التحالفات في المشرق العربي ومستقبل دول الخليج

تمر منطقة المشرق العربي بتحولات كبيرة ومتسارعة نتيجة الربيع الديمقراطي العربي وما أفرزه من مواقف معقدة لدول المنطقة العربية تجاه ثورات الشعوب، وعلاقات هذه الدول مع إيران التي أصبحت فاعلا إقليميا قويا بالمنطقة، وخصوصا سوريا واليمن بعد العراق، ومع الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والتحالفات الجديدة التي يتوقع أن تسفر عنها هذه التحولات بعد تطبيع العلاقات الأوربية الأمريكية مع إيران في مؤتمر جنيف وتوقيع الاتفاق النووي.

والباحث في التاريخ الأمريكي ومحددات سياسة التحالف الأمريكية في المشرق العربي يقف على أن البراغماتية الأمريكية لا تقيم وزنا لأي عنصر في إطار علاقاتها مع “حلفائها” ، وأن المعيار هو ما يحقق مصالحها وأهدافها الكبرى والإستراتجية التي ينبني جزء مهم منها على علاقتها بالكيان الصهيوني المحكومة بمرجعية دينية إضافة إلى العوامل الاقتصادية.

وقد أشرت في مقال سابق نشر سنة 2008 أن بوادر سياسة واشنطن البراغماتية بدأت تلوح في الأفق من خلال الترويج لخطة أمريكية من بنات أفكار شعار التغيير الذي رفعه “براك أوباما” طيلة حملته الانتخابية والتي من محاورها إمكانية إشراك “إيران” في الحرب على “الإرهاب” في أفغانستان والمساعدة على الحل في العراق. وقبلها كانت طهران قد وجهت رسالة تهنئة إلى البيت الأبيض بعد نجاح أوباما، لها أكثر من دلالة وهي الأولى من نوعها توجه لرئيس أمريكي منتخب منذ الثورة الخمينية.

فتساءلت آنذاك السؤال الآتي: ترى هل اقترب اليوم الذي نشهد فيه تحالفا أمريكيا إيرانيا كنوع من التحالفات الجديدة لمقاربة قضايا مستعصية على الحل في المنطقة العربية؟

وفي محاولة للإجابة عن هذا التساؤل العريض أشرت في المقال ذاته إلى أن كل المؤشرات تدعم فرضية قيام تحالف أمريكي إيراني وبالتبع صهيوني إيراني . وسُقت على ذلك مؤشرات بدءا بالتاريخ الأمريكي الذي عودنا على أن كل الوسائل مشروعة في سبيل تحقيق الأهداف عملا بمبدأ “الغاية تبرر الوسيلة” ، مرورا بالدور الذي أصبحت إيران تقوم به في المنطقة بوصفها قوة إقليمية، إذ لا يخفى على أحد أنها تمثل رقما صعب التجاوز في معادلة الصراع في “الشرق الأوسط” من خلال دعمها للمقاومة في لبنان وفلسطين التي تخلت عنها دول ما يسمى محور الاعتدال العربي، هذه المقاومة التي كانت عنصرا أساسا في إفشال مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي بشرت به الولايات المتحدة الأمريكية، وانتهاء بتحالفها مع النظام السوري والنشاط الشيعي الكبير في العديد من الأقطار العربية كالبحرين واليمن ومصر وبعض أطراف المملكة العربية السعودية، أما العراق فقد وضع بين أحضان النظام الإيراني.

واستنادا إلى معطيات دولية وإقليمية آنذاك سنة 2008 قلت إننا في مرحلة جديدة يمر بها العالم، ساهم في بلورتها فشل مشروع الشرق الأوسط الجديد والأزمة المالية الأمريكية التي امتد تأثيرها إلى باقي الدول الصناعية والدور الروسي المتنامي الذي كشفته بوضوح الحرب بين روسيا وجورجيا ، والتي وقفت فيها أمريكا وأوربا عاجزتين عن اتخاذ أي موقف ضد روسيا.

والنجاح البيِّن للمقاومة اللبنانية في حرب تموز والمقاومة الفلسطينية في غزة وبعض الانتصارات للمقاومة السنية في العراق وحركة طالبان في أفغانستان، وكانت الصورة أوضح في لبنان ، إذ هي المرة الأولى التي تقبل فيها أمريكا قرارا من مجلس الأمن غير مرضي لإسرائيل بإيعاز من هذه الأخيرة، والقاضي بوقف إطلاق النار جنوب لبنان دون أن تحقق أي هدف رسمته لحرب تموز 2006.

والوضوح نفسه في الحرب الفاشلة على غزة سنة 2008 التي يبدو أن هاجس حرب تموز كان حاضرا في أذهان الجيش الصهيوني فاضطر لإعلان وقف القصف دون اتفاق. وفي أفغانستان حيث يجري الحديث عن إمكانية الحوار مع حركة طالبان.

وفي المقال ذاته اعتبرت كل تلك المؤشرات دالة على أن وضعية دولية جديدة آخذة في التشكل قد يعاد فيها صياغة النظام العالمي، والمؤكد أن واشنطن تعمل على استغلال كل الوسائل بما فيها إعادة النظر في سياسة السوق المفتوح “أمريكا أولا” بما يتيح لها مواصلة السير في سبيل تحقيق سياساتها الإستراتجية في المنطقة العربية وخصوصا ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الصهيوني.

وجاء في المقال نفسه أنه وأمام هذا الوضع ومع هذه التحولات نسجل غياب مجمل الدول العربية عن فعل شيء يبوئها وضعية تسمح لها بالتأثير في التوجهات الجديدة، وتكتفي هذه الدول بالتأكيد على أن أمريكا حليف أبدي للعرب كما صرح بذلك احد الزعماء العرب بقوله”أن التحالف الأمريكي المصري أزلي”.

واختتم المقال بالتأكيد على أن الأزلي للولايات المتحدة الأمريكية هو كل الوسائل التي تحقق لها أهدافها، فحتى النفط الذي يعول عليه العرب كعنصر هام يضمن تحالفهم مع واشنطن قد يفقد أهميته في ظل المحاولات الأمريكية الجدية التي تتجه نحو التقليل من الاعتماد على النفط بشكل عام والعربي بوجه خاص، لذلك فقد سنشهد اليوم الذي تصبح فيها إيران حليفا لواشنطن على حساب الدول العربية ويلوح في الأفق حل للتورط الأمريكي في العراق وأفغانستان والأخطر “حل” للقضية الفلسطينية وفق منظور أمريكي إيراني يحتمل فيه كل شيء.

وبعد انصرام خمس سنوات كاملة على هذه التوقعات تأتي الولايات المتحدة الأمريكية والغرب ليُعِدَّ مؤتمر جنيف 2013م لتطبيع العلاقات مع إيران “روحاني” بعدما تصاعدت نغمة التصالح وتراجعت لغة التهديدات المتبادلة والتصريحات الإيرانية النارية التي تعتبر أمريكا الشيطان الأكبر وتتوعد (إسرائيل) بالمحو على وجه الأرض، هذا في الوقت الذي كان الجميع ينتظر مؤتمر جنيف الثاني حول الوضع في سوريا ،ثم ما أعقبه من لقاءات ليس آخرها مؤتمر أستانا بروسيا، مما يعتبر مؤشرا قويا على أن جزء مهما من حل القضية السورية موجود بيد إيران.
وإذا عدنا زمنيا إلى الوراء فإيران الشاه كانت تابعة تقليديا للمعسكر اللبرالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك إبان الثنائية القطبية وقبيل ثورة 79 الخمينية، وهي الثورة/الحدث الذي سيحول علاقة إيران والولايات المتحدة إلى التوتر والتأزم وصولا إلى مرحلة الحرب غير المباشرة ، والتي خاضها العراق ضد إيران نيابة عن الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بذكاء أمريكي راهن على إضعاف كل من العراق وإيران بإنهاك قدرتهما العسكرية الصاعدة آنذاك.

وطيلة السنوات التي تلت الثورة الإيرانية كان شعار النظام الخميني هو ” الموت لأمريكا” و”أميركا الشيطان الأكبر” ، واستمر الأمر في اتجاه التأزم إلى أن بدأت إيران تطلق تهديدات مباشرة ضد الكيان الصهيوني ، وخصوصا منذ انسحاب (إسرائيل ) من جنوب لبنان سنة 2000 تحت ضغط حزب الله الشيعي المرتبط بإيران، وبعد امتلاك إيران قوة عسكرية ذاتية وتحقيق ما يشبه الاكتفاء الذاتي في الصناعة العسكرية وبمساعدة روسيا.

واليوم كذلك يحدث هذا التطبيع بين الولايات المتحدة الأمريكية والغرب من جهة وإيران من جهة ثانية في ظل التحول السريع بالمنطقة العربية حيث الانقلاب على ثورة 25 يناير في مصر ودخول الثورة السورية منعطفا مسدودا تلعب فيه الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا دورا كبير بصفتهما قوتين دوليتين كبيرتين ، كما تقوم فيه إيران بدور إقليمي مهم تستند فيه إلى قوتها العسكرية وتماسكها الداخلي وترابطها العقدي مع نظام بشار الأسد وحزب الله اللبناني ، في حين ما تزال دول الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية تراهن على علاقاتها مع الولايات المتحدة في صد الخطر الإيراني وما يمكن أن يهددها من أخطار .

فماذا وراء هذا التحول السريع في تطبيع أمريكا لعلاقاتها مع إيران ؟ وما موقع دول الخليج في تحالف جديد بين الولايات المتحدة وإيران؟

للإجابة على مثل هذين السؤالين لابد من الحديث عن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية. فكثيرا ما تم تفسير العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بالعامل الاقتصادي. ويزعم أصحاب هذا التفسير أن العلاقة الوطيدة بين أمريكا وإسرائيل سببها الاقتصاد. ومن وجهة نظر هؤلاء فإن الولايات المتحدة الأمريكية تدعم إسرائيل للحفاظ على مصالحها الاقتصادية في المنطقة العربية وخصوصا ضمان التحكم في النفط الخليجي. لكن هؤلاء لم يجبوا عن السؤال : أليس قطع أمريكا لعلاقاتها مع إسرائيل هو الطريق الأقصر لضمان النفط العربي بالنظر إلى العداء التاريخي بين العرب وإسرائيل والذي أدى إلى حرب 73 واتخاذ قرار تخفيض كميات النفط للضغط على الاقتصاد الأمريكي والعالمي ؟

إذا رصدنا العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل اقتصاديا فإننا نجد أن هذه الأخيرة هي أكبر مستفيد من مجموع المساعدة الاقتصادية والعسكرية المباشرة من الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، وكانت أكبر متلق سنوي من سنة 1976 حتى 2003 إذ منذ بداية الحرب على العراق في العام 2003 ، تجاوز العراق إسرائيل بوصفها أكبر متلق للمساعدات الأميركية السنوية. (انظر موسوعة ويكيبيديا http://www.usaid.gov/iraq/) .

وقد قام الباحث المغربي مصطفى الحيا بإحصاء الديون الأمريكية فوجدها تعادل ما تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية من مساعدات لإسرائيل. وهذا ما يجعل البحث عن تفسير آخر لهذه العلاقة أمرا حتميا لفهم السبب بشكل أكثر إقناعا لان العامل الاقتصادي غير مقنع.

يشير بعض الباحثين من إلى أن العنصر الديني في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل عنصر حاسم في تفسير هذه العلاقة الوطيدة التي تخسر فيها أمريكا كثيرا اقتصاديا وسياسيا وحتى على مستوى سمعتها كدولة تدعي رعاية الديمقراطية وحقوق الإنسان في ظل الانتهاكات الإسرائيلية الواضحة لحقوق الفلسطينيين بشهادة منظمات دولية وتقارير مراقبين حقوقيين( مثل تقرير فينوغراد).

وفي هذا الإطار يؤكد المفكر المغربي المقرئ الإدريسي أبو زيد في العديد من المحاضرات أن الدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل يرجع إلى النبوءة الدينية الخرافية التي يؤمن به اليمين والمحافظون بأمريكا والبروتستانت عموما والمتعلقة بأن نزول المسيح مرتبط بقيام ” إسرائيل الكبرى”، وان جل الرؤساء الأمريكيين يدعمون الصهاينة إيمانا منهم بأن ذلك هو خدمة وإرضاء للرب، ويستشهد بمذكرات كارتر وغيره من الرؤساء الامريكيين التي يؤكدون فيها أن دعم إسرائيل أمر ديني.

نستدل هنا بما صرح به الرئيس الأمريكي السابق “جيمي كارتر” أمام الكنيست الإسرائيلي سنة 1979م قائلا في خطابه: “إن علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من علاقة خاصة، لقد كانت ولا تزال علاقة فريدة، وهي علاقة لا يمكن تقويضها؛ لأنها متأصَّلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكي” ( د . راغب السرجاني : أثر الدين على رؤساء امريكا) . وفي خطاب للرئيس السابق”رونالد ريجان” عند زيارته للمنظمة اليهودية “بناي برث” أثناء حملته الانتخابية في واشنطن قال : “إن إسرائيل ليست أمة فقط، بل هي رمز؛ ففي دفاعنا عن حق إسرائيل في الوجود، إنما ندافع عن ذات القيم التي بُنيت على أساسها أمتنا. ( د . راغب السرجاني : أثر الدين على رؤساء امريكا). ويضيف السرجاني في مقال له: ” في السبعينيات زادت الحركة الدينية نشاطًا في أمريكا، وظهر ما يُعرف بالكنائس التليفزيونية، التي نشرت فكرًا دينيًّا عند عموم الشعب الأمريكي، كما ازدادت الطوائف الأصولية قوة، وذلك مثل الطائفة المعمدانية (Baptist)، والطائفة المنهجية (Methodist)، بل نما جدًّا تيار “المسيحيين المولودين من جديد” (Born Again Christians)، وهو أكثر التيارات المسيحية اعتقادًا في مسألة قدسية اليهود وعصمتهم” (http://islamstory.com/ar راغب السرجاني)

ويشير الباحث المغربي ” سعيد مولاي التاج” الى أنه على الرغم من أن الدستور الأمريكي يعتبر نظام الحكم في الولايات المتحدة نظاما “علمانيا” لا يتبنى ديناً معيناً في الدولة أو الحكومة بحكم التنوع العرقي والديني وحتى الطائفي والمذهبي، إلا أنه من المعلوم أن الشعب الأمريكي في معظمه شعب بروتستانتي متدين يشترك في خلفيته الدينية إلى حد بعيد مع العقيدة اليهودية التلمودية ويضيف الباحث ذاته أنه في مؤتمر إيباك المنعقد في مارس سنة 2010 شارك خمسون من القيادات الإنجيلية الأميركية الوازنة والمؤثرة في السياسة (غاري بوير، وجيري فالويل، ورالف، وديك آرمي، وتوم ديلاي)، وقد خصص المؤتمر جزء من أشغاله لمحور – صار قارا في جدول أعماله منذ سنوات – دعم المسيحية الصهيونية لـ”إسرائيل” في حلقة عنوانها “أصدقاء في الدين” تبحث “جذور المسيحية/الصهيونية، وتبحث عن أجدى السبل التي يمكن من خلالها للمسيحيين المؤيدين لـ”إسرائيل” واليهود العمل معا في الميدان السياسي لتعزيز أمن إسرائيل”. فأغلب البروتستانت عموما وخاصة الإنجيلين منهم يرون في عودة اليهود إلى فلسطين استكمالا للنبوءات الدينية المسيحية، ويعتبرون قيام دولة “إسرائيل” علامة من علامات القيامة، فـ”مملكة صهيون” عقيدة يشارك البروتستانتيون المنكبون على تلاوة التوراة اليهود فيها. ( http://www.aljamaa.net/ar/document/34652.shtml) .

إن هذه العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل القائمة على الخلفية الدينية باعتبارها المحدد الرئيس لسياسة واشنطن تجاه الدول العربية ، هي العنصر الحاسم في تحديد تحالف الولايات المتحدة الأمريكية مع هذه الدول ومع إيران وتركيا باعتبار الدولتين الأخيرتين قوتان إقليميتان تؤثران في المنطقة وتبقى الأمور الاقتصادية مجرد تفاصيل يمكن موقعتها في إطار الإستراتجيتين الأمريكية والإيرانية المحكومتين بالرؤية الدينية كما سنرى بعد قليل فما يخص إيران.

فبالعودة إلى التحالف بين الولايات المتحدة وإيران يمكن القول إن ما حدد السياسة الأمريكية تجاه إيران بعد ثورة 79 إلى اليوم هو اعتبار إيران “قوة صاعدة مارقة” لا تخضع للنفوذ الأمريكي . وهذه الرؤية نرى أنها تتصل مباشرة بالسلوك السياسي الإيراني الذي يحوي في ثناياه رغبة إيرانية في تشكيل دولة قوية عسكريا واقتصاديا وفق خلفية دينية فارسية مبنية على العقيدة الشيعية الخصم التاريخي للمرجعية الدينية السنية.

ولأن إيران قطعت أشواطا كبيرة في هذا التوجه بما يجعل وقفه أمريكيا شبه مستحيل، فإن الولايات المتحدة بدأت تتجه نحو التطبيع مع إيران كبداية لما نتوقع أن يتطور إلى تحالف قوي مبني على رؤية إستراتجية للدولتين على حساب الخصم الديني للمشروعين الأمريكي الصهيوني و الإيراني الفارسي الشيعي الذي يؤمن بعقيدة المهدي المنتظر ويرى في الدول المحسوبة على العقيدة السنية عاملا يعرقل ذلك، وهذه هي نقطة الالتقاء الإستراتجية التي ستحكم التحالف الأمريكي الإيراني مستقبلا.

ومواقف أمريكا اليوم في عهد ترامب تجاه إيران، والذي هدد بالتراجع عن الاتفاق النووي، لا يمكن اعتبارها مؤسساتية واسترايتجية، بقدر ما تعتبر تصرفات ساكن البيت الأبيض الجديد الذي يواجه صعوبات كبيرة داخليا ولا تتفق معه مؤسسات كبرى ومؤثرة مثل وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الدفاع والمخابرات.

هذه المعطيات تجعلنا ندعم الرؤية التي ترى أن المواجهة القادمة في المنطقة العربية ستكون بين إيران والمملكة العربية السعودية والخليج ، لكن هذه المواجهة لن تحدث إلا في إطار ترتيبات أمريكية روسية تقطع فيها الولايات المتحدة الأمريكية أشواطا هامة في التحالف مع إيران بما يضمن استقرار السوق النفطية العالمية والاقتصاد الأمريكي وتدبير العلاقة سياسيا واقتصاديا مع تركيا العضو في حلف الناتو والمحسوبة دينيا على المحور الإسلامي السني وهو السبب الذي جعل الدول الأوربية الأساس ترفض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي كتجمع مسيحي.

نقطة الضعف هنا التي نتوقع أنها ستسرع تطور التحالف الإيراني الأمريكي هي ما تتمتع به إيران نسبيا من ديمقراطية داخلية وما استطاع الإصلاحيون والمحافظون في إيران الإجماع عليه من جعل إيران قوة عسكرية مكتفية بذاتها لها تأثيرها إقليميا وعالميا، مقابل الضعف الشديد الذي تعانيه دول الخليج من حيث الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة في التسلح ، وعلاقة الأنظمة الهشة مع شعوبها حيث غياب الديمقراطية وهيمنة الاستبداد.

يضاف إلى ذلك قضية غاية في الأهمية وهي أن الرؤية الدينية الإستراتجية، التي تحكم السياسة الأمريكية في علاقتها بإسرائيل وفيما بعد مع إيران كما نتوقع، لا تدخل في إستراتجية سياسة الدول الخليجية كعنصر رئيس في تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية ، وأن الأنظمة الخليجية الحاكمة غير مقتنعة بالتفسير الديني لعلاقة أمريكا بإسرائيل.

إن ما يهم دول الخليج في هذه المرحلة الراهنة هو الحفاظ على أنظمتها خوفا من عواصف الربيع الديمقراطي العربي والمنافسة الاقتصادية والسياسية المحتملة لمصر في حالة نجاح ثورتها. نستدل هنا بوقوف هذه الدول القوي ضد الثورة المصرية وضد التحول الديمقراطي في تونس واليمن ودور كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين في دعم الانقلاب العسكري على أول رئيس مدني منتخب في مصر في 3 يوليو 2013م.

أما مواقف دول الخليج مما يحدث في سوريا فيمكن تفسيره بأن النظام السوري على خلاف سياسي وإيديولوجي وديني مع هذه الدول كونه كان ضمن محور ما سمي بالممانعة عندما كان يوفر نوع من الاحتضان للمقاومة في لبنان وفلسطين قبل اندلاع الثورة السورية ، وكونه ينتمي إلى الطائفة الشيعية ذات الصلة بإيران وحزب الله في لبنان. وإلا فالرؤية الإستراتجية وفق المنظور الديني والاقتصادي والسياسي تحتم على دول الخليج وخصوصا المملكة العربية السعودية المتزعمة لهذا التجمع الخليجي أن تدعم الثورة في مصر وتونس وليبيا وتقف مع جماعة الإخوان المسلمين والتحالف الوطني لدعم الشرعية وحكم الرئيس محمد مرسي ، عوض العمل على الانقلاب عليه باعتباره الخصم القادم والمنافس لإيران بهذا المنظور الذي نفسر به مجريات الأحداث والتحالفات القادمة في المنطقة وخصوصا بين الولايات والمتحدة الأمريكية وإيران.

ويبقى لنا أن نشير إلى دور روسيا في هذا الوضع، إذ يلاحظ ظاهريا على الأقل أن الولايات المتحدة الأمريكية مختلفة مع روسيا في عدة قضايا بالمنطقة العربية وعلى رأسها طريقة التعاطي مع ما يجري في سوريا.

وفي هذا الإطار نؤكد أن الاختلاف الروسي الأمريكي عائد إلى التنافس السياسي والاقتصادي التقليدي الموروث عن عهد الثنائية القطبية قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، وأن هذا الخلاف ناتج عن بحث روسيا الدؤوب عن تعزيز مكانتها في منقطة الشرق العربي كمنافس للوجود الأمريكي الغربي. وفي غياب الصراع الديني بين روسيا وأمريكا فإن فرص التفاهم بين الدولتين اقتصاديا وسياسيا ، في إطار التحالف الإيراني الأمريكي، كثيرة وقابلة للنجاح على المدى المتوسط والبعيد وبالتالي فلن تكون روسيا عقبة أما هذا التحالف المتوقع تعميقه بل ستكون طرفا مساعدا عليه.

في ظل خريطة التحالفات المتوقع أن تسفر عليها التحولات الكبيرة التي تمر بها منطقة المشرق العربي والتحالف المتوقع بين الولايات المتحدة وإيران مرحليا وبين هذه الأخيرة وإسرائيل على المديين المتوسط والبعيد، يمكن القول إن فرص احتلال دول الخليج مكانا مؤثرا وقيامها بدور إقليمي وعالمي فاعل رهين أولا بتحالف هذه الدول حاليا مع تركيا باعتبارها فاعلا إقليميا قويا منافسا للولايات المتحدة وروسيا في المنطقة. وثانيا بدعمها للأنظمة الديمقراطية التي يفترض أن تفرزها الثورات العربية في مصر واليمن وتونس وليبيا بدل الوقوف ضدها.

*كاتب في قضايا الفكر السياسي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك