https://al3omk.com/274177.html

التفكير الفلسفي كأفق للتعايش الإنساني

من البديهي أن الإنسان يتميز عن جنسه الحيواني بنوعه العاقل، لأن ملكة العقل هي أعظم ما في الإنسان، والفلسفة منذ نشأتها إلى اليوم، وهي تساعد الإنسان على إعمال عقله، ونمو التفكير فيه وتحريره من التبعية الفكرية ومن الإطلاقية والوثوقية، ومن التسليم بالأشياء والقضايا التي تحتاج إلى سجال ونقاش، وهذا لا تعارضه شريعتنا الإسلامية على مستوى الشكل أساسا. والمتأمل للخطاب القرآني سيكتشف أن الدين الإسلامي يدعو إلى التأمل وإلى إعمال العقل، ضدا على منطق الإمعة والإنغلاق.

ومن المؤسف جدا، أن قرار إلغاء مادة الفلسفة من الامتحان الوطني بالنسبة للبكالوريا المهنية، وجعل مادة التربية الإسلامية بديل عنها، إنما هو محاولة لإعادة النقاش الدائر بين الحكمة والشريعة، وترويج فكرة وهمية قاصرة وهي أن الفلسفة تعارض الدين، وأنها تؤدي بالإنسان إلى الكفر والزندقة والمروق عن الطريق الحق. وكأن دولتنا المحترمة تريد فعلا ترسيخ القيم الدينية والثوابت الإسلامية، وبغض عن نوايا منظومتنا التعليمية وراء هذا القرار، لنتأمل مقرر التربية الإسلامية وطرق تدريسها داخل الفصول الدراسية، سنجد أن هناك ضرب للدين ولثوابته، والشاهد على ذلك ما لحق مقررات التربية الإسلامية مؤخرا من تعديلات وتصويبات كما يسمونها.

لكن وراء هذا الخطاب الجميل الرائع العسلي توجد هنالك مصالح وأهداف، همها الوحيد هو تدجين الأجيال وتخديرهم، وبالتالي تغول الاستبداد والديكتاتورية التي تسعى إلى السيادة والسيطرة على الحقوق والممتلكات، لأن الفلسفة تزعجهم وتخلخل قراراتهم التدميرية. إن الفلسفة انطلقت حوارا ساخرا من أجل توليد المعرفة، كان ذلك في الفضاء العام (الأغورا)، في السوق والحديقة والبيت، وبالتالي لا مجال لممارسة الاستبداد ولا للإقصاء، فلا يتخذ قرار إلى بالنقاش والحجة والبرهان، ولذلك أرادوا النيل من الفلسفة، لأنهم كالجراد لا يهدؤون إلا بالقضاء على المحصول الزراعي، ووضع التلاميذ في مرتبة أدنى وقولبة عقولهم وتخديرهم وتوهيمهم.

وإن من الحماقة أن واضعو هذا القرار يجهلون قيمة الفلسفة ودورها في إنتاج قيم إنسانية كونية، كما أنهم يريدون ضرب المنظومة التعليمية وإراقة ما تبقى من ماء وجهها، ففي غياب فعل السؤال، لا يمكن أن نتحدث عن تعليم جيد داخل هذا الوطن، والفلسفة كما يقول طه عبد الرحمان لم تشتهر بشيء اشتهارها بممارسة السؤال، وهذه الآلية تكفي من مساعدة التلاميذ في إكسابهم خطاب فلسفي تنويري إبداعي، وتكوين شخصيتهم والقدرة على التعبير على آرائهم والدفاع عن وجهة نظرهم، وتربيتهم على القيم الإسلامية كما هي، لا كما يروج لها من خلال قنوات الزيف والعار والشهيوات والأغاني الخسة.

إنهم يريدون أن يخلقوا جيلا من الضباع بتعبير محمد كسوس، ويزرعون الفكر الدوغمائي والتبعية الفكرية، ضدا على منطق الحوار والسجال والنقد والمساءلة وقبول الرأي والرأي الآخر، ولنا أن نتساءل عن أي مستقبل لهذه المنظومة في غياب الفلسفة كفكر تحرري منفتح؟ أي خيار هذا الذي يفتقد إلى الفضيلة والتعقل؟ وكيف يمكن تصور مجتمع تسوده القيم والفضيلة والأمن، بدل العنف والتكفير والإقصاء في غياب الفلسفة؟

لا ينبغي أن نخشى من قرار كهذا صادر من أعداء الفكر والحرية، فديكارت لا يخشى آراء أولئك السفلة الذين يحاربون الفيلسوف والفلسفة في نفس الآن وفي هذا الصدد نجده يقول: “وأن كل من صمم على محاربتها لن يجني سوى الاندحار”، ولن تصاب منظومتنا التعليمية إلا بالإندحار والتيه في عوالم الجهل والتبعية والدغمائية، ولا شك أن النتيجة هي إنتاج جيل من المجرمين وقطاع الطرق ومدمني المخدرات من أجل السفر بأنفسهم إلى عالم آخر ونسيان واقعهم، وعدم مساءلة المسؤولين وصناع القرار.

إنه لإعادة زمن محنة الفلسفة، فالمتأمل في تاريخ الفلسفة سيدرك جيدا، أن حال الفلاسفة والمفكرين لم يكن جيدا في كثير من الأحيان، منذ سقراط في المرحلة اليونانية إلى يومنا هذا، ولنذكر على سبيل المثال محنة ابن رشد والفرابي وابن باجة وغيرهم، وكيف أنهم عانوا وأعدموا وقتلوا تقتيلا، لا لشيء إلا لأنهم دافعوا عن مشروع عقلاني في بيئة خرافية تسلطية تكفيرية، دافعوا عن الفلسفة كفكر تنوير تحرري، وأدركوا أن الإنسان كلما ابتعد عن العقل يتحول إلى مجرد شيء يتم تصنيعه، وبالتالي يصبح أداة يستعملها المستبد لقمع العقل واضطهاد الفلاسفة والعلماء، لأنهم يفسدون عليه حفلاته التنكرية، ويحرمونه من لذة السلطة ويقتربون منه من أجل مساءلته، فلا أحد يستطيع ذلك إلا الفيلسوف والعالم والمفكر الجريئ الذي لا يخشى أحدا إلا الله.

ولست أتحدث عن الفلسفة الإلحادية المادية التي تعتبر الإنسان كدابة وحيوان مجرد من وظيفته الاستخلافية، بل أقصد الفلسفة بما هي نشاط عقلي حر ومستقل، يقبل الآخر المختلف، مهما كان فكره وشكله ولونه ودينه ويدرك مصيره الأخروي، كما أنني لا أتحدث عن الفيلسوف المتغطرس الذي ينظر ويفكر في الفضاء، بعيد عن واقع مجتمعه وما يعيشه من ويلات، ويدعي أنه يمتلك الحقيقة، بل أتحدث عن الفيلسوف الذي يعيش هموم مجتمعه ويدافع عن المستضعفين وينقب عن الحقيقة، المزعج للسلطة، فالفلسفة والسلطة عبر التاريخ لم يتوافقا، ولا أتصور أن مفكرا في واقعنا يتواطئ ويتطبع مع السلطة ويناصر وينتصر للإستبداد والحكم الجائر، يستحق أن يدعى فيلسوفا، ومهمة الفيلسوف هو الدفاع عن المظلومين والمقهورين ممن يعيشون معه، بعيدا الشعارات والأوهام والأقوال الهلامية الطوبوية.

من أجل أن أنفي عن نفسي تهمة البكاء على الأطلال، أتقدم باقتراح وأقول بدل تغيير الفلسفة وجعلها مادة ثانوية أو ترف فكري لا طائل يرجى منه، لابد من إعادة النظر في طريقة تدريسها، التي تجعل من التلميذ وعاء يتم ملؤه بأفكار الفلاسفة ومواقفهم واتجهاتهم، والانتقال إلى مستوى تدريب التلميذ على إكتساب أسلوب وحرفة الفلاسفة في التفكير وامتلاك آليات مساعدة على ذلك، التي تقوم أساسا على خلخلة الأفكار السلبية، والبرهان والقطع مع الحس المشترك، و زحزحة الوهم والتلقي السلبي للأفكار الهدامة للقيم الإنسانية الكونية.