https://al3omk.com/277949.html

التسامح الديني من خلال رواية “في قلبي أنثى عبرية”

تحدثت رواية “في قلبي أنثى عبرية” للتونسية خولة حمدي عن أسر وشخصيات منها المسلم ومنها المسيحي ومنها اليهودي، وشاءت الأقدار أن تعيش مسلمة في أسرة يهودية وذلك ينطبق على ريما الصغيرة المسلمة التي تعيش في بيت “بابا يعقوب” اليهودي، ثم في بيت راشيل اليهودية وزوجها اليهودي المتعصب، ثم في بيت سونيا اليهودية وزوجها “بابا جورج” المسيحي، كما عاشت ندى اليهودية المسلمة في بيت “بابا يعقوب” اليهودي لفترة، وعاش جون، أحمد، بعدما فقد ذاكرته، في قرية الشيخ المسيحي. كما عاشت ندى في بيت أحمد بعدما أسلمت وتم طردها من بيتها بسبب إسلامها. كما يمكن الحديث عن اضطرار حسان وأحمد، الذي يعاني من إصابة خطيرة في رجله، وهما مسلمان وعضوان في المقاومة الإسلامية ضد الكيان الصهيوني، إلى الدخول إلى منزل أسرة يهودية من خلال ندى اليهودية وميشال القس المسيحي.

وما يهمنا هنا هو العيش في بيت أصحابه على غير دينك وذلك بوضوح تمثله حياة ريما المسلمة الصغيرة في بيت “بابا يعقوب”، فهل يمكن أن نتحدث عن التسامح الديني داخل هذه الأسرة اليهودية، يبدو أن بابا يعقوب في البداية، أي عندما كانت ريما صغيرة، كان متفهما ومتسامحا إلى حد بعيد، ولكن هل كان تسامحه نابعا من دينه كيهودي، أم لأنه كان يجد في ريما العطف وممارسة الأبوة التي افتقدها مع ابنيه سارا وباسكال لكونهما بفضل اهتماماتهما العلمية المتطورة استغنيا عن حبه ورعايته، لقد كانت ريما تستحوذ على القسم الأكبر من اهتمامه لأنها الشخص الأقرب إلى قلبه ومحرك مشاعره، لقد كان متسامحا مادامت ريما تعانقه وتلمسه كأبيها، أي مادام يجد فيها الطفلة التي حرم منها، فهل كان متسامحا عندما بلغت سن التكليف وتحجبت وأدركت أنه أجنبي عنها ولذلك منعته من لمسها وعناقها وتقبيلها كابنته، وهي أفعال ليست نابعة من إرادتها بل تطبيقا لتعاليم دينها. ولكن رغم تغير الأمور فإن حبها لبابا يعقوب ظل كما هو، وقد كانت دائما تقول له “أحبك كثيرا بابا يعقوب”، ولكن هل تفهم “بابا يعقوب” ما يمليه عليها دينها وتسامح في ذلك؟ فإذا كان التسامح الديني معناه احترام خصوصيات الآخر النابعة من معتقده وتعاليم دينه وليس لها أي علاقة بالمصلحة الذاتية، فمن هذا المنظور يبدو أن بابا يعقوب لم يكن متسامحا، لكونه لم يطمئن لما تفعله ريما ولم يتقبله، فهو لم يستسغ كيف لها أن تعتبره أجنبيا عنها وهو الذي رباها وأحبها وداعبها وحرص على تعليمها وإدخال السعادة في قلبها، بل وحافظ لها على دينها حتى وهي تعيش وسط أسرة يهودية محافظة، وأما عن أخذه لها للمسجد يوم الجمعة وانتظارها حتى تتم صلاتها فذلك كان وريما لازالت صغيرة كما أنه كان احتراما لوعد قطعه لأمها كي يحافظ لها عن دينها.

يمكن أن نقول في حق “بابا يعقوب” أنه لو كان متسامحا دينيا لاحترم جميع ما يمليه المعتقد الإسلامي على ريما المسلمة، التي تسعى جاهدة لتطبيق أي شيء يأمر به دينها، في الوقت الذي نلاحظ فيه أن ريما لم تتدخل في أي شيء من المعتقدات الدينية اليهودية، فحين كانت تستدعى للذهاب للشاطئ كانت تكتفي بالتذرع بالواجبات المدرسية ولم تمنعهم من فعل ذلك، كما أنها لم تقم بدور الواعظ الذي يعطي الدروس الدينية ويبين جواز أو عدم جواز التعري في الشواطئ.

وأما عن زوجته تانيا اليهودية فلا يمكن أن نتحدث عن أي نوع من التسامح لكونها متعصبة دينيا وكان همها الوحيد هو الخوف على أبنائها من أن يمسهم بعض مما تقوم به ريما من شعائر خصوصا بعدما تحجبت وأصبحت تقرأ القرآن بانتظام وتصلي الصبح في وقته وتمتنع عن الذهاب إلى الشاطئ رفقتهم، مما جعلها في الأخير ترحل من البيت رفقة الأبناء واضعة زوجها يعقوب في موقف صعب وهو أن يختار بين أسرته اليهودية وريما المسلمة، وهما أمران بالنسبة ليعقوب أحلاهما مر، ولكن لم يكن في الإمكان أن يضحي بأسرته رغم حبه الشديد وتعلقه بريما ابنته الصغيرة التي رباها وعاش رفقتها أحلى أيامه.

وأما عن عيش ندى في منزل يعقوب فقد كان مقبولا إلى حد ما حتى من طرف تانيا، ربما للقرابة التي تجمع بينهم، وربما لأنها شابة متعلمة ومن الممكن أن تكون مفيدة وتسهم في تعليم الطفلين سارا وباسكال، ولكن لكونها يهودية مسلمة فقد تم التعامل معها بحذر شديد خوفا على الأبناء خصوصا منهما سارا التي باتت قريبة جدا منها تتجول معها في المكتبات بحثا عن الكتب، وتنفردان معا داخل غرفة ندى.

وأما عن عيش ريما وسط عائلة ندى اليهودية فقد كانت ندى الشخص الوحيد المتسامح إلى أقصى الحدود وذلك راجع إلى إيمانها بالبعد الإنساني الذي لا يعير الاعتبار للدين عندما يتعلق الأمر بالتعايش والجوار أو الخدمة الإنسانية، كما أنها تؤمن بالحوار من أجل فهم الآخر، بل وقد اعتبرت ريما كأخت صغرى لها لا تفارقها رغم اختلاف الدين. وأما بالنسبة لسونيا (أم ندى) فقد كانت يهودية متعصبة إلى أقصى الحدود بل وانتهازية ومتسلطة بشكل صهيوني محض، ولعلها كانت السبب غير المباشر في موت ريما واستشهادها.

ومع بداية الرواية يظهر نوع من التسامح الرائع الذي مارسته ندى اليهودية وأخوها المسيحي غير الشقيق ميشال عن قناعة، خصوصا عندما سأل أحمد ندى، في تعجب، عن سر تقديمها للمساعدة لمسلم رغم أنها يهودية، حيث ردت مستنكرة لسؤاله قائلة: “وما شأن الديانة في العمل الإنساني..ألا يحثك دينك على الرحمة والرأفة وتقديم المساعدة لمن يحتاجها مهما كان انتماؤه وعقيدته؟ !”

كما يتجلى التسامح في أبهى صوره من خلال ارتباط أحمد المسلم بندى اليهودية وذهاب عائلته إلى خطبتها بسبب ما رآه فيها من جانب إنساني، كما أن العلاقة التي كانت بينهما رغم اختلاف الدين كانت مبنية على الحوار حول الأديان دون تعصب أو إقصاء أو إغلاق منافذ العقل حتى يستوعب كل طرف ما يؤمن به الطرف الآخر.
وأما عن المرحلة التي قضتها ريما في بيت راشيل وزوجها اليهودي الخائن والماجن فقد كانت مرحلة لا يمكن الحديث عن التسامح فيها لكون هذا الصهيوني الغدار كان وحشا كاسرا متسلطا حيث لم يرحم طفلة صغيرة فكان ينزل عليها ركلا وضربا بكل عنف وقوة فقط لأنها تمنعه كي يحقق رغباته الحيوانية.

وأما عن أحمد (جون) وعن عيشه وسط القرية المسيحية ومعاملة الشيخ المسيحي له بشكل رائع ومدهش، حيث عامله تماما كما يعامل الأب ابنه، فإننا هنا لا نستطيع أن نتحدث عن التسامح على اعتبار أن أحمد المسلم كان فاقدا لذاكرته، جاهلا لهويته، ولذلك تم التعامل معه على أساس أنه مسيحي فوضع الصليب في عنقه ودخل الكنيسة تماما كما يفعل أبناء القرية. ولأن الحديث عن التسامح كان ممكنا لو لم يكن أحمد فاقدا لذاكرته ممارسا لكل شعائر دينه، وحينها كنا سنرى كيف سيتعامل معه أبناء القرية المسيحية، وهل كانوا سيقبلون بمسلم يعيش وسطهم وأنهم سيحترمون كل ما يقوم به وله علاقة بالدين الإسلامي من صلاة وصيام واجتناب للمحرمات، أم أنهم سيتركونه يموت جوعا ويقاطعونه على أساس أنه يختلف عنهم وأنه من دين غير دينهم؟

كما يبدو من خلال الرواية، فإن التسامح في الإسلام أصل، وليس لأي مسلم الحق في ألا يكون متسامحا، ومن فعل غير ذلك فقد نأى عن خلق الإسلام، ودائما يعود التسامح الديني الذي يأمر به الإسلام بالخير والفتح المبين لأنه يفتح المجال واسعا للمطارحات الفكرية والحوار حول الأديان، وهذا من شأنه أن يحول أعتى صناديد اليهود أو المسيحيين إلى الإيمان فيفيدون الدين والأمة أكثر مما يفيدها أبناؤها.

ومن الأسرار الإلاهية في خلقه وبمشيئته أن ينصر الدين بشخصيات قوية من غير المسلمين، وذلك حين يشاء سبحانه فيهدي إلى سبيله الكافر القوي ليتحول إلى داعية قوي ينصر دينه بين الناس بحماس وطرق لا يعيها أهل الدين وأصحابه. ألم يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله “اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين” وهو يقصد عمر بن الخطاب وعمرو بن هشام وكلاهما كان كافرا ذا شخصية قوية.

هكذا رد أحمد عندما سألته أخته سماح وهي تلح عليه أن يصف لها زوجته المستقبلية: حيث رد قائلا”إنها امرأة بقلب رجل، لديها من القوة والحزم ورباطة الجأش بقدر النعومة والحنان تحمل هم الإسلام والأمة في قلبها أكثر من الموضة ونوع السيارة والمنزل ذي المسبح والحديقة…” ومن عجيب الأمور أن تكون هذه المرأة وبكل هذه المواصفات امرأة يهودية يشاء الله لها أن تسلم بفعل تأثير طفلة صغيرة التزمت بدينها بكل صدق وأمانة، وبفعل شخصية أحمد الرجل المؤمن المجاهد في المقاومة اللبنانية الإسلامية ضد الكيان الصهيوني الغاصب، والذي يحمل قلبا فلاديا قد ملء رحمة وعطفا وصدقا. وقد خدمت هذه اليهودية المسلمة الإسلام بعزم وقوة، كما أنها ساهمت في حركة المقاومة ضد الكيان الصهيوني وحققت ما لم يحققه المجاهدون المسلمون.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك