الحبيب المالكي ولغة الخشب في البرلمان

لغة الخشب كانت حاضرة بقوة في خطاب الحبيب المالكي رئيس مجلس النواب خلال تقييمه لحصيلة الدورة التشريعية، دورة كانت مخصصة بامتياز لوقف “البلوكاج” الحكومي ولتمرير قانون المالية. قد يقول قائل إن نزع فتيل الحكومة المتعثرة والمصادقة على قانون المالية ليس بالأمر السهل لكن انتظارات المواطن والنخبة السياسية والتوازنات السياسية العامة كبيرة وكثيرة.

تحدث رئيس المجلس بإيجابية عن حصيلته والعكس كان سيفاجئنا من صاحب كتاب “أوهام التناوب”، ثم ربط تقييمه الخاص بتقييم عام حين تحدث عن مختلف الإصلاحات التي يعرفها المغرب. ودعا إلى على عدم التشكيك في عمل المؤسسة البرلمانية مؤكدا على أهميتها لتعزيز استقرار المؤسسات في البلاد في منطقة تعرف العديد من الهزات أو ما سماه المالكي ب “المرحلة البركانية”.

لكن المتأمل لهاته الحصيلة يمكنه أن يطرح تساؤلات كثيرة حول دور البرلمان في المغرب اليوم بخصوص العديد من القضايا الأساسية والإستراتيجية سواء المتعلقة بضمان هذا الإستقرار المطلوب أو بغيره من القضايا. لماذا لم يتحرك البرلمان مثلا لمعالجة ملف الحسيمة المشتعل واكتفى برلمانيوه بتوجيه بعض الأسئلة المعدودة الموجهة إلى وزير الداخلية؟ لماذا لم يسرع بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق قبل أن يصل الملف إلى القضاء؟ إن غياب البرلمان عن اللحظات الحاسمة هو ما يجعل المواطن يفقد الثقة في البرلمان.

لقد أثمرت الدورة التشريعية تشكيل مجلس النواب للجنة استطلاعية وحيدة حول أسعار المحروقات. وهو أمر جيد لكن البرلمانات المتقدمة تشتغل بعشرات لجن التقصي والإستطلاع وبشكل مستمر. كما تقوم سنويا بتشكيل لجن لتقييم عمل البرلمان بشكل عام ولتقييم مدى تطبيق القوانين التي يصدرها حتى لا تبقى حبرا على ورق.

ثم أين هو حق المواطن في المعلومة البرلمانية في ظل شبه غياب لها ما عدا جلسات أسئلة أسبوعية يتيمة في عصر الأنترنيت؟ لماذا لا يفتح البرلمان ولجانه يوميا أمام الصحافة والمجتمع المدني؟ إن الحق في المعلومة يعني أن يحضر الحبيب المالكي والبرلمانيون إلى التلفزة ليشرحوا للمواطنين ماذا يجري في البلاد بخصوص مختلف القضايا المتعلقة بالسياسات العمومية طبقا للدستور ولروحه. أين التلفزة البرلمانية الموعود بها منذ سنوات طويلة والتي فشل البرلمان حتى الآن في إخراجها رغم العديد من الدراسات ومن تضييع للمال العام لهذا الغرض؟

إن التواصل بفعالية وباستمرار هو الذي سيصنع “برلمان القرب”، وسيجعل من البرلماني “رجل العناية الإلهية الإستثنائي داخل الدولة” كما قال جان جاك روسو. وهو ما سيسمح بمعرفة أهمية مشاريع القوانين التي صادق عليها المجلس مؤخرا مثل مشروع يسمح للمواطن بالدفع بعدم دستورية القوانين أمام المحاكم، أو مشروع قانون فصل النيابة العامة عن وزارة العدل لتصبح بيد محكمة النقض. إن التواصل وفتح النقاش هو ما سيمكن من معرفة لماذا يقوم، مثلا، مصطفى بايتاس النائب عن حزب التجمع، بمهاجمة عبد اللطيف وهبي نائب حزب الأصالة والمعاصرة ويصفه ويصف عائلته بتجار الأعشاب؟ ما المعنى المقصود بالأعشاب هنا؟ وما هي خلفيات مثل هاته التهم؟ والتواصل هو أيضا ما سيسمح بمعرفة آثار استقالة إلياس العماري من قيادة الأصالة والمعاصرة على فريقه البرلماني وتماسكه؟

إن النقاش الشفاف هو الذي سيمكن من معرفة حالة التوازنات السياسية التي يعرفها البرلمان بالنسبة لهذه الحكومة ولأغلبيتها التي ولدت بطريقة قيصرية بعد شهور طويلة من التعثر وبعد إبعاد عبد الإله ابن كيران وتعيين سعد الدين العثماني رئيسا لها، ومن معرفة ما إذا كانت ستصمد إلى غاية نهاية ولايتها أم أنها مهددة في أي لحظة بسحب الثقة سواء بمبادرة من حزب العدالة والتنمية أو من غيره. هذا هو الإستقرار الذي ينبغي أن يسهر عليه الرئيس الحبيب المالكي.