حسن بويخف يكتب: حراك الريف.. مخاض جديد

ما يزال الشارع المغربي ينتظر تفاعل الدولة مع رسائله اليومية الأخيرة بلغة أكثر تحضرا وأكثر احتراما للشعب، واكثر التزاما بالدستور وبالمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الانسان وقيمها الكونية.

إن من الخطأ الفادح والفاضح المراهنة على عامل الزمن لتنطفئ جذوة حماس الشارع المغربي في تضامنه مع حراك الريف. ويكفي لمن يهمهم الأمر النظر إلى اتساع رقعة التضامن الشعبي مع الريف، وتنامي وتيرتها شبه اليومية، ليدرك أنه أمام قضية لن تحلها المقاربة الأمنية المتطرفة التي تعتمد اليوم.

إن نظرة بانورامية إلى المشهد يعطينا صورة يمكن تلخيص أهم عناصرها في ما يلي:

من جهة اولى نجد زخما متناميا في المسيرات الشعبية، وفي وتيرتها المتنامية، وفي اتساع رقعتها الجغرافية المستمر. ومن جهة ثانية نجد غيابا تاما لآليات الإنصات، وعدم استعداد واضح للحوار مع المعنيين به، وضعفا رهيبا في تلبية المطالب السياسية والاجتماعية للمواطنين، في الريف وفي غيره. ومن جهة ثالثة نجد المقاربة الأمنية المتطرفة قد عقدت الأمور بشكل جد حساس، خلفت معتقلين دخل القضاء على إثر ذلك على الخط،على أساس ملفات حارقة زادت من شدة الاحتقان ومن تعقيد الأمور. ومن جهة رابعة نجد عجزا كبيرا للوسطاء الطبيعيين من أحزاب ومجتمع مدني ومن نقابات وإعلام على القيام بأية مبادرات ذات مصداقية، بعد أن تم الاجهاز الممنهج علي بعضهم، وتم تكبيل البعض الآخر بمنطق انتظار التعليمات والإشارات.

الصورة التي لخصناها بتركيز في الفقرة السابقة تفيد من جهة، أننا بصدد أزمة سياسية حقيقية. ومن جهة ثانية تفيذ أن السلطوية ربما اطمأنت إلى نتائج منهجيتها في إضعاف موجة حراك سنة 2011. وربما خرجت بتقييمات مغلوطة لبعض الأساليب. وهنا ينبغي التأكيد على أن الذي ساهم في إضعاف موجة الحراك التي انطلقت يوم 20 فبراير ليس التدخلات الأمنية العنيفة، ولا كوماندوهات البلطجية المتخفية خلف شعارات “الشباب الملكي” وتحت شعارات “عاش الملك” وتحت لحافات من الراية الوطنية. كل هذه الأمور لم تكن العامل الأساسي الذي ساهم في تراجع الحراك الفبرايري، بل الذي ساهم في ذلك هو وجود مبادرة سياسية تجاوبت مع المطالب الرئيسية للشارع المغربي، وأعادت شيئا من الثقة في المؤسسات السياسية لدى المواطنين، وأعادت الأمل في الإصلاح بوجود أحزاب قوية لم تتم تجربتها في التدبير. هذه العوامل ومثلها هو من أقنع الشارع بالدخول في هدنة.

واليوم استعاد الشارع غضبته وحيويته على وقع التعامل المتطرف مع ملف حراك الريف وتعبيرات شعبية هنا وهناك، وبعد خمس سنوات من تجربة الوعود السابقة، رأى فيها كيف “عادت حليمة إلى عادتها القديمة” في كل مناحي الحياة السياسية، وعاينت كيف تم افراغ الدستور من محتوياته، وكيف تم تهميش منطقه، وكيف تم الاجهاز على دفاعات المجتمع المتمثلة في المجتمع المدني الحقوقي وفي الاعلام وفي الأحزاب السياسية الديمقراطية والنقابات. وانكشف كل شيء طيلة ستة أشهر من البلوكاج خرجت من رحمه حكومة ضعيفة لا تمثل أمل الشارع، ولا تملك خطابا سياسيا مقنعا يكون في مستوى ذكائه وتطلعاته.

إن على الدولة ان لا تغتر بما قد تتوهم أنه منجزات أمنية سابقة اعتمدت العنف والملفات القضائية والفرق البلطجية، بل عليها بالعكس أن تدرك أنها بذلك تختار الجانب المدمر من التعامل مع غضب الشارع ومطالبه.

إنه إذا كان درس الخمس سنوات الماضية يفيد أهمية طرح مبادرات سياسية شاملة وحقيقية، فإن معطيات المشهد اليوم تفيد بشكل أوكد أن لا بديل عن مبادرة سياسية تكون في مستوى المطالب والانتظارات التي يعبر عنها الشارع. مبادرات في اتجاه محاسبة المسؤولين عن الانزلاقات الأمنية في التعامل مع الحراك السلمي في الريف وفي غيره من المناطق. ومبادرات في اتجاه إصلاحات سياسية كبرى في التشغيل وفي التعليم وفي الصحة. ومبادرات تطلق موجة من إجراءات إعادة الثقة في المؤسسات وفي الأحزاب الديموقراطية. ومبادرات في اتجاه محاربة حقيقية للفساد وللاستبداد.

إن على الدولة ان تعي اليوم أن من أكبر سلبيات المشهد السياسي الحالي هو ضعف الضمانات التي يمكن أن تمثلها الأحزاب خلاف ما كان عليه الوضع من قبل، فالسلطوية أضعفت كل الأحزاب، وقتلت في المواطنين اعتبار الأحزاب وسطاء ذووا مصداقية. لذلك فأي تطور للحراك في اتجاه التصعيد يعني تدهورا مريعا في فرص احتوائه.

إن من أكبر الأخطاء على الإطلاق المراهنة على القمع الرسمي عن طريق العناصر الأمنية والملفات القضائية، أو عن طريق العنف غير الرسمي بتجييش البلطجية للتشويش على التعبيرات الشعبية السلمية وجرها إلى ارتكاب الأخطاء التي تبرر التدخل والاتهامات.

إن الحوار الحقيقي والمباشر مع المواطنين المحتجين لا يضعف هيبة الدولة بقد ما يجعل مكانتها كبيرة لديهم، ويقوي فرص التفاهم والتنازلات المتبادلة. إنه لا بديل عن الحوار وعن التعامل الجدي مع المطالب وعن التفاعل الإيجابي الفعال والسريع معها، ومن يريد ان يسلك غير هذه الطريق فإنه مغامر يلعب بالنار.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)