https://al3omk.com/244318.html

لن ننتصر بالشتائم ولن نواصل الطريق بكتائب لغوانية جذرانية مرذولة

رسالةٌ في موقع المثقف في الأداة الحزبية:

يقوم الكَتَبة العضويون، ورجالات الفكر في التنظيمات والمفكرون المتنورون، بدور السند الحامل لمشاريع وأدلوجات التنظيمات، والجِسر بين الفكرة وتحققها الموضوعي، ويمارسون نقدانية راشدة إزاء الانزياحات التي تحدث مع طروء متغيرات بنيوية او موضوعية امام التنظيم السياسي، ويُبصّرون بمُحتَملات التغيير والتبديل الممكنة أثناء السير، ويحاربون النِّماطة في القيم والسلوك والاداء الجمعي للأداة الحزبية في مختلف أطوار تَموقعاتها (داخل النسق السياسي المركزي او ضمن وحدات النسق الفرعي – الحزبي)، ويعالجون حدوث فجواتٍ قد تظهر في أثناء العمل على تنزيل الفكرة السياسية دراءً لسُنّة التقويض – وإن كانت من حتميات المسيرة البشرية فبالأحرى التجارب الحزبية.. وهو فوق ذلك؛ وقياما بذلك لا يتأمَّرون بطلبات زعيم خارج قواعد الواجبات والحقوق، ولا يتقَوَّلون مكانا عاليا يجعلهم فوق مستوى الحزب او سافلا دون مستوى أصاغر الأعضاء، ولا يضعون أنفسهم حيث تَطالهم الشهوة او الشبهة او المَنقصة من فرد وتنظيم، كما لا يستقيم وضعهم خارج حسابات الادلوجة العضوية والتنظير لمراحل استشرافية او الإعداد لبرامج تدبيرية حكومية او جماعية، نظرا لدراية – او على الأقل – دراية بعضهم بالخبرة التاريخية للبلد، وتنوعه الثقافي، ومعارك الفكر والهوية فيه، ومتغيرات المجتمع، وثوابت الدولة الوطنية، وقضايا التربية والتكوين والبحث العلمي، ونزوعهم لطلب التجديد الفكري والمنهجي، وإدراكاتهم – بحكم التفرُّغ للتأمل والرصد – لِـهَنّات الممارسة والأخلاقيات العامة في الذات الحزبية وغير ذلك.

من هذا الذي ذكرنا؛ كانت احتياجات التنظيمات لهم قائمة، والاسترشاد بفهوماتهم وآرائهم وانتقاداتهم دائمة، وإسهاماتهم في الدفع بالدورات العملية والمنهجية والسياسية للاحزاب مطلوبة، واستشارتهم لإصلاح الدفاعات المُحَطَّمة او المهتزَّة بفعل التدبير او طول الإقامة في بيت السلطة او التخمُّر في المعارضة؛ مرغوبة.. وهم؛ وإن اختلفوا حَسب البيئات وعلى ضواء التجارب والخبرات؛ عربيا وغربيا؛ إلا انَّ حضورهم واستحضارهم يكاد يكون الثابت الأبرز في مختلف التجارب التنظيمية، الحزبية منها بالخصوص؛ لأنهم ضابطو الإيقاع الإيديولوجي ومصَوِّبو المعادلات السياسية والاجتماعية للأداة الحزبية، والعين التي بها ينظر القادة إلى مواطن التاريخ كيف كان والحاضر كيف يمكن أن يكون، خاصة إذا ما كان الحزب جزء من مشروع إصلاحي حضاري يروم أكثَر من مجرّد ترقيعات تدبيرية واوراشَ اجتماعية وإسهامات في إقلاق راحة الدولة المتعجرفة!

إنهم المظار المرجعي؛ والسياسي العَمَلي (وزير، نائب، مستشار، عضو ديوان..) هو العاكس الإجرائي للأطروحة السياسية والمنهجية والمرجعية وفكرة الإصلاح والتغيير في الواقع الذي يعمل.

والناظر في تجارب قريبة يرى مقدار النفوذ المعنوي والتأثير الذي تمارسه النخبة المثقفة في التنظيمات الحزبية، مهما اختلفَت مواقعهم ومرجعياتهم، وعلى ما يطبع التنظيمات والقيادات الميدانية من رغبة في الاستثار بالقرار والمسار والعمل بمقولة : “سَلِّم لنا نفسكَ أوَّلاً؛ ثم اهمِس لنا برأيك ثانيا! “، إلا أنَّ المنظِّرين العُضويين والنخب الفكرية الملتزمة سياسيا عادة ما تُشَكّل المضغة الاجتماعية في هرمية الذات الحزبية، والكيانية المنتِجة لأسئلة قلقة لا لأجوبة مريحة، والمتجسِّدةِ باقتدارٍ فكري متَّصِل بالأصل ومُستبصر بتحديات واستجابات العصر؛ من قبيل موقع ودور (أنطوني گيدنز) في حزب العمال البريطاني، وتأثيرات (فرانسيس فوكوياما) في المحافظين الجدد، و(الماهتما غاندي) في الحياة السياسية الهندية، و(فلاديمير لينين) في الحزب الحاكم السوڤييتي، والتأثيرات الفكرية والمنهجية البالغة والراشدة لزعيم الحزب الاشتراكي الإسپاني (فيلپي غونزاليث) في سبعينات وثمانينات القرن العشرين، وتجديدات المثقف اللامع (أنطونيو غرامشي) وتأثيراتها في تيار الماركسية الجديدة وفي الذوات الحزبية بإيطاليا، وفي نفس الأخدود حَفَر بعمق وأثَّر ببراعة المفكر والمناضل (سانتياغو كاريللو) في الحزب الشيوعي الإسپاني وباقي التنظيمات الشيوعية الأورپية تقريبا، خاصة بعدما أصدر كتابه المَرجعي والموجِع (الأورو-شيوعية) في خضم الانتقال الديمقراطي المهيب في إسپانيا، والريادة التوجيهية والفكرية التي آلت إلى (محمد عزيز الحبابي) والدكتور (محمد عابد الجابري) في تجربة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في المغرب، وفضيلة الأستاذ (احمد الريسوني) تجاه الحركة الإصلاحية الإسلامية لفترات من الزمن…

وما كان الأستاذ الخلوق (امحمد جبرون) بِدعاً من هذه النماذج ولا طارئا على الدار او الساعي لتقويضها، وإنْ كُنّا لا ندّعي إقامة الشَّبَه بين وظيفة وموقع وإسهام الأستاذ في التجربة الحزبية للعدالة والتنمية؛ ولا نخاله يُنزل ذاته ذاتَ المنزلة، لما عُرِف عنه من طباع التواضع وأخلاق العلم ونزاهة المسيرة وشغب الفكرة وجراء البسْط والاستماتة ولو جرّ عليه ذلك صراخ كَهَنَة مَعبد الشتيمة، الطاعنون في الرأي بفراغ الرأي، المهاجمونَ بلَفظانيات عدوانية لا تُبقي وزناً لمكانة الأشخاص وحرمة المبادئ، وقيم التواصل والتعبير في المجال الافتراضي، حيث حوّل الفيس “المساواة” إلى “تَسوية” أجْلَستِ المَفاليس على رقاب العمالقة وساوت بين الغث والسمين ونسفت الشرعيات النضالية والتاريخية والعلمية للماهدون والمُتسأنفون!

إن الابتذالية والابتسار الذي تُقابَل به اجتهادات الآخر – ولا أُشَرعن للحتميات التاريخية التي أفضى بها في كثير من مقالاته، ولا لدعوته الاصطفاف وراء المشروع الحداثي للمملكة، ولا لتأويلاته لبعض محطات تاريخ المغرب الراهن والفواعل الرئيسية فيه بما يُفيد ضرورة الإقرار بما هو كائن والعمل قي إطار الهامش المتاح وغيرها من الأفكار الثرية لكنها تحتاج إلى محاججة ومنازلة على ارضية الرُّشد والأدب -؛ أمر يثير الشفقة على مثيريه، ويحزننا كثيرا. وإنه بقدر ما يُؤسِف الرحيل لسببية السقوط الأخلاقي، والتهجمات الرعناء منذ سنتين او تزيد؛ وتَمَسُّك الرجل بعقيدة التنازل والانسحاب؛ بِقَدر ما نؤكد أن التنظيمات لا تستمر بالشتائم والعَيِّ في الخطاب والتوسل بالعنف اللفظي الأعشى، وبأزلام جاهزون للإجهاز باللسان الفجّ والقلم المُسيَّف على النُّخب والمثقفين العضويين.. بل بالانتصار للأخلاق، ومقاومة مَنزع النكوص، والتأسيس لمناخ الحرية المسؤولة والنقد المتزن وفقه البناء وكفاحة جرافات التجديد والتنوير، وفرملة السلوكات والتدوينات الانحدارية في اللحظة المناسبة، وبالتوجيهات والقرارات المناسبة.

والله أعلم

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)