المدرسة المغربية وسؤال العنف

لقد تداولت مجموعة من المواقع الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي وبعض القنوات التلفزية والاداعية على نطاق واسع، واقعة الاعتداء الشنيع الذي تعرض له أستاذ ورززات، حيث يظهر شريط الفديو مهاجمة تلميذ للأستاذه بطريقة اقل مايمكن ان نقول عنها انها شنيعة امام مرآى ومسمع التلاميذ.

هذا الحادت سرعان ما تحول الى رأي عام وطني أدانته بشدة مجموعة من المنظمات الحقوقية والهيئات النقابية، وتناسلت دعوات رجال ونساء التعليم للاحتجاج تضامنا مع زميلهم وفي نفس الوقت التعبير عن سخطهم العارم تجاه الوضع الكاريثي الذي وصلت اليه المنظومة التربوية ومعها مكانة الأستاذ والمدرسة المغربية عامة،والمدرسة العمومية على وجه التحديد.

ان هذا الحادث في نظرنا يبقى مجرد غيظ من فيض، للأن العنف أصبح واقع نعيشه بشكل يكاد يكون يوميا في مؤسساتنا التربوية بعيدا عن أنظار عدسات الكاميرا يكون فيه الأستاذ اما ضحية أوجلاد.

ان العنف كظاهرة سيكوسوسيولوجية يتداخل فيها ماهو غريزي بما هو نفسي واجتماعي وثقافي، هو في الحقيقة مشكل بنيوي يخترق مفاصل المجتمع برمته، له اصول ودوافع عديدة ومتعددة، بدءا بالأسرة التي لا تزال تعتقد ان العنف مسألة ضروية في التربية والتنشئة الأجتماعية لكبح السلوكات الغير المرغوب فيها عند الطفل، وهذا ما يؤكده التقرير الأخير لليونيسف،حيث يعتبرأن 80 بالمائة من الأطفال المغاربة تعرضوا للعنف العائلي، كما أن العنف يمارس في كل مكان بشكل فردي أو جماعي، يمارس في الملاعب،في الشارع العام،في مؤتمرات الأحزاب السياسية، في البرلمان، تمارسه الدولة بشكل مباشروغير مباشرعلى الأفراد والجماعات في الشارع العام بغض النظر على مشروعيته من عدمها،تمارسه بمختلف مؤسساتها القمعية والاديولوجية.

أطفالنا يتشربون يوميا جروعات خطيرة من ثقافة العنف في الألعاب الالكترونية،في الأفلام السنمائية العنيفة في غياب تام للوعي والمراقبة الأسريين،واستقالة المؤسسة الأسرية عن وظيفتها التربوية والتنشئوية.

كما ان المدرسة باعتبارها في جميع المجتمعات أحد أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية،هي الرهان الأساسي للتخفيف من حدة تنامي غريزة العنف والتطرف واشاعة السلوك المدني في صفوف المتعلمين، باعتماد الدرس الفلسفي والعلوم الانسانية كمدخل من مداخل التربية على المواطنة واشاعة ثقافة حقوق الانسان وترسيخ القيم الكونية،من تسامح وتعايش وقبول الأخر المختلف،واعتماد اسلوب الحوارفي التواصل معه مهما اختلفت آرائنا ومواقفنا، واعداد مواطن حر ومسؤول مدركا لحقوقه وواجباته.

الا اننا نسجل وبكل أسف اخفاق المدرسة المغربية في أداء وظيفتها التربوية وذلك لعدة اعتبارات يتداخل فيها الساسي بالثقافي النفسي بالاجتماعي، الا ان مسؤولية الدولة و القائمين على الشان التربوي تبقى تابثة في فيما آلت اليه الاوضاع .

فالمدرسة أصبحت فضاء لتصريف السلوكيات الشاذة والعنيفة بدل محاربتها، ففي الوقت الذي يجب أن تكون فيه المؤسسة التربوية مركزا للانتاج واعادة انتاج القيم الكونية والمثل العليا وفضاءا لتقويم أعطاب المجتمع وانحرافاته، تحولت الى ركح ومتنفس لتفريغ الطاقات السلبية في شكل مكبوتاث عدوانية وميوعة اخلاقية وانفجار جنسي و تفشي الغش في صفوف المتعلمين وتحول المدرسة الى وكر لترويج المخدرات واستهلاكها،في ظل غياب تام للتأطير النفسي والاجتماعي،وغياب الفضاءات الرياضية والترفيهية اللازمة لتصريف هذا العنف بشكل حضاري، وفشل الادارة التربوية في أداء مهامها التربوية وعدم أهلية اطرها للتعامل بشكل سليم مع سلوكيات المراهق وجهلهم التام لبنيته السيكولوجية، مما يفرض عليهم اللجوء الى المقاربات اللاتربوية في شكل تأديبات عنيفة هي الأخرى،غارقة في التقليدانية لا تراعي معايير المدرسة العصرية ولا تعير اي اهتمام للمقاربة التربوية التي تعد من صميم وظائفها.
ان انتشار العنف في المؤسسات التربوية ببهذا الشكل المخيف هو في الحقيقة بمثابة محاكمة عادلة،ونتيجة موضوعية للاخفاق كل السياسات التربوية والاصلاحات المزعومة مند الاستقلال الى اليوم، فانتشار العنف بهذا الشكل انما هو مظهر من مظاهر اخفاق المشروع التربوي برمته واعلان رسمي للافلاس المنظومة التربوية ببلادنا.

ان الدولة هي السباقة الى ممارسة العنف بمختلف اشكاله وانواعه المادي منه والرمزي على المدرسة المغربية من خلال تهميشها للتعليم العمومي والاطر التربوية العاملة بالقطاع من خلال ضرب المكتسبات الاجتماعية، واسالة دمائهم اكثر من مرة في الشارع العام، الاساتذة المتدربين، اطر البرنامج الحكومي وخريجي المدارس العليا للأساتذة وقبلهم الأساتذة المطالبين بالترقية بالشهادة واللائحة طويلة.
الدولة هي المسؤولة عن تدني المكانة الاعتبارية للاستاذ،الذي اصبح محط التنكيث والسخرية الاجتماعية، الدولة مسؤولة عن ضعف التكوين والتأطير للأطر التربوية

والأدارية، الدولة مسؤولة عن توظيف أساتذة بعقود مذلة حاطة من الكرامة الانسانية، والزج بهم في حجرات دراسية مكتضة بالاطفال والمراهقين بدون أدنى تكوين، ليجد الأستاذ نفسه في معركة بدون سلاح، معركة خاسرة مند البداية، يجد نفسه عاجز عن التعامل مع تلاميذ في سن المراهقة، ليست لديه ادنى فكرة على تقنيات ادارة القسم، ولا على ديداكتيك تدريس المادة،ولا على النظريات التربوية والنفسية اللازمة… الخ.

أمام هذا الوضع الميؤوس منه وفي ظل هاته الاختيارات السياسة الغير المحسوبة العواقب في قطاع التعليم، لابد من تظافر جهود الجميع للخروج من هذا المأزق الذي يفرضه واقع التربية والتعليم ببلادنا وضرورة التفكير الجماعي من كل مكونات المجتمع المغربي،نقابات تعليمية، نساء ورجال التعليم، مجتمع مدني و خبراء التربية،وكل الغيورين على التعليم العمومي والمدرسة المغربية واعادة الاعتبار لها وللمدرس.

والدعوة الى الاعتماد على المقاربة التربوية للحد من هذا السيل الجارف من سلسلة الأعمال العنيفة المرتكبة وسن قوانين تمازج بين التأديب التربوي والزجر العقابي لحماية المعلم والمتعلم على حد سواء، للأن العنف في كل الأحوال مرفوض وغير مقبول أي كانت مبرراته.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (2)
  1. يقول اسماعيل:

    مقال رائع دمت متالقا صديقي

  2. يقول الملوكي عبد الرحمان:

    صحيح أخي السملالي، لكن كل ما ذكرته يمكن أن نعتبره تشخيص لظاهرة العنق التربوي، لكن السؤال المطروح مفاده” ماهي الحلول المقترحة للحد من هذه الظاهرة.
    بالاعتبار العنف له مرجعية تاريخية ولا يمكن إعتباره ظاهرة جديدة علينا.
    الملوكي عبد الرحمان.

أضف تعليقك