https://al3omk.com/270241.html

لماذا تصر السلطة الفلسطينية وقيادتها على الصدام ؟!

(1)

ما الذي يجب ان يحدث بعد هذا الانهيار الخطير الذي بات يهدد المشروع الوطني الفلسطيني برمته، من اجل أن يتحرر الرئيس أبو مازن وحركة فتح من أوهام الانفراد بالتحكم في وطن تغلغل فيه الاحتلال الاسرائيلي حتى النخاع، وبات قاب قوسين او أدني من الإعلان الرسمي عن تحقيق حلمه في بسط سيادته على كامل (أرض إسرائيل!!) من البحر إلى النهر؟!

أي كارثة جديدة تنتظرها السلطة الفلسطينية وقيادة أوسلو حتى تستيقظ من حلمها بأنها قادرة على قيادة سفينة المشروع الوطني الفلسطيني وحيدة، وأنها ليست بحاجة إلى شركاء الوطن الذين يعملون ليل نهار في سبيل إنقاذ الوطن والشعب والمقدسات وعلى رأس الجميع حركة حماس.

صحيح ان الرئيس (أبو مازن) قاد وما يزال تحركا جريئا ضد السياسة الامريكية منذ اعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، وذلك من خلال رفضه اللقاء بنائب الرئيس الأمريكي (بينس)، وعقد عدد من الاجتماعات المهمة للقيادة الوطنية وعلى رأسها المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي تم التأكيد فيها جميعا على الرفض القاطع للوساطة الامريكية والبحث الجاد عن بدائل اوربية ودولية  قادرة على إنصاف الفلسطينيين ومساعدتهم في نيل حقوقهم في كنس الاحتلال وإنجاز الاستقلال من  جهة، والبدء بمجموعة إجراءات قد تنتهي بسحب الاعتراف بإسرائيل والاعلان عن انتهاء مفاعيل اتفاق أوسلو بكل جوانبه الأمنية والاقتصادية، والاعلان عن فلسطين دولة تحت الاحتلال من جهة أخرى.

كل ذلك صحيح، إلا ان شكوكا حقيقية ما زالت تفرض نفسها بناء على تجارب الماضي البعيد والقريب، حول ما إذا كان (أبو مازن) جادا بالفعل هذه المرة في المضي بهذه الإجراءات حتى النهاية دون ان ينظر الى الخلف، ودونما انتظارٍ لمن يمكن ان يضع له سلم النزول حتى لو كان هذا السلم مجرد حطام، سواء كان ذاك أنظمة عربية باتت خيانتها واضحة وفاضحة كمصر والسعودية والامارات والبحرين، أو حكومات أوروبية أو إغراءات أمريكية بوعود يحسبها الظمآن ماء لكنها في الحقيقة السم الزعاف والسراب الخادع.

لنقل ان أبا مازن سيكون جادا هذه المرة ولو من باب الدفاع عن كرامته التي داستها إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الامريكية بشكل غير مسبوق، ولننتظر ما ستأتي بها الأيام والشهور القادمة من احداث وتطورات إما ان تكون له او عليه.

إلا أن الشعب الفلسطيني – الا من غضب الله عليه منه ولعنه واعد له عذابا عظيما – لا يمكن ان يعطي الرئيس محمود عباس أية فرصة إضافية للتهرب من استحقاقات المصالحة الوطنية وتنفيذ الاتفاقيات ذات الصلة، والبدء الفوري برفع الحصار الفلسطيني عن قطاع غزة الذي يتعرض اطفاله ونساؤه ورجاله وشيوخه الى عملية موت بطيء بسبب عدم وفاء السلطة الفلسطينية وحكومتها بالتزاماتها الوجودية والاساسية تجاه مليوني فلسطيني يعيشون مأساة حقيقية.

استمرار (أبو مازن) وحركة فتح والسلطة الفلسطينية في لعبة الموت التي تمارسها ضد القضية الفلسطينية سياسيا، وضد الشعب الفلسطيني خصوصا في قطاع غزة وحقه في الحياة، تفريط خطير لن يغفره الشعب الفلسطيني ولن يغفره التاريخ، واخشى ان تضع أبا مازن على قائمة العار التي كانت سببا في انهيارات خطيرة في تاريخ الامة ك – ( ابن العلقمي ) الذي فتح أبواب بغداد للتتار، و (شاور) الذي فتح أبواب القاهرة للفرنجة، و (الصالح إسماعيل) الذي فتح أبواب دمشق للصليبيين، وكالذين فتحوا أبواب بغداد للغزو الأمريكي في العام 2003، و (بشار الأسد) الذي فتح أبواب دمشق للروس وايران، و (السيسي) و (محمد بن سلمان) اللذين فتحا أبواب القدس لترامب ونتنياهو ..

(2)

كجزء من شعب ذاق الويلات خلال مئة عام من الصراع مع المشروع الصهيوني المتدحرج والمصر على التنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة والمعترف بها دوليا، فرحنا كثيرا بتوقيع اتفاق المصالحة في القاهرة بين فصائل المجموع الوطني الفلسطيني وعلى رأسهم فتح وحماس … توقعنا أن يبدأ الرئيس الفلسطيني بتنفيذ الاتفاق فورا على قاعدتي الوحدة الوطنية كفريضة شرعية وضرورة سياسية وحاجة وجودية من جهة، والثوابت الفلسطينية في ظل تعثر مفاوضات السلام بسبب سياسة الرفض الإسرائيلية وتخلي إدارة (ترامب) رسميا عن دورها كوسيط نزيه قادر على ضبط إيقاع عملية المفاوضات على أسس عادلة ومنصفة من جهة أخرى …

ما يجري منذ توقيع اتفاق المصالحة وحتى الآن من مد وجزر وإقدام وإحجام وقبض وبسط وإقبال وإدبار، ينذر بعودة الأمور إلى المربع الأول، مربع التأزم وانسداد الأفق، والذي يعني الوقوع مرة أخرى في فخ الأوهام السياسية والتنظيمية على حساب مستقبل فلسطين وشعب فلسطين..

بات واضحا ان الرئيس أبا مازن ومعه حركة فتح وبدعم من أنظمة عربية محددة غير معني بإتمام المصالحة مهما قدمت حماس من تنازلات وصلت حد (القطع في اللحم الحي)، ومهما أبدت من النوايا الحسنة تجاه عملية مصالحة عميقة وحقيقية تلملم شعث الشعب الفلسطيني وتصوغ مشهده من جديد في مواجهة اخطر مشروع تصفوي لقضيته منذ انفجار الصراع بين المشروعين الفلسطيني والصهيوني قبل نحو قرن من الزمان.

من الظلم وعدم الانصاف تحميل الرئيس محمود عباس مسؤولية التردي العربي والإسلامي وضعف الموقف الدولي الذي جرأ كله حكومة نتنياهو على التسريع في تنفيذ مشاريعها في إنهاء القضية الفلسطينية وقتل حلم شعبها بالحرية والاستقلال، إلا ان أحدا لن يغفر له تعمده المساهمة ولو بشكل غير مباشر في عملية تصفية القضية من خلال وضعه العصي في دواليب عربة المصالحة الوطنية التي أصبحت الملاذ الأخير للشعب الفلسطيني بعد ان اغلق العالم أبوابه في وجهها حتى ما عاد يكترث لما يصيبها على يد الاحتلال الإسرائيلي الذي اطلقت يده في فعل ما يشاء دون حسيب او رقيب.

(3)

الإعلان الفلسطيني الرسمي عن فشل اتفاق أوسلو وتحمل القيادة الفلسطينية تبعات هذا الإعلان، سيصب مباشرة في تعزيز الصمود الفلسطيني في وجه الاحتلال وسيضع الكرة في ملعب الاحتلال الإسرائيلي والمجتمع الدولي. العودة الكاملة للشعب الفلسطيني والانحياز غير المتردد لخياراته المشروعة، سيساهم هو أيضا في تحريك القوى الكامنة في هذا الشعب من اجل فرض إرادته وتحديد مصيره. التحرر من الضغوطات الامريكية – الصهيونية – العربية التي تقف بالمرصاد لأي خطوة في اتجاه تحقيق الهدفين السابقين، سيضع المجموع الفلسطيني على طريق التغيير الجذري في المعادلة الشرق أوسطية وربما الدولية التي ستجد نفسها ملزمة عاجلا ام آجلا بالعمل مرة وإلى الابد لفرض الإرادة الدولية على إسرائيل والزامها بتنفيذ كل القرارات ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.

استمرار الخلاف الفلسطيني – الفلسطيني بكل اسقاطاته السلبية على المشهد الفلسطيني والذي شهد هو أيضا تشوهات عميقة منذ عام 2007 بسبب انقلاب السلطة الفلسطينية ودولتها العميقة على نتائج الانتخابات التي أفرزتها الإرادة الشعبية في انتخابات عام 2006، سيظل المبرر الذي سيعتمد عليه المجتمع الدولي في التنصل من القيام بالتزاماته تجاه القضية الفلسطينية بموجب القرارات والمرجعيات ذات الصلة.

لا شك أن الأعراض الجانبية لأحداث غزة والضفة، رغم المرارة التي سببتها لكل مُحِبٍّ للشعب الفلسطيني ومخلص في خدمة قضيته، يجب ألا تدفع ألقيادة إلى مزيد من التشدد والتمترس من وراء مواقفها، فهي مطالبة فعلا وبكل صدق بأن تتسامى فوق الجراح والأوجاع، وأن تشرع في حوار مسؤول ينقل الشعب الفلسطيني إلى أجواء أكثر صحية، تأسيسا لمرحلة جديدة مثمرة تفتح أبواب الأمل وتُزيل حالة التصادم التي أدخلت الكثيرين إلى نفق مظلم من الإحباط واليأس.

لن ننسى أبدا أن الشعب الفلسطيني وفي إطار انتخابات ديموقراطية حرة ونزيهة، قد قرر منح ثقته الكاملة وغير المنقوصة لحركة حماس التي حصلت على حصة الأسد في المجلس التشريعي وكذلك في البلديات والمجالس المحلية ….

لن ننسى كذلك أنه كان من حق حماس أن تشكل الحكومة الفلسطينية وإدارة شؤون الشعب الفلسطيني بناء على برنامجها السياسي، والذي كان في صلبه القضاء على الفساد الذي استشرى في مؤسسات السلطة، وإنهاء حالة الانفلات الأمني الذي تسبب في معاناة لا تطاق لشرائح واسعة من الفلسطينيين….

لن ننسى كذلك المشاهد التي دلَّت على أن حركة (فتح) وإن قبلت ظاهرا بنتائج الانتخابات، إلا أن كثيرا من قياداتها السياسيين والعسكريين قد بيتوا النِّيَّةَ على إفشال الحكومة الفلسطينية بعدما رفضوا الدخول مع حماس في حكومة وحدة وطنية…..

لن ننسى التهديدات التي صدرت بعد الانتخابات مباشرة من بعض قيادات فتح، التي دعت إلى التمرد المعلن والخفي لقادة الأجهزة الأمنية والمدنية في الضفة والقطاع على القيادة الشرعية ورفضها المتواصل التعاون معها كما ينص عليه القانون، حتى أصبحت حكومة حماس ووزراؤها عاجزين عن تنفيذ أي قرار وفي أغلب الوزارات والأجهزة المدنية والأمنية… لقد تصرف قادة فتح وموظفوها الذين شكلوا أكثر من 90% من أجهزة السلطة، على أنهم دولة في داخل الدولة وحكومة في داخل الحكومة…. لقد كانت أزمة الصلاحيات والولاءات السِّكِّين الذي نحر في عنق الشرعية الفلسطينية، والذي مهد إلى حد كبير إلى ما آلت إليه الأمور …..

لن ننسى صبر حركة حماس على هذه الأجهزة وهذه القيادات التي عاثت في الأرض الفساد، والتي قدمت لجانٌ خاصة في المجلس التشريعي منذ سنوات طويلة وفي عهد المرحوم ياسر عرفات، وقبل دخول حماس الانتخابات، تقارير طالبت بمحاسبة ومحاكمة من سرقوا أموال الشعب وعرَّضوا أمنه وكرامته للخطر من مسؤولين في السلطة وعلى جميع المستويات، مشيرة بوضوح إلى قائمة طويلة من الأسماء. إلا أن الوعود بتنفيذ هذه التوصيات ذهبت أدراج الرياح وأغلق الملف، بل ورُّقي كثير ممن وردت أسماؤهم في قوائم الفساد السوداء، وتقلدوا أرفع المناصب الرسمية والشعبية.

لقد سعت حكومة حماس العاشرة وحكومة الوحدة الوطنية بعد اتفاق مكة إلى حل أزمة الفلتان الأمني وتمرد الأجهزة وتجاوزها حدود صلاحياتها بشكل سلمي، ودعت كل الأطراف على المستويين الوطني والإقليمي إلى التدخل الفوري لتصحيح الوضع وتطهير الأجهزة وبنائها على أسس وطنية مهنية بعيدا عن الفصائلية والفئوية، إلا أن شيئا من هذا لم يتحقق، مما جرَّأ بعض القيادات الأمنية إلى التمرد العلني على الحكومة ووزراء داخليتها حتى في حكومة الوحدة الوطنية الحادية عشرة…..

(4)

لقد كشفت الأحداث منذ أزمة الانفصال عام 2007 وحتى الآن كثيرا من الصفحات، وعَرَّتْ كثيرا من الرموز، وفضحت كثير من الأسرار، كنا نتمنى أن يضع اتفاق القاهرة حدا فاصلا بين ذلك الماضي على ما فيه من أزمات سيظل النقاش حولها مستمرا، وسيقول فيها التاريخ رأيه، وبين حاضر تبنيه القوى الطاهرة والمخلصة من فتح وحماس وباقي الفصائل، متجاوزين كل أخطاء الماضي بغض النظر عمن كان على حق ومن كان على باطل، وهذا ما جاء واضحا في خطابات القيادات الفلسطينية في احتفال التوقيع على العديد من اتفاقيات المصالحة ، حتى ظننا أن عهدا جديدا قد بدأ في تاريخ الفلسطينيين …

لا يمكنني مع ما ذكرت ومن خلال تجربتي الشخصية إلا أن أعترف بأنني لا أشك في حسن نوايا الرئيس الفلسطيني (أبو مازن) وبالطبع في نوايا رئيس المكتب السياسي السابق لحماس (خالد مشعل) والحالي (إسماعيل هنية) …  لا أشك أيضا في إخلاصهما للقضية الفلسطينية وإيمانهما بعدالتها وحرصهما على نجاحها…  إلا أنني لا أستطيع أن أفهم سلوك الرئاسة الفلسطينية الذي يمكن أن يفشل مشروع المصالحة برمته، كما لا يمكنني التحرر من الشعور وكأن قوى خفية ما تزال تدفع بها إلى الوراء، رغم أن الظروف الموضوعية التي تمر بها القضية يجب أن تدفعها في اتجاه التسريع بإنجاز المصالحة والاتفاقات ذات الصلة بمعزل عن رأي العالم الذي لم يقدم للشعب الفلسطيني إلا الوعود الكاذبة والسراب الخادع..

قبول (حماس) بالتنازل عن حقها في إدارة شؤون السلطة (الدولة !!!) بموجب نتائج الانتخابات، وقبولها بحكومة الحمدالله التوافقية وتمكينها من سلطاتها الكاملة في قطاع غزة بلا منازع، وتسليمها للمعابر التي تربط القطاع بالعالم الخارجي، يعتبر تضحية كبرى، كنت أتمنى أن تلقى التعاون الفعلي، لتجد طريقها إلى أرض الواقع …

حالة التذبذب التي يعيشها الشعب الفلسطيني بسبب هواجس الرئيس عباس، يعيدنا للعيش تحت كابوسٍ ظننا أننا تخلصنا من تنغيصه القديم، بينما هو يطل علينا من جديد برأسه الأشعث مهددا مشروعنا بخطر كبير وشر مستطير …

لا بديل أمام القيادة الفلسطينية إلا أن تتجاوز حالة الاحتقان الجديدة هذه والعمل على تجاوزها من خلال تقسيم ذكي للأدوار يُعطى كل طرف فيه ما يخدم المصلحة الفلسطينية العليا … لا جدوى من سياسة شد الحبال، كما انه لا جدوى من الرجوع إلى الوراء، وإنما الجدوى كلها في توزيع جديد للأدوار، وصياغة مبدعة لنمط سياسي يستفيد من التجربة الماضية بما يخفف الضغط على الشعب الفلسطيني، ولا يكون ذلك إلا من خلال التنفيذ الأمين والدقيق وغير المتحايل   لاتفاق القاهرة ــــــ

الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك