https://al3omk.com/275537.html

جمعيات آباء التلاميذ بالمغرب.. بين خدمة المدرسة واختلالات التدبير

يسجل العديد من المتتبعين للشأن التربوي انزياح بعض جمعيات الآباء عن الأدوار المنوطة بها، ويرصدون اختلالات على مستوى التسيير وتشكيل المكاتب المحلية، فيما يبقى الجانب المالي لهذه الجمعيات، من أبرز الملفات التي تثير نقاشات عن كيفية جمع الأموال وطرق صرفها وآليات المراقبة والمحاسبة. فما هي أدوار ومهام هذه الجمعيات؟ وما الإطار القانوني الناظم لعملها؟ وما هي أبرز الاختلالات التي تعرفها؟ وما هي مقترحات الأسرة التربوية من أجل تجاوز العديد من الأخطاء المرصودة؟

فبالرغم من أن ميثاق التربية والتكوين يشدد على أن الأنشطة الموازية تلعب دورا هاما في عملية التكوين، إلا أن عددا من جمعيات الآباء تهمل هذا الجانب الرئيسي في مهامها، وتجعله موسميا وخاضعا للعلاقات وليس وفق مخطط استراتيجي ضمن أعمالها، وهو ما يجعل التقارير الأدبية في الجموع العامة لهذه الجمعيات، تمر في الغالب بطابع شكلي نتيجة عدم وعي الآباء بأدوارهم وطبيعة اشتغالهم داخل هذه الجمعيات.

“التسييس”

الباحث التربوي مصطفى فاتحي، اعتبر في تصريح لجريدة “العمق”، أن الأدوار الرئيسية لجمعيات الآباء التي تنظِمها المساطر القانونية، لا تُنفذ في مجموعة كبيرة من الحالات، حيث يُسجل غياب تمثيل عدد من هذه الجمعيات في المجالس الإدارية والتربوية للمؤسسات التعليمية (مجلس تدبير المؤسسة، المجلس التربوي، مجالس الأقسام)، مشيرا إلى أن الآباء يتنازلون عن حقهم في التمثيل نتيجة غياب الوعي، إضافة إلى أن بعض الإدارات تضع عراقيل لتمثيل الجمعيات مخافة إشراكها في التدبير الجماعي للمؤسسة.

لكن الأخطر من كل هذا، يضيف الفاعل التربوي، هو تسييس بعض من هذه الجمعيات من خلال فرض مكاتبها وتسييرها بالتحكم والولاءات السياسية في عملية انتخاب أعضاء المكتب والرئيس، وذلك بمنطق “توزيع الكعكة” وكأنها امتياز، وهو ما يجعل الشكوك تحوم حول وجود اختلافات تدبيرية واستفادات مالية في الأنشطة والأعمال الإصلاحية والتدبيرية لمختلف مرافق المؤسسة، الأمر الذي يجعل الأبعاد التربوية تغيب عن عمل هذه الجمعيات بسبب الاعتبارات السياسية والحزبية التي تطغى عليها.

وفي هذا السياق، يُطرح إشكال غياب آليات المراقبة والمحاسبة لضمان نزاهة التدبير المالي لهذه الجمعيات، فبما أن جمعيات الآباء تقوم بجمع أموالها من انخراطات التلاميذ وآبائهم والمحسنين والهيئات الشريكة، وتملك حسابات بنكية لهذا الغرض، فلابد أن تخضع للمحاسبة والمساءلة حول طرف صرف لتلك الأموال، باعتبارها جمعيات يؤطرها قانون الحريات العامة التي تخضع للمراقبة، يقول الأستاذ الذي يشتغل بمؤسسة تعليمية بقلعة مكونة.

ولفت فاتحي إلى أن القانون يمنح لهذه الجمعيات الحق في الاقتراح والدفاع عن التلاميذ وفق ما يحدده القانون، وليس التدخل في الشؤون التدبيرية للإدارة، مشيرا بالمقابل، إلى أنه هناك قانون يمنع الجمعيات من اعتراض قرار معين صادر عن الإدارة أو اللجوء إلى القضاء مثلا، داعيا في سياق متصل، إلى أن تقوم هذه الهيئات بأدوار بيداغوحية وتأطيرية وألا تكتفي فقط على ما هو تقني.

واعتبر الباحث في سلك الدكتوراه، أن هذه الإشكالات التي تعتري واقع جمعيات الآباء بالمغرب، هو جزء لا يتجزأ من أعطاب المنظومة التربوية بالبلد ككل، وهو ما يجعل الموضوع حلقة من حلقات الفساد التربوي وفقدان بوصلة التعليم بالمغرب، مشيرا إلى عدم محاسبة المسؤولين عن فشل المخطط الاستعجالي كمثال على هذا الأمر، مشددا على أنه لا يمكن إصلاح هذه الاختلالات دون إصلاح بنيوي للمنظومة التربوية كلها عير تفعيل آليات المحاسبة والمراقبة.

“استخلاص الأموال”

مسؤول مالي لإحدى جمعيات الآباء بتطوان، فضل عدم الكشف عن اسمه، كشف في اتصال لجريدة “العمق”، أنه تقع أحيانا أن حالات نزاع بين جمعيات آباء وإدارات المؤسسات التعليمية، تصل إلى حد اللجوء إلى القضاء، في حين تحدث صراعات داخلية بين أعضاء الجمعية من آباء ومسؤولي المكتب المسير، بسبب قضايا تتعلق بصرف الميزانية أو طريقة تنظيم أنشطة، أو مشكل في التنسيق مع الإدارة، وغيرهم.

بالمقابل، أشار المتحدث إلى أن عددا من جمعيات الآباء تساهم بشكل رئيسي في تسيير المؤسسات التعليمية، في ظل ضعف الميزانية المرصودة لبعض المدارس من طرف الأكاديميات، كما أن جمعيات الآباء تتكلف بمصاريف راتبة لأعوان يشتغلون بالمؤسسات التعليمية.

وبخصوص كيفية استخلاص أموال الجمعيات، قال المتحدث إن ذلك يخضع للقانون الداخلي لكل جمعية، حيث نجد أن المبلغ المفروض على التلاميذ يتراوح بين 20 و 100 درهم، مع مراعاة الظروف الخاصة لبعض التلاميذ، مع استخلاص مبالغ عن طريف شراكات مع مؤسسات رسمية وجمعوية ومن طرف محسنين.

ورغم أن جمعيات كثيرة لا تعتمد على القوانين المؤطرة لهذا المجال، إلا أن تشكيل المكاتب المسيرة لهذه الجمعيات، يتم في إطار التوافق أو الانتخاب ضمن جمع عام، حسب كل مؤسسة، حيث يستمر المكتب لثلاث سنوات، وهو ما يجعل قضية الديمقراطية في الانتخاب من عدمها رهين بطبيعة كل جمعية.

“عمل نبيل”

بالمقابل، اعتبر سعيد كشاني، رئيس الكونفدالية الوطنية لجمعيات آباء وأمهات وأولياء التلاميذ بالمغرب، أن العمل الذي تقوم به جمعيات الآباء هو من النبل، بحيث أن الانتماء السياسي لأعضاء مكتبها يصبح بدون تأثير، مضيفا أن “جمعيات الآباء بالتأكيد ليست مجالا ملائما لمن يريد الدعاية لهيئة سياسية، بل هي بالعكس قد تكون فضاءً لتوحد أفراد بحساسيات سياسية متباينة من أجل خدمة المتعلمين”.

وأوضح أنه يفترض في جمعيات الأمهات والآباء والأولياء أن تقوم بمهام ووظائف أساسية، أهمها ربط جسور التواصل بين المدرسة والأسر، تحسيس الأسر بأهمية الأدوار المنوطة بها وتأطيرها للقيام بها، المساهمة في تحسين فضاء المؤسسة التعليمية وصيانة تجهيزاتها وتنشيط الحياة المدرسية، النيابة عن الأسر في مختلف مجالس المؤسسة التعليمية، تتبع تحصيل المتعلمين والتدخل لإبداء الملاحظات متى تم تسجيل خلل في وظائف المدرسة، البحث عن شراكات ذات العائد الإيجابي على المؤسسة، ثم المساهمة في إنجاح مشروع المؤسسة.

وقال كشاني في تصريح لجريدة “العمق”، إن هذه الجمعيات تعتمد بالأساس على انخراطات الأسر من أجل الحصول على الموارد المالية اللازمة للقيام بمهامها، إلا أن كثيرا منها يعمل على الحصول على موارد مالية إضافية باللجوء إلى الدعم الذي تقدمه جهات عمومية أو خواص من الغيورين على التعليم والتعلم، على حد قوله.
“تطور مُـقـيَّـد”

وشدد المسؤول التربوي كشاني على أن جمعيات الآباء “عرفت خلال السنوات الأخيرة تطورا إيجابيا في وعي أعضاء مكاتبها بالأدوار المنوطة بهم، فقد تجاوز أغلبهم الدور المقاولاتي المحدود في إصلاح بنيات وتجهيزات المؤسسة، وشرعوا يولون الاهتمام بالنواحي التربوية ويبدون آراءهم في كل ما يتعلق بالعملية التعليمية”.

وبخصوص مدى التزام هذه الجمعيات بالقوانين المؤطرة لها، قال رئيس الكونفدالية الوطنية، إنه إلى حدود الساعة، تخضع جمعية الآباء لنفس مقتضيات القوانين المنظمة لعمل جمعيات المجتمع المدني، بالرغم من أن اشتغالها يتم أساسا داخل فضاء المؤسسة التعليمية، مما يقيد إلى حد ما وفي حالات عديدة من حريتها في تنفيذ البرامج التي تسطرها.

وفي موضوع تداخل صلاحيات جمعيات الآباء مع إدارات المؤسسات، أكد كشاني على أنه “يفترض أن لا يكون هناك تداخل في الصلاحيات، بل المطلوب أن يكونا متكاملتين ومنسجمتين، إلا أنه للأسف يلاحظ هنا وهناك ضعف أو انعدام تجاوب الإدارة مع الجمعية، كما أن البعض من المكاتب المسيرة للجمعيات غير مدرك لحدود التدخل في مكونات المؤسسة”.

وتابع قوله: “كثير من المذكرات الوزارية والتصريحات الرسمية تدعي أن جمعية الآباء هي الشريك الأول للمؤسسة التعليمية، وأنا أدعو الجهات المسؤولة إلى أن يجعلوا هذه الشراكة بالفعل حقيقية وذلك بتوفير كل الظروف والوسائل التي تيسر لها القيام بأدوارها كاملة وبإشراك الهيئات الوطنية الممثله لها في كل مشروع يهم المنظومة التربوية، وبالمقابل أدعو جمعيات الآباء إلى تقدير الدور الحضاري الذي ينبغي أن تقوم به وإلى تطوير أدائها بما يساهم في الارتقاء بالمدرسة المغربية”، وفق تعبيره.

الأدوار والإطار القانوني

تعتبر جمعيات آباء وأولياء التلاميذ بالمغرب، فاعلا أساسيا في المنظومة التربوية من خلال مد جسور التواصل بين المؤسسات التعليمية والأسر والأطر التربوية، والإسهام في التدبير الجماعي للشأن التعليمي عبر إجراءات تقنية وأنشطة تأطيرية، وذلك وفق النصوص القانونية المؤطرة لعملها، وهو ما جعل الميثاق الوطني للتربية والتكوين يشدد على دورها الأساسي في خدمة المدرسة المغربية.

تموقُع جمعيات الآباء داخل فضاء المؤسسات التعليمية، تم بشكل تلقائي عبر تاريخ المنظومة التربوية البلد، قبل أن يتم إدماجها كعنصر أساسي في منظومة التربية والتكوين واعتبارها آلية من آليات تدبير الشأن التعليمي والتربوي ضمن مذكرات ونصوص تنظيمية، وذلك بالرغم من غياب إطار قانوني شامل يحدد نظامها ويؤطر مجال تدخلها وآليات اشتغالها، حيث يعتبر ظهير الحريات العامة للجمعيات الصادر في 1958 هو الإطار المرجعي الوحيد الذي يؤسس لوجود جمعيات الآباء.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك