إشكاليات تطبيق العدالة الانتقالية في ليبيا ما بعد الربيع العربي

تُعد العدالة الانتقالية إحدى أهم متطلبات الإصلاح السياسي في ليبيا، التي تشهد مرحلة انتقالية معقدة عقب ثورة شعبية ممزوجة بالدماء الليبية أطاحت بالنظام المتمثل في القدافي;وتسعى ليبيا لمعالجة إرث القمع السياسي، والملاحقات الأمنية للنشطاء السياسيين، ومحاسبة المسئولين عنها، وإرساء دعائم نظام مستقر لحقوق الإنسان، بهدف استعادة التماسك المجتمعي والاستقرار السياسي.

غير أن تطبيقات نظم العدالة الانتقالية في ليبيا لم تحقق نتائج إيجابية في ظل تحديات هيكلية تعترض إتمام هذا الاستحقاق قبيل انتقال السلطة لمؤسسات منتخبة، بسبب عدم إتباع منهاج صحيح وقانوني وايضا بسبب سيطرة نزعات الانتقام السياسي والإقصاء على ممارسات إقرار العدالة والمحاسبة…

والاشكاليات التي تحول دون تطبيق العدالة الانتقالية في ليبيا ترجع إلى اعتبارات عديدة تتمثل في:

1-الاستقطابات السياسية : فعلى الرغم من الضغوط الشعبية باتجاه طي صفحة الماضي، ومحاسبة المسئولين عن جرائم النظام السابقة؛ إلا أن الانقسامات السياسية المحتدمة في ليبيا تحول دون التوافق على إجراءات تحقق العدالة.

2-النزعة الإقصائية : حيث تغلب على آليات العدالة الانتقالية التي تم إقرارها في ليبيا توجهات إقصائية، هدفها الانتقام من النخب السياسية المرتبطة بالنظام السابق، وليس إقرار العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وتعويض الضحايا لتحقيق المصالحة الوطنية، إذ تتمثل الآلية الرئيسية التي تم الاعتماد عليها من قبل السلطة التشريعية الليبية في قانون الحراسة 27-2012 وقانون العزل السياسي، وقد أحدث قانون العزل السياسي إنقساماً عميقاً في المجتمع حيث قسم القانون المجتمع إلى قسمين: أحدهما مبارك والثاني معزول. وكان من المفترض أن يُترك هذا الشأن لبند الإصلاح المؤسسي وهو ركيزة أساسية في العدالة الانتقالية الذي من خلاله يتم إبعاد الفاسدين ومن أرتكبوا الانتهاكات واضروا بالمال العام .

3- الصراعات القبلية : بضغوطات من جماعات معينة أصدرت السلطة التشريعية (المؤتمر الوطني المنتهية ولايته الآن) قرار جدلي شهير عرف بالقرار رقم 7 الذي أباح به اجتياح مدينة بني وليد ، حيث شنت حرب ضد مدينة وبإسم السلطة بحجة وجود مجموعة من إتباع النظام السابق وأحد أبناء القدافي في المدينة، ولقد أعقب هدا القرار انتهاكات جسيمة فحق المدنيين مثل النهب وتدمير الممتلكات وأيضا نشوب اشتباكات قبلية عنيفة في مدن ليبيا أخرى ويعتبر هدا القرار عقبة من العقبات التي تحول دون تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة في ليبيا.

4- تصدع البنية المؤسساتية: فقد ارتبطت الثورات العربية بكشف إشكاليات مؤسسات الدولة وأزمات الثقة فيما تتخذه من إجراءات، بينما لم تنجح الهيئات الموازية التي تم تأسيسها لتحقيق العدالة الانتقالية في إثبات كفاءتها واستقلالها في مواجهة السلطات التنفيذية باستثناء الحالة المغربية، حيث لم تنجح أي منها في انتزاع صلاحيات نافذة، أو تطبيق سياسات محددة لحسم القضايا الخلافية في ظل تراجع الثقة في المؤسسات القضائية ومنظومة القوانين الحاكمة للعدالة، وذلك بالتوازي مع افتقاد مؤسسات إنفاذ القانون القدرة على تطبيق ما يتم التوصل إليه من أحكام قضائية في ظل انهيار المؤسسات الأمنية وانتشار الميليشيات المسلحة، بما يقوض من فاعلية الإجراءات القانونية.

وإجمالا يبدو من المستبعد أن تتمكن منظومات العدالة الانتقالية في نماذج دول الخريف العربي وليبيا خصيصا من تجاوز التحديات المعقدة التي تعترض تطبيقها، في ظل تسييس تطبيق القانون، وافتقاد السلطات القضائية للاستقلال، وتركيز النخب الصاعدة في ليبيا على إجراءات الإقصاء السياسي والانتقام الجماعي من الخصوم، فضلا عن عدم تهيئة المناخ السياسي والقانوني لإنجاز هذا الاستحقاق، بسبب تصاعد حدة الاستقطاب السياسي والصراعات والنزعات الإيديولوجية بشكل يزيد من احتمال أن يصبح تطبيق إجراءات العدالة الانتقالية أحد الاستحقاقات المؤجلة إلى حين الانتهاء من الانتقال الديمقراطي للسلطة وتسوية الصراعات السياسية والعسكرية… وفي الختام، يجب على الإطراف الليبية أن تقتنع بتطبيق فكرة قانون رقم 6 لسنة 2015 في شأن العفو العام وان يتم تجاوز فكرة القصاص والإقصاء ، وهده مسئلة يجب أخدها بعين الاعتبار ولكن بالتأكيد تطبيق القانون شيء مهم في حق من ارتكب الانتهاكات الجسيمة وأشدها في حقوق الإنسان سواء من النظام الليبي السابق أو رموز مابعد الثورة الليبية وهدا الشئ لا يتأتى إلا بوجود إرادة حقيقية سياسية وشعبية، سياسية بإصدار القوانين وتعزيز الاستقرار الأمني وإجراء إصلاحات جذرية لمؤسسات الدولة، وشعبية تتمثل في المطالبة الشعبية بضرورة معالجة انتهاكات وجروح ومآسي الماضي، وقابلية المجتمع لمفهوم التصالح وطي صفحة الماضي بكل ما فيها من إضرار نفسية ستؤثر على الاستقرار والبناء.

*باحث في العلوم السياسية والتواصل السياسي.

loading...

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك