https://al3omk.com/196386.html

منارة المتوسط.. لكن من منظور آخر

على الرغم من كَونها أخَذت إسمها الحالي وعمرانها وهويتها المََدينية حديثا، في سياق استقلال المغرب الراهن؛ إلا أنها بَصمت حضورها العريض في وجدان المغاربة والمغرب العربي، نظرا لما شهدته أرضها من بطولات ومواقف وأبطال وشهامة وطنية عَزَّ نظيرها.

– الحسيمة منارة المتوسط في النضال ضد الاحتلال الأجنبي، فعلى ترابها خاض الأشاوس من آبائنا كُبرى المعارك التاريخية في سياق تحرير البلاد.. فمنها انطلقت عمليات القائد المجاهد “الشريف أمزيان” ضد مواقع الغزاة الإسپان ما بين 1909 – 1912، وما كاد وَهج سيرته وملاحمِه يخفُت؛ حتى انبَعثت الحركة الخطابية حاملة مشروع الانتقال من القبيلة إلى الوطن، فاتحة صفحة مجيدة من الجهاد والكفاح الوطني ضد القوتين الاستعماريتين (فرنسا وإسپانيا)، فجَرَت على أرض الحسيمة معارك لاهبة، ليس أقلُّها معركة أنوال بقيادة بطل التحرير الأمير سيدي “محمد بن عبد الكريم الخطابي”، الذي أعطى للمنطقة حضورا ووهجا عربيا وعالميا، فدخَلت الحسيمة نطاق رؤية المخزن والقوى العظمى وحركات التحرر العالمية ما بين 1921 – 1926، وظلت محفورة في جغرافيا وتاريخ الوطن، وصدور ومخيال المواطنين.

– الحسيمة منارة المتوسط التي شهدت أضخم إنزال عسكري في القارة الإفريقية خلال القرن العشرين، حيث اضطرت حركة التحرير الخطابية وانتصاراتها المدوّية إسپانيا إلى إلقاء أكابر قادتها العسكريين على أرض الإقليم الثائر، فحَل الجنرال “سان خورخو” سنة 1926 بِها، وصارت منذ ذلكم الحين تُسمى المدينة:Villa San Jurjo.

– الحسيمة منارة المتوسط التي انطلقت من ربوعها أشهر عمليات جيش التحرير المغربي ضد الاستعمار ما بين 1953 – 1955، في كُلٍ من: أكنول، بورد، تيزي أوسلي.. شارك فيها خريجو مدرسة المقاومة المسلحة من أبناء المنطقة وغيرها، الذين كانوا في طليعة الـمُلبّين للنداء التاريخي للأمير الخطابي في القاهرة، الداعي لتأسيس جيش تحرير المغربي العربي، وبِهِم شَكّل الأمير الأنوية العسكرية الأولى التي رَوت بدمائها أرض فلسطين.. ثم عادوا ليَسقوا بدمائهم تربة الوطن.

– الحسيمة منارة المتوسط التي اندلعت بها شرارة انتفاضة الريف 1958 – 1959م، بأسبابها وخلفياتها ووقائعها ومخلّفاتها المعروفة.. وفي خضمّها وعلى طول أحواز الحسيمة تأسست في 7 أكتوبر 1958 حركة (التحرير والإصلاح الريفية) ، سرعان ما تحولت إلى (جبهة النهضة الريفية) فحَركة تمرُّد مُسلَّحة بقيادة “سلام أمزيان” و”محمد سلطين الخمليشي”.. تلك الأحداث أدْخَلت من جديد إقليم الحسيمة في نطاق رؤية المخزن الجديد، فكَالَ لها بمكيالين، ممارِسا العنف الشديد والتهديد والوعيد، وقَطَع حَبل الوريد الاقتصادي والتنموي عنها، مُستصدِرا ظهير العسكرة الشهير على عهد حكومة الحاج “احمد بلافريج”، قاضيا بجعل الإقليم منطقة عسكرية محظورا فيها العمل السياسي والمدني سنوات، إلى أنْ رُفع المنع سنة 1962، وبقي العمل بالظهير العسكري إلى اليوم.

– الحسيمة منارة المتوسط التي احتضنت بواكير الانتفاض الشعبي فيما عُرف بانتفاضة 1984، على خلفية الكوارث الاقتصادية والاجتماعية التي خلّفتها إجراءات الحكومة وإملاءات صندوق النقد الدولي؛ فهَـبّ التلاميذ، وصار على أَثَرهم العمال والطلبة وعموم الجماهير؛ فكان ما كان مما لستُ أذكرُه!

– الحسيمة منارة المتوسط بما عاشته من أحداث جِسام؛ ليس آخرها احتجاجات 20 فبراير، وما تلاها من وقائع واصطدامات متكررة، ظلّت تتحفّز بين الحين والحين، حتى أخَذت شَكلها الغاضب والمشروع في سلسلة الحراك الاجتماعي المشتعل منذ ثمانية أشهر على أرضية حادثة قتل الشهيد “محسن فكري” رحمه الله، وضدا على سياسات التهميش والإقصاء، ورفضا للفساد والمشاريع المخطوفة ونتائج الانتخابات الـمُزَوَّرة، واحتجاجا على الزعامات المصنوعة، وديمقراطية الواجهة.

– الحسيمة منارة المتوسط؛ ماضيا وحاضرا، على أرض الواقع لا في جذاذات التصميم الهندسي ومختبرات مصالح المحافظة العقارية للمسح الخرائطي وعقول المهندسين الذين أرادوها منارة على منوالهم، فانهال المشروع على رؤوس مَن ابتَدعوه.. أو ابتلعوه!

– الحسيمة منارة في التضحية، والنضال، والمروءة والنخوة وسُلطة القَوامة.. منارة في تحدي شَظف العيش وتَحمُّل تكاليف الحياة المهمَّشة والواقع الـمُحاصَر.. منارةْ في الدفاع عن الحق، والكرامة، والعدالة، واستعادة الرموز، والنزوع الوحدي والإيمان بالوطنية والوطن.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك