عادة التفكير

إن فهم الحياة،وفهم ما حولك.. وفهم أن تكون تعرف كل شيء ولكنك عاجز عن فعل أي شيء.. فهم أن لا خيارات لديك وعليك أن تتحرك في نطاق ما هو متاح من الخيارات الإجبارية وليس الضيقة.. تفهم أن الطريق مسدود.. وأن فرص إمكانية أن يُفتح صفر ومع ذلك مازلت في مكانك متماسك لايتملكك الرعب رغم أن أغلب من حولك يقفون معك في نفس المكان ولكن لا يشعرون بما تشعر به.. ولا يعرفون ماتعرفه.. ولا يهتمون بما سيكون أو مايجري.. والأدهى من ذلك شيئان.. أولهما لا يفكرون بماهو بعيد عن أماكن وقوفهم أو ما يسمى ماليس تحت أقدامهم.. وثانياً: لو وصل إليهم شيء يستدعي التفكير أولاً ومن ثم الفهم أو العكس.. لن يهتموا أو يعتنوا أو يتوقفوا أمام قضيتي التفكير والفهم.. لأن طريقتهم في الحياة وفهمهم لها يتوقف على حدود واسعة ولكن كلما اتسعت مساحة الحياة التي يعيشون داخلها قلّ الفهم بل وندر وتوقفت الحياة عند حدود المتعة فقط.

على عكس من تعود على الفهم وتدرّب عليه ستجده يضيّق المساحات الفارهة.. ويختنق بها لأنه يعرف أنها مزيفة.. وكما يقول: نيكوس كازانتزاكيس “أنت تفهم.. أنت تفهم.. وهذا ما سيضيعك.. لو كنت لا تفهم لكنت سعيداً”.. فالفهم عادة مرتبط بالوجع والتعاسة لأن الفهم يشتبك مع الحقيقة في الغالب.. والحقيقة مؤلمة ولكننا نتقبلها بالفهم لها واستيعابها حتى وإن لم نتمكن من هضمها أو التوافق معها.

تفهم وتتألم ولا تصل لذلك الفهم إلا بعد مرحلتين إحداهما تدربت عليها وهي سرعة البديهة والتقاط الأشياء التي لم يتنبه إليها أحد رغم أهميتها واعتبارها من قبلهم غير مهمة رغم أنها هي الأهم.. والأخرى بالتفكير فيما تراه وتسمعها وتحلله وتعاود صياغته كما ينبغي أن يكون وليس كما تريده أن يكون.. يتعبك التفكير ويستنفذ طاقتك ومجهودك ولكنك لا تتوقف عنه ولا تستطيع أن تغيبه ولو للحظات ولذلك كل من هم يشبهونك يُقال عنهم” أنّ تفكيرهم لايتوقف في كل الحالات.. ولكن هل التفكير يدفعك للإيجابية أم أنه يكرّس السلبية داخلك وعلى ردود فعلك تجاه الأشياء من حولك؟

بدون شك أنّ التفكير وإن كان يدفع إلى رؤية الأشياء على حقيقتها رغم أن الحقيقة أحياناً متعددة الوجوه إلا أنه بدون شك يساعد على جلاء المشهد ووضوح الصورة.. لأنه تحكمه العقلانية ويتجاهل التهور والتسرع في الأحكام.. وقد يجنبك كوارث عديدة رغم أنّ ممارسته في لحظات الانهيار والصفعات انهيار آخر أكثر ألماً.. ومع ذلك ورغم نتائجه ليس بالضرورة أن تكون إيجابية ولكنها مقنعة لك على الأقل ومريحة من الجانب الإنساني والمعرفي من أنك أخذت منطق العقل إلا أن التفكير يظل موجعاً ومؤلماً.. يقول الممثل الشهير أنتوني هوبكنز “نموت من كثرة التفكير.. نحن نقتل أنفسنا ببطء شديد عبر التفكير بكل شيء.. “.. قد يأتي أحدهم ويسألك لماذا أنت صامت؟ فتجيبه: أنني أفكر.. وهذا مايعني أن التفكير يستدعي الهدوء والتمعن في كل شيء حتى الفراغ.. واسترجاع الصور ومقاربة المواقف لتصل إلى قرار أو نتيجة.. وفي النهاية وبعد أن يقتلك التفكير قد تجد نفسك دون نتيجة هامة أو فعلية مع استنفاذ كل طاقاتك.. قتلك التفكير مجازياً.. ولكن الأهم أنك لاتستطيع أن تعيش دون أن تفكر ودون أن تفهم أو على الأقل تحاول الفهم.. وهو ما ينبغي أن تستند حياتك عليه التفكير والفهم وإلا تحولت إلى إنسان لا قيمة له يأكل ويشرب وينام ولا يعمل عقله على الإطلاق!!

تعليقات الزوّار (0)