صحافة “يتحسسون رؤوسهم”

بعض الصحف القليلة الإبداع وهي كثيرة اخترعت عبارة “يتحسسون رؤوسهم” وصارت رأس مالها هذه الأيام. من أفتى عليها بهذه العبارة ومن قال لها أن تستعملها؟ الله أعلم رسميا على الأقل. ولكن الواضح من السياق ومن مرجعيات هذه الصحافة أنها تلقت الأوامر والتعليمات. بل إن بعضها يذهب إلى درجة الحديث عن دحرجة الرؤوس وقطعها. وهو معجم يجسد مظاهر العنف اللفظي الذي تطور، للأسف، ليعطينا صحافة حرب بامتياز ولكن بدون قواعدها وأساليبها المهنية العريقة. بل هي بالأحرى صحافة البحث عن الإثارة، صحافة الدم والجنس والصفعات التي تجعل حتى صحفيا مجربا مثل مدير ليكونويست يسقط أيضا في استعمالها وتكرارها.

كل يوم تقدم لنا هاته الصحف رقما معينا لعدد الوزراء المهددين بالإقالة في مشهد سياسي تراجيدي وسريالي في نفس الآن.

في مناسبات أخرى، يمكن لصحف العنف هاته أن تتناقض مع نفسها ولاوعيها لتندد بالثقافة العربية ولغتها العنيفة التي تجسدها القولة الشهيرة: “إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها” للقائد الحجاج بن يوسف الثقفي الذي لعب دورا كبيرا في تثبيت أركان الدولة الأموية بالدم. بل يمكن لهاته الصحف أن تقدم يوميا دروسا في رفضها للعنف والإرهاب سواء الداعشي أو حتى ذلك الذي تخلقه من مخيلتها خلقا. ولهذا من الضروري، كما كتب الزميل محتات الرقاص، أن “تكف اللوبيات السلطوية والإقتصادية عن الإختراق البدائي لقطاع الصحافة وتدجين بعض منشوراتها (…) من دون أي مبالاة بقضايا البلاد ومستقبلها”.

إن مصدر ومنبع هاته الظواهر أيضا هو التكوين لأن بعض الصحفيين يشرعون في الكتابة عموما وفي التنظير للعنف بدون حس نقدي، وبدون أي حوار مع ما يكتبه الآخرون أو مع الأفكار الرائجة في المجال العمومي المعولم. لا يراجعون ولا يتحاورون مع ما يكتبه زملاؤهم ولا أساتذتهم بدون تقديس طبعا. هناك عبارة جميلة في اللغة الفرنسية هي: les maîtres à penser. ويمكن ترجمتها بـ : “معلمو الأفكار”.

ويعتبر جان دانييل، الصحفي الفرنسي اليهودي الذي كان آخر من حاور الملك المرحوم الحسن الثاني، مدرسة في هذا المجال وفي التحاور مع زملائه الصحفيين والمفكرين وله كتاب مفيد بعنوان “أعزائي وأقربائي” (les miens منشورات غراسي) يتحدث ويتحاور فيه مع كتابه وزملائه سواء الذين اتفق أو اختلف معهم. ويعتبر فيه أن “الكتابة الصحفية هي بمثابة تاريخ جماعي وفضاء مشترك”. ونحن لدينا العديد من معلمي الأفكار مثل عبد الله العروي أو العربي المساري الذي كان يتحدث كثيرا عن التجربة الصحافية في إسبانيا وضرورة استلهامها كمرجع. ولكنهم معلمون لا ننتبه إليهم إلا نادرا وغالبا ما نفعل ذلك فقط عندما ينتبه إليهم الآخرون و يحتفلون بهم، أو عندما نريد أن نسبهم ونعنفهم.

ملحوظة:

الصورة للصحفي نيكو بيرو المتخصص في صحافة الحرب والفائز بجائزة “بريميلينو” Premiolino وهي أشهر وأقدم جائزة في المجال الصحفي في إيطاليا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)