أصدقاء إلا في السياسة

26 ديسمبر 2017 - 20:57

(السياسة هي ثاني أقدم مهنة في التاريخ وتشبه الأولى إلى حد كبير)

ما يثيرني في صديقي الوزير محمد يتيم، هي تلك الأفكار التي يعتقدها إشراقات، وما هي في واقع الأمر إلا إفراز لتضاربات فكرية حتى لا أقول نفسية، وما جملته الأخيرة إلا تعبير عن ذلك التضارب والغموض، لأن الكثير من أصدقائي عجزوا عن فهم معنى أن “طعني في مؤتمرهم يعبر عن استقلالية قرارهم الحزبي”.

دعونا نكون مبتدئين في السياسة ونتساءل: لو فاز بنكيران بالولاية الثالثة هل كان رضاي عليه سيعتبر تجسيد لرغبة جهة ما؟ أم أن فشله هو ضد تيار ما؟.

في حقيقة الأمر لم يكن يثيرني اختيار بنكيران أم العثماني، لأن هذا قرار داخلي لحزب أحترمه كما أحترم الشخصين، ولكن ذاكرتي فقط تذكرني بأن الذين استعانوا بقرار ما، لجهة ما، ولو بشكل وهمي لهزم بنكيران بدعوى خطورة نجاحه على الاستمرار الحكومي، وعلى العلاقة العسلية التي يجب أن تكون بين الحزب وبين المخزن، موحين إلى أن هذه الاتهامات هي من صميم إهانتي لهم، متناسين أنهم أمسوا يستعيرون نفس لغة انتقادهم لنا، ليحاربوا زعيمهم صديقي المحترم عبدالإله بنكيران.

وليسمح لي صديقي محمد يتيم -الأقل مرتبة في صداقته معي- أن نتحدث في الأمور بوضوح.

إنني أعتقد جازما أن بنكيران كان صادقا مع نفسه، ونفس الشيء مع خصومه، استهدف إلغاء حزب الأصالة والمعاصرة، وحاول اختراق المحيط الملكي بنهجين، الهجوم على حزبنا معتقدا أن مكانة الأصالة والمعاصرة يجب أن تحتلها العدالة والتنمية، ثم استهدف بعضا من المحيط الملكي معتقدا أن ذلك سيعبد له الطريق نحو تموقعه في المحيط، وآنذاك سينفذ برنامجه المعلن وحتى غير المعلن ونحن لا نحاكم النوايا، وكان صديقي بنكيران يقوم بهذا في واضحة النهار، وأمام الملأ، تارة بلغة الشتم والنقد، وتارة أخرى بخطابه الشعبوي الممزوج بنوع من السخرية، وكان يفسد خطابه السياسي حين كان يجد في مواجهته خطابا فاسدا، ويغير لغته أو يصمت حين يجد أمامه خطابا جيدا، ولكن الرجل مند اليوم الأول حدد أهدافه بوضوح، وصنف أعدائه بجسارة، لذلك حين عين رئيسا للحكومة أول ما قاله هو أنه سيتحالف مع جميع الأحزاب إلا البام، مستهدفا إلغاء البام من الواجهة السياسية، وقبل ذلك وجه خطابا إلى جلالة الملك معلنا حب الشعب للملك وطبعا هو منهم بشرط أن لا يكون بجانبه عدة أشخاص، بل حتى حددهم بالأسماء، على كل حال أعلن معركته ولكل واحد أن يفسر مغزاها ودلالاتها، بل وحتى أهدافها. فبنكيران في رأيي رجل من الشرف الدخول في صراع معه، لأن الصراع مع الرجال يظل شهامة يقوم بها ذوي النفوس الخيرة، ورغم أنه هزمنا انتخابيا فقد ظل لي احترام كبير له.

قد تكون نفس الأهداف لديكم السيد محمد يتيم، أي تريدون السلطة وتستهدفون الاختراق، لكن هذه المرة بلغة لينة وبتدرج في الأهداف، لذلك قررتم أن تتنازلوا في الخلاف حول المحيط، ربما لأنكم مقتنعون بأن المعركة أكبر منكم، أو ربما ليس لكم جرأة بنكيران؟ أو فقط أدركتم متأخرين بأن النظام الملكي بقدر ما يقوم على شخص جلالة الملك بقدر ما يشتغل الباقي في ظل مؤسسات منسجمة ومتعاونة. وبشكل عال من الذكاء وسرعة التحرك، قارنتم حجمكم بإمكانيات الآخرين وأخرتم هذه المعركة، وغيرتم موقفكم من حزب الأصالة والمعاصرة، فلم تعودوا تستهدفون إلغاءه كما كان يعتقد بنكيران بأنه يستطيع ذلك.

لذلك أنا أحترمكم في هزيمتكم وشر الهزائم ما يصدر عن الإخوان في المؤتمرات، وأحترمكم في تراجعاتكم، لكونها تنم عن نوع من الوعي المتأخر، ويبدو من خلال هذه المراجعة أنكم تريدون احتلال مكانة الحزب في مواقع تعتقدون أنها ستقربكم أكثر إلى القرار السياسي، فحولتم استمرار بنكيران إلى شر على الملكية، وأنتم خيرا عليها، ولم يعد بنكيران لديكم ذلك الزعيم، بل تحول إلى ذلك الشعبوي المثير للمشاكل، وقلتم للملء أنكم لن تضحوا بالحزب من أجل الزعيم، والحقيقة هي أنكم لا تريدون أن تضحوا بالمواقع في السلطة من أجل الحزب، وهذا الأخير اختزلتموه فيكم وفي بعض أصدقائكم الذين يدعونهم إخوانكم بـ “تيار الوزراء” والله أعلم، فلا يجوز لكم أن تضاجعون بعض المواقف في الليل وتشتمونها في النهار، لأن من سوء السياسة أن تأكلون في الليل من يد ما الغلة، وتسبون في الصباح الملة، وقد صدق ذلك السياسي الذي قال ((لن تعرف كل ما يختبئ في نفسك قبل أن تصل إلى السلطة)).

وكيفما كان الحال، وقد قمتم بهذا الاختيار، وحتى لا أكون ناصحا لكم، أعتقد أن ذهاب بنكيران قد يجعلكم تعيدون النظر بمحيطكم السياسي، وتحولون السياسة إلى مجال للحوار بعيدا عن لغة التحكم والدولة العميقة وغيرها من الشتائم التي صنعتها مرحلة بنكيران، ربما لأنها أصبحت تنطلي عليكم بشهادة إخوانكم.

واسمح لي صديقي أن أوضح لك وبشكل أساسي، أني قد اختلف معك ومع بنكيران، وقد أكون مخطئا، وقد يكون بنكيران كذلك، لكن المهم هو أن لا تخطأ الدولة، لأن خطأ الدولة تكون له نتائج وخيمة على الكثيرين وعلى مصلحة الوطن، أما أنتم، فإذا أخطأتم فلا يعدو أن يكون مجرد حادثة شغل في السياسة كاصطدام دراجة عادية بقطة في الطريق.

لذلك من الصعب أن تفهموا أن خلافي السياسي معكم وحتى مع بنكيران لا يتجاوز حدود السياسية، فبنكيران خصمي السياسي مهما اختلت معه، سيبقى إنسانا وشخصية طبعت مرحلة تاريخية بطريقتها الخاصة، لأنكم يمكن أن تغيروا المواقع، ولكن لن تستطيعون تغيير التاريخ.

وفي الأخير أنا لا أدعوا إلى مساندة هذا أو ذاك، فطي المرحلة قراركم و لا يهم فيه رأيي، ولكن دعونا نفكر فيما يجمعنا من أجل مصلحة هذا الوطن دون مزايدات، ونفتح حوارا حول لغة وممارسة السياسة، لنرتقي بخلافاتنا إلى نوع من الحوار السياسي البناء، حتى نحافظ على ديمقراطيتنا وندفع بها إلى الأمام، ونتعافى من لغة أنبياء السياسة وإعطاء الدروس وشيطنة الآخر، وإثارة الحماس الشعبوي من أجل ضمان مكاسب سياسية لا تمتد في الزمن ولكنها تهدم السياسية كقيم وكأخلاق، دعونا نتحاور وأن يقبل بعضنا البعض دون ذالك العداء المصطنع الذي تحكمه الرغبات دون الأخلاق والمنطق.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

“الوظيفة الإدارية” و”الكرامة الانسانية” وما بينهما..

مفهوم العلية بين الغزالي وابن رشد

سعيد أمزازي.. وزير السنة بامتياز

العِراق وَاقِعٌ لا يُُطَاق

التحرش الجنسي بالأطفال

زوجة الأب ليست خلقا دخيلا

تابعنا على