التسليم، délivrance وlivraison: خواطر عن النسخة العربية لقانون الإلتزامات والعقود المغربي
https://al3omk.com/277436.html

التسليم، délivrance وlivraison: خواطر عن النسخة العربية لقانون الإلتزامات والعقود المغربي

لسنا نبالغ إن ادَّعيْنا أن قانون الإلتزامات و العقود هو العمود الفقري للقانون المدني المغربي و هو المؤطِّر الرئيسي ليَوميات المُواطن. و إذا تواضعنا على هذا المُعْطى فَسنتّفق حتماً على ما يستحقه هذا القانون من تَحْيِين و صيانة و تبسيط ابتِغاءً للفاعلية و المرونة.

والحقُ أن آخر عهدي بهذا القانون،على الأقل من حيث الدراسة، كان في مدرجات كلية الحقوق بفاس منذ ما يناهز 20 سنة. و قد شدني الحنين إليه بعد أن لامستُ من جديد القانون المدني الكيبيكي ، خاصة و أن كلا القانونين ينْهَلان مبدئيا من نفس المَعِين.

قبل الإستطراد في الكلام ، نُذكِّر أن الإسم الرسمي لقانون الإلتزامات و العقود المغربي هو: ظهير 9 رمضان 1331 ( 12 أغسطس 1913) . و لعل الجينات الأولى لما نعتزم بَسْطه في هذه العُجالة ثاوية في ثنايا هذه التسمية و خاصة في التاريخ المشؤوم 1913 . كما أن الإصرار على التاريخ الإحتفاظ بمفردة ” أغسطس” يحضُّنا على طرح بعض التساؤلات . تساؤلات سنُعرض عنها الآن لنخوض في المثن.

من المقدمة نفهم أننا أمام قانون صدر أولاً باللغة الفرنسية وتمت ترجمته بناء على سياسة ” التوحيد و المغربة و التعريب ” .مُتَّهمٌ في وطنيَّته مَنْ اعترض على هذه السياسة أو شكَّك في جدواها ، و متهم في احترافيته مَنْ قدّس هذه السياسة و لم يحاول تصويبها.….

وهكذا، ومع البند الأول تصطدم بالتعقيب التالي :

وردت في النص الفرنسي عبارة ” des délits et des quasi-délits ” “عن الجرائم وأشباه الجرائم” بدل : ” … ” كما جاء في الترجمة العربية؛ …وبذلك يمكن صياغة الفصل 1 أعلاه كالآتي: ……

ثم نقرأ في البند الثاني :
وردت في النص الفرنسي عبارة ” les éléments ” “العناصر” بدل الأركان كما جاء في الترجمة العربية؛… وبذلك يمكن صياغة الفقرة 1 من الفصل 2 أعلاه كالآتي: “…”
وهذه الإستطرادات و الملاحظات و التعقيبات ستستفزنا في محطات كثيرة ، و سنجد في الفصل 19 ما يلي: مقارنة مع النص الفرنسي، سقطت من الترجمة العربية عبارة “عقدا جديدا وإنما”؛ وبذلك يمكن صياغة الفقرة الثانية من الفصل 19 أعلاه كالآتي: ” ….”

بل إننا في الفصل 373 سنكتشف أن فقرة بأكملها سقطت من الترجمة العربية ”ومن ليست له أهلية التبرع ليس له ترك الحق الحاصل من التقادم” ….
ليبقى التساؤل الذي يفرض نفسه: ما سبب هذا الورع العلمي الذي يجعلنا ننقل الترجمة العربية بأخطائها على أن نصححها في الهوامش؟ ما الذي يمنع من تدوين البنود صحيحةً و سليمةً دون ”فضح ” المترجم ؟

كنّا نوَدُّ أن نطالب كذلك بتجاهل النص الفرنسي للقانون ، لولا بعض إشكاليات الترجمة و التأويلات و التي لا تزال رابضة هنا و هناك ، مما يجعلنا في حاجة دائمة إلى النص الأجنبي الذي شيئَ له أن يكون ”الأصلي”، في انتظار أن يفطن مُشرِّعونا أن قانوناً صدر سنة 1913 و تُرجم على عجل سنة 1965 محتاج فعلا إلى تحيين جذري.

وإن كان المُشرِّع المغربي قد تفَرّد بهذه ”الأمانة العلمية” الغير مرحب بها دون نظرائه في الجزائر ،تونس ، ليبيا، ومصر فإنه تشارك و إياهم ، في أحايَين عدة ، ”ركاكةً” كان، ولا يزال ، بالإمكان تفاديها. ركاكةٌ نعتقدها نتيجة الإصرار على الترجمة الحرفية للنصوص. لنقرأ مثلا هذه الجملة القصيرة التي تتكرر فيها كلمتين:
” الالتزام بنقل حق عیني یتضمن الالتزام بتسلیم الشيء والمحافظة علیه حتى التسلیم . ”

والتي سنجدها في الفصل 167 من القانون المدني الجزائري ، 206 من القانون المصري ، و 209 من القانون الليبي و هي ترجمة للجملة :
” L’obligation de transférer un droit réel comporte celle de livrer la chose et de la conserver jusqu’a la livraison. ”

ليس بالضرورة أن نكون مصابين بعقدة الدونية حتى نَحكُم بسلاسة النص الفرنسي مقارنة بترجمته العربية. نفس الملاحظة بالنسبة للفصل 511 من القانون المغربي، حيث النص الفرنسي يقرأ كما يلي :
Le tout, sauf usage ou stipulation contraire .

فيما ترجمته العربية تبدو كالتالي : ”والكل ما لم يجر العرف أو الاتفاق بخلافه”.
مثال آخر و هو الفصل 540 و الذي يُقرأُ كما يلي:
”البائع سيئ النية ملزم بأن يدفع للمشتري حسن النية كل المصروفات التي أنفقها حتى مصروفات الزينة أو الترف”.

هذا الفصل أراده المشَرّع المغربي أن يكون ترجمة للنص الفرنسي الآتي:
Le vendeur de mauvaise foi doit rembourser à l’acquéreur de bonne foi toutes les dépenses même voluptuaires ou d’agrément, que celui-ci a faites.

ولا يمكن للمرء إلا أن يتضامن مع الطالب التونسي في كلية الحقوق حين يقرأ الفصل 631 من ”مجلة الإلتزامات و العقود ” و التي كُتِبت كالتالي :
”ضمان الاستحقاق يقتضي أن البائع يكف عن كل فعل أو دعوى تؤول إلى مشاغبة المشتري أوحرمانه من الفوائد التي له الحق أن يعول عليها نظرا لما أعد له المبيع وإلى الحالة التي كان عليها وقت البيع.”

جملة تتكون من 36 كلمة لا تتخللها أية نقطة أو فاصلة ،ناهيك عن ترجمة غير موفقة فيما نعتقد. و الأمر يتعلق بالنص الفرنسي الآتي:
L’obligation de garantir emporte pour le vendeur celle de s’abstenir de tout acte ou réclamation qui tendrait à inquiéter l’acheteur ou à le priver des avantages sur lesquels il avait droit de compter, d’après la destination de la chose vendue, et l’état dans lequel elle se trouvait au moment de la vente.

وإن تعجب ، فلهذا ” الكسل” الذي تعدَّى المترجمين ليشمل جحافل المشرِّعين الذين مرُّوا أمام تلكم النصوص و لم تستفزهم صرخة اللغة العربية بلسان حافظ إبراهيم :
وَسِعْـتُ كِتَـابَ الله لَفْظَـاً وغَايَـةً . . . وَمَـا ضِقْـتُ عَــنْ آيٍ بــهِ وَعِـظِـاتِ
أنا البحرُ في أحشائِهِ الدرُّ كَامِنٌ . . . فَهَلْ سَأَلُـوا الغَـوَّاصَ عَـنْ صَدَفَاتـي
فيا وَيْحَكُمْ أَبْلَـى وَتَبْلَـى مَحَاسِنـي . . . وَمِنْكُـم وَإِنْ عَـزَّ الـدَّوَاءُ أُسَاتـي

حتماً لا نطالب بنص قانوني في طرافة المقامة البغدادية و لا في بلاغة لامِية الشنفرى ، لكن يستحسن صياغة قوانين البلد بأسلوب سليم لا يضطر الطالب المُعرَّب أن يدمن بسببه على الأقراص المهدِّئة للأعصاب.

لا جَرم أن الموضوع خليق بأن يستهلك أكثر من مجرد ملاحظات ارتجالية. لذلك سأكتفي بمثال واحد أثارني عندما حاولت مقارنة بعض البنود في القانونين الكيبيكي و المغربي . الأمر يتعلق بالمصطلحين livraison و délivrance و التي أبى كل مترجمي القوانين من المحيط إلى البحر الأحمر إلاَّ أن يستعملوا لفظ ” تسليم ” كنظير للكلمتين . و دون التطاول على ”علم” الترجمة ، فقد كان بالإمكان إضافة مصطلحات أخرى من قبيل : ” التَّمكين” ” الإيصال” أو ”التوصيل” ….

و الحال أن المُفردتين ليس لهما نفس الحمولة القانونية فعملية délivranceتعتبر من شروط تمام البيع. أماlivraison ف”مجرد” فعل لا يشكِّل ركنا و لا شرطاً في البيع. لذلك اقتصرتْ كل التشريعات المدنِيّة على تعريف délivrance فقط . ولا يَسعُنا هنا إلّا نُشيدَ بتميُّز المُشرِّع الجزائري ، و الذي تفوَّق على نظرائه حتى في فرنسا و كيبيك . ذلك أنه استشعر الخلط الذي يمكن أن يحصل بين العمليتين فَنبَّه إلى ذلك أتناء التعريف الوارد في الفصل 367 من النسخة الفرنسية للقانون المدني الجزائري :
La délivrance consiste dans la mise de l’objet vendu à la disposition de l’acheteur de façon à ce qu’il puisse en prendre possession et en jouir sans obstacle alors même qu’il n’en a pas pris livraison effective, pourvu que le vendeur lui ait fait connaître que l’objet est à sa disposition. Elle s’opère de la manière à laquelle se prête la nature de l’objet vendu . La délivrance peut avoir lieu par le simple consentement des contractants si l’objet vendu était, dès avant la vente, détenu par l’acheteur ou si le vendeur avait continue à garder l’objet vendu à un autre titre que celui de propriétaire.

وهو كما سنلاحظ تعريف متكامل إذا ما قورن بالفصل 592 من المجلة التونسية و الذي يتطابق مع الفصل 499 من القانون المغربي
La délivrance a lieu lorsque le vendeur ou son représentant se dessaisit de la chose vendue et met l’acquéreur en mesure d’en prendre possession sans empêchement.
في حين نجد الفصل 1604 من القانون المدني الفرنسي يختصر التعريف في جملة واحدة :
La délivrance est le transport de la chose vendue en la puissance et possession de l’acheteur.
كيبيك أيضاً اكتفت بهذه العبارة في الفصل 1717 من القانون المدني الكيبيكي :
L’obligation de délivrer le bien est remplie lorsque le vendeur met l’acheteur en possession du bien ou consent à ce qu’il en prenne possession, tous obstacles étant écartés.
إعجابنا و تثميننا للتميُّز الجزائري في هذا الباب سرعان ما يخبو أوارهُ قبالة النسخة العربية لهذا التعريف. ذلك أن هذا الفصل يمثِّل نموذجا للغبش المتولد من ترجمة موحَّدة لِكلمتين مختلفتين . و عليه فالنص العربي للفصل 367 هو :
يتم التسليم )1(بوضع المبيع تحت تصرف المشتري بحيث يتمكن من حيازته و الانتفاع به دون عائق و لو لم يتسلمه تسلما)2( ماديا، ما دام البائع قد أخبره بأنه مستعد لتسليمه)3( بذلك، و يحصل التسليم)4( على النحو الذي يتفق مع طبيعة الشيء المبيع. وقد يتم التسليم)5( بمجرد تراضي الطرفين على … “.

يذكرنا هذا التعريف و أمثاله بقول القائل:
طرقت الباب حتى كلَّ متْني … و حين كلَّ متْني كلّمتني
فقالتْ يا إسماعيلُ صبرا….فقُلت يا أسما عيلَ صبري
و مهما كان تعصبك للغة العربية و عشقك لها ، و أمام هكذا ترجمات ، لا تملك إلا أن تطالب بتبنِّي النسخ الفرنسية من قوانينا ، في انتظار يوشع ابن نون آخر يُخرجنا من ”التّيه” إلى آفاق أخرى .

من جهة أخرى ، وجَب ” الإعتراف ” بأن المُشرِّع الكيبيكي حين نقل الكلمتين livraison و délivrance إلى الإنجليزية ”أدغمهمها” هو الآخر في لفظ واحد ، و هوdelivery ، هذا ”الكسل” الأنجلوسكسوني قد يخفف بعض الحرج على مترجمينا ، فإذا عمّت هانت. بيْد أنَّ ثمة ملاحظات تفرض نفسها في هذه النقطة. أولاً الإنجليزية هنا لغة رسمية كما الفرنسية ، و جُلّ المواطنين ،ناهيك عن الطلبة و القانونيين المحترفين ، متمكنون من اللغتين معاً. ثانياً ، المصدر المادي المعتمد هنا للقانون المدني هو ذلكم الكتاب الأحمر الضخم الذي يجب على كل طالب حقوق أن يقتنيه منذ دخوله الكلية، و يُسمَح باستعماله عند الإختبارات ، و هو كتاب يضم كل القانون المدني و مجموعة أخرى من القوانين المكملة. و كل صفحة فيه مقسمة إلى جزئين ، فرنسي في اليسار و إنجليزي في اليمين ، و عليه فما على الطالب ، أو القانوني المحترف ، إن استشكل عليه أمر ما إلّا أن ينقل عينيه من يسار الصفحة ليمينها. وأخيرا فلفظة livraison وردت في كل القانون المدني الكيبيبكي 6 مرّات. و بالتالي ف ” مناطق الإشباك ” بين اللفظتين محدود نسبياً.

وحين نراجع النسخة الفرنسية للقانون المغربي نجد أن كلمة livraison قد تكررت 25 مرة مقابل 14 مرة في القانون الجزائري و 8 مرات في القانون التونسي. و لقد غرّرَ بي هذا الرقم الصغير في القانون التونسي حين أخذت بعين الإعتبار كوْن كلمة délivrance ذكرت 34 مرة ، فخمنْت أن وُرود مصطلح ” تسليم ” في النسخة العربية لمجلة الإلتزام التونسية لن يتجاوز 45 مرّة ، لكنك تتفاجأ بأنه ورد 73 مرّة. أعَدتُ التجربة مع القانون المغربي حيث délivrance مكرر48 مرة وlivraison ذُكرت 25 مرة لأِجد قانوننا يضم 89 ” تسليم ”. في حين تكرَّرت هذه الترجمة في القانون المصري ب 43 موضع ، و في القانون الليبي 19 مرة أمّا في القانون الجزائري ف 44 مرة.

لن نتماهى مع لعبة الأرقام ، كل ما نتَغيّاه هو التنبيه إلى أنّ لفظ ” تسليم” في قوانينا ليست ترجمة للمصطلحينlivraison وdélivrance فحسْب، بل أضفنا إليهما كلمات أخرى . لنتساءل مرة أخرى : هل فعلاً لم يكن بالإمكان أبدع مما كان؟
لسنا نكتب هذه الحروف مدفوعين ب” أوديبِيَة ” ناقمة على المُشرَّعين الآباء أو حتى مستهينة بفضلهم الكبير علينا و على البلد بأسره. و لست أترنم مع المعرّي :
و إني و إن كنت الأخير زمانه… لآتي بما لم تستطعه الأوائلُ.

فإن كان و لابدَّ من بيْت نردِّده في هذه الحالة ، و في حالات أخرى عديدة ، فلْيكُن قول المتنبي :
ولم أرَ في عيوب الناس شَيئاً… كنقص القادرين على التمامِ.
خواطر هي إذن نأُزُّ بها ، و مِن خلالها ، مَنْ هُمْ أعلمُنا وأفْقهنا و أقدرنا على الكمال .علّ ثلَّة منهم تنفر لترميم ما هَرِئَ من ترسانتنا القانونية أو ما تبَدّت سيئاته . نقترح عليهم أن يستهلّوا بقانون الإلتزامات و العقود ، ثم يعرّجوا على مدونة الأحوال الشخصية و لا يتوقفوا عند ” ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالوضعية المدنية للفرنسيين والأجانب بالمغرب”. و تلكم حكاية أخرى…