التفكير العلمي في كتاب فؤاد زكريا: تلخيص وتعليق

يعتبر كتاب “التفكير العلمي” محاولة من د فؤاد زكريا لسد ثغرة كبيرة في العالم العربي يرى أنها بمثابة سبب رئيس في تخلفنا عن ركب المجتمعات المتقدمة، وتتعلق بغياب التفكير العلمي في معالجة الإشكالات والقضايا المتعلقة بالعلم والإنسان عموما. ويمكن تكثيف أهم ما تضمنه الكتاب في عدة نقاط كالآتي:

أولا:مفهوم التفكير العلمي

التفكير العلمي بنظر الكاتب هو التفكير المنظم الذي نستخدمه في شؤون حياتنا اليومية ويعني أيضا ذلك النشاط الذي نبذله حين نمارس أعمالنا المهنية المتعددة أو في علاقاتنا مع الناس والعالم المحيط بنا.وهذه العملية المنظمةتتم وفق مبادئ منطقية تتجلى في عدم القول بالشيء ونقيضه في الوقت نفسه وبمنطق الأسباب باعتبار أن لكل ظاهرة سبب.

إن التفكير العلمي هو طريقة في النظر إلى الأمور،باعتماد العقل والبرهان المدعومين بالتجربة والدليلوبالاستناد إلىالتخطيط .وهذا ما يجعل التفكير العلمي في متناول الجميع وليس بالضرورة أنه حكر على العلماء بل يمكن أن يكون العالم لايستخدم التفكير العلمي في حياته في حين يستخدمه عامة الناس.

ويتحقق التفكير العلمي عبر تراكم طرق نظر العلماء إلى القضايا والظواهر باعتبار ذلك أثرا متبقيا عن عمل العالم وهو ما يسمى “العقلية العلمية”.

ثانيا: سمات التفكير العلمي وشخصية العالم

حدد الكاتب مجموعة من السمات التي تميز التفكير العلمي وتتمثل في:

أ ـ التراكمية: وتعني أن العقلية العلمية تبنى بالتدريج عبر تراكم طرق النظر إلىالأمور.ويحدث التراكم عموديا في العلوم الحقة وأفقيا في العلوم الإنسانية ذات الصلة بالأدب والفن والذوق، وهذا يعني أن الحقيقة العلمية نسبية لكنها مطلقة في سياقها الزمني والمكاني عندما تصبح ملكا متداولا عند الجميع بناء على العقل.

ب ـ التنظيم: ويعني تلك الطريقة المنهجية المنظمة والمبنية على التخطيط والتدبير، مما يجعل الإنسان ينظم ذاته والعالم الخارجي بوعي على اعتبار أن العلم غير منظم بالنسبة للإنسان. ويتم ذلك التنظيم بمجموعة من الآلياتوهي : الملاحظة المنظمة و التجريب والتنظير الناتج عن التجريب والاستنباط العقلي ثم العودة إلى التجربة لاختبار النظرية بهدف التحقق من ترابط الظواهر.

ج البحث عن الأسباب: أي تعليل الظاهرة بالتوصل إلىأسبابها.

د ـ الشمولية واليقين: أيأن تكون طريقة النظر عامة قابلة للانتقال والشيوع لأنها تسري على جل أمثلةالظاهرة ، ومن تم تكون ملكا للجميع ، على أن اليقين هنا ليس ذاتيا انطباعيا وإنما يقينا موضوعيا لأنه مبني على أدلة عقلية برهانيه.

هـ ـ الدقة والتجريد: أيأن المنهج دقيق غير مبهم ومجرد من الشخص وميولاته الأيديولوجية أو الذاتية.

إن هذه السمات هي الأثر الباقي من عمل العالم ولذاك ميز الناقد بين صلة العلم بالعالِم الذي يدرس في تاريخ العلم وبين ما يجب توفره في العالِم ليقال انه يفكر علميا أي ما سماه الكاتب شخصية العالِم.

أما العناصر الأخلاقية في شخصية العالم فيرى الكاتب أنه يجب التمييز بين سلوك الشخص الذي يهمه وحده ولا شأن لنا به مادام لا يمس العلم . وهذا ما يحقق صفة الموضوعية في العلم والتي حدد لها الكاتب ثلاثة عناصر متكاملة وهي:

1 الروح النقدية:وهي جزء هام من الموضوعية،بمعنىأن ينتقد العالِم بقوة وجرأة وأن يتقبل هو النقد أيضا،أي امتلاك الضمير النقدي.

2 النزاهة: فرع من الموضوعية وتعني أن يقف العالم على مسافة واحدة من أعماله ومن أعمال غيره بكل تجرد باعتماد الدليل والبرهان العقلي فقط. وأن يكون هدفه هو الحقيقة العلمية دون سواها كأن يسعى إلى المال أو الرأسمال الرمزي كالشهرة أوالمكانة ….إلخ.

3 الحياد: ويعني عدم الانحياز إلى أي اتجاه فكري أوإيديولوجي معين، وإذا مالإلى توجه ما يكون ذلك مبنيا على الحجج العقلية والبراهين المنطقية وليس الميل الذاتي العاطفي.

وتحدث عن المسؤولية وتعني امتلاك العالم وعيا بالنتائج المترتبة عن عمله العلمي لكي لا يكون مجرد أداة في يد الشركات والسياسيين وغير ذلك.فالعلموالأخلاق في عصرنا أصبحتأكثر تداخلا إذ الأول يوجه تفكيرنا والثانية توجه العلم ليسعد البشرية بدل تدميرها.

وبخصوص ثقافة العالِميرى أنها يجب أن تبنى على دعامتين: هما العلم والإنسانية مما يحتم على العالم أن يربط بين العلم وملكة الحدس ذات الصلة بالفن والأدب، وذلك لتفادي توسيع الهوة بين العلم والإنسان.

ثالثا: عقبات في طريق التفكير العلمي

اعتبر الكاتب نزوع الإنسانإلى الخيال بدل مواجهة الواقع مباشرة، أبرز العقبات التي تواجه التفكير العلمي، وذلك لأن المواجهة المباشرة للواقع تتطلب بذل جهد مضني وقدرا عاليا من التجريد يجعل الإنسان ينتقل من الاهتمام بمشاعره وذاته إلى الاهتمام بالعالم المحيط به. وعدد الكاتب هذه العقبات في خمسة عناصر:

1 الأسطورة والخرافة التي ميزت التفكير ما قبل العلم حيث تفسير الظواهر بالحدس والخوارق.

2 الخضوع للسلطة المعرفية للعلماء السابقين لما تتوفر عليه من عناصر قوة تتمثل في قِدمها وانتشارها بين الناس وشهرة الرأي المستمد من شهرة العالم والميل إلى ما يتمناه الشخص ويرغب به بعيدا عن الحقيقة.

3 إنكار قدرة العقل وذلك بإعطاء الحدس قدرة أكبر ومقاربةالأشياء بمنطق الفن والأدب

4 التعصب للفكرة ضمن جماعة والاعتقاد باحتكار الحقيقة دون الآخرين.

5 الإعلام المضلل الذي يقدم السهل والجاهز مما يبعد الناس عن التفكير العلمي.

رابعا: المعالم الكبرى في طريق العلم

يبرزالكاتب أن العلم هو كل محاولة يبذلها العقل البشري لفهم نفسه والعالم المحيط به وأن هذه المحاولة بدأت منذ ما قبل التاريخ بما سماه الكاتب العلم التجريبي وليس النظري. وهذا شأن الحضارات القديمة البابلية والأشورية والهندية والصينية.

ويشير الكاتب إلىأن العلم كنظرية وتجريد بدأ مع اليونانيين. وأن أعظم إنجاز قام به هؤلاء هو تقديم المعرفة بمعناها العقلي عن طريق مبدأ الشمول والتجريد والبحث عن البرهان للإقناع فظهر النزوع إلى المعرفة كغاية بعيدا عن أي هدف عملي وظيفي.لكن اليونان بالغوا في الجانب النظري والفصل بين العلم والوظيفة.

وفي العصر الحضاري الإسلامي نجح المسلمون في استخدام العلم للكشف عن أسرار العالم الطبيعي ليسيطر عليه الإنسان ويسخره لنفسه ، فعملوا على تجديد منهج العلم لأغراض تطبيقية.

وفي العصر الحديث مع النهضة الغربيةأعيدت صياغة مفهوم العلم من قبل الفلاسفة والعلماء بحيث أصبح العلم وسيلة لتغيير العالم. وصيغت قواعد علمية أهمها: عدم الانسياق وراء التعميم ، قابلية كل علم للتطبيق، اعتماد الملاحظة الأمينة للواقع ثم صياغة قوانين الواقع بناء على التجريب، وتكريس الطابع الجماعي للعلم عبر إنشاء الجمعيات العلمية.

خامسا: العلم والتكنولوجيا

يبرز الكاتب أنأهم سمة مميزة للعلم في القرن العشرين هي تداخل التكنولوجيا مع العلم بحيث أصبح مفهوم التكنولوجيا يعني تطبيق النظريات العلمية عكس ما كان في القديم حيث هيمنت التكنولوجيات بدون تنظير علمي.

سادسا: لمحة عن العلم المعاصر

أهم الانجازات في هذا المجال تتمثل في:

1 وضع نظريات للعلم وإخضاعها للتجربة ثم تعديلها.

2 تطور مضاعف وكبير للعلم والتكنولوجيا تجسد في: كشف إمكانات الطاقة النووية، اختراع العقول الالكترونية ، وغزو الفضاء.

كل هذه الانجازات دفعت بمستوى التفكير العلمي نحو مزيد من التقدم والتراكم . وفي عالمنا العربي يؤكد الكاتب ، لابد من إعادة بناء مناهج التعليم لتدرس مهارات التفكير العلمي.

سابعا: الأبعاد الاجتماعية للعلم المعاصر

يبرز الكاتب أن هناك تأثيرا متبادلا بين أوضاع المجتمع والعلم لأن تطور العلم رهين بالحاجة الاجتماعية مضافا إليها العبقرية الذهنية. ويؤكد أن المجتمع المعاصر أدرك أن مصيره رهين بالعلم لذلك أصبحهذا الأخير يستحضر الإشكالات الناتجة عن التطور الاجتماعي وما أفرزه من مشكلات تحتاج إلى تفكير علمي لحلها وهي:

1 مشكلة الغذاء والسكان حيث التزايد السكاني وقلة الموارد ونوعية الغذاء وحلها مرتبط باستثمار إمكانات العالم.

2 مشكلة البيئة المتمثلة في التلوث واختلال التوازن البيئي مما يتطلب منا تفكيرا علميا لإيجاد حلول مبتكرة.

3 مشكلة الموارد الطبيعية مثل البترول مما يحتم البحث عن مصادر طاقية بديلة.

4 مشكلة الوراثة والتحكم في الإنسانوالأمراضالحديثة.

5 مشكلة التسلح التي استغرقت العبقرية البشرية إذإن جل الاختراعات ارتبطت بالمجال الحربي مما يستدعي تفكيرا علميا لتوجيه الأبحاث لخدمة الإنسانية.

كل هذه الإشكالات وغيرها يرى الكاتب أن حلها رهين بالتفكير العلمي المستند إلى القيم الإنسانية وان الحل يجب أن يشارك فيه الجميع من العلماء والسياسيين والمثقفين وغيرهم من اجل وضع غايات إنسانية للعلم.

يخلص الكاتب إلىأن التراكم عبر العصور أدىإلى قفزة كبيرة تمثلت في التفكير العلمي، ويبقى العيب الكبير والتحدي الذي يواجه الإنسان هو إخضاع العلم لأغراض تجارية آو سياسية آوإيديولوجية.

تعليق

إن ما أثاره الكاتب في هذا المؤلف هو من الاهمية بما كان بالنظر إلى العقود الطويلة التي ركن فيها العقل العربي إلى التقليد والجمود الذي غُذي بالتفكير الخرافي الذي لا يتصل لا بالإسلام الذي يدعو إلى استخدام العقل، ولا بالغرب الذي تفوق في استعمال العقل كأداة في قراءة الكون والتعاطي مع السنن الكونية.

وعلى الرغم من الجدل الذي أثاره هذا الكتاب حيث يعتبره البعض محاولة لتأسيس العلمانية في العالم العربي، فإن النظر إلى مضمونه منفصلا عن المشروع الكلي للكاتب سيكون مفيدا جدا في ظل الحاجة الملحة للتفكير العلمي بما هوم عملية منظمة يُتوخَّى من ورائها قراءة الاجتماع الانساني في علاقته بعالم الطبيعة قراءة سننيه لمنافسة الغرب في تفوقه العلمي الذي لا يعني بالضرورة مُخاصَمة الهوية الحضارية للشعوب العربية.

تعليقات الزوّار (0)