايجاد البيئة المناسبة للتفكك الطائفي و المذهبي و العرقي و الجهوي في اوطاننا .

من يحمل المشروع النهضوي الكبير لا يعرف لغة الاقصاء و التهميش والابعاد ، بل يجب ان يتصف بالحكمة وينتصر للمستقبل ، ينتصر للقيم الملهمة التي تجعله قادرا على جمع كل الطاقات و الكفاءات في المجتمع دون النظر الى اتجاهاتها وانحيازاتها الفكرية او المذهبية او السياسية، لأفق واعد لأمة واحدة موحدة  .

للحديث بقية، دمتم سالمين،،