https://al3omk.com/288844.html

من إلغاء التعصيب إلى تعديله

مساهمة في ترشيد النقاش العمومي حول موضوع التعصيب.

1
وقَّع مائة من المثقفين والمهتمين بالشأن العام المغربي من مشارب وتوجهات مختلفة في الأيام القليلة الماضية عريضة بعنوان “نداء من أجل إلغاء الإرث بالتعصيب في المغرب”، طالبوا فيها ب”إلغاء نظام الإرث عن طريق التعصيب من قانون المواريث المغربي”، والسبب الذي دعاهم إلى ذلك حسب ما ورد في العريضة الموقعة هو ما “ينتج عن تطبيق نظام الإرث عن طريق التعصيب بالنفس ظلم كبير لا يتماشى مع مقاصد الإسلام”، بالإضافة إلى أن هذا “القانون لا يجد له أي سند في القرآن الكريم، فضلا عن أنه لا يتناسب مع مقاصد الشريعة الإسلامية في تحقيق العدل بين الناس”.

أعقب هذه العريضة نقاش مجتمعي حاد أحيانا حول مضمونها، تراوحت فيه أراء الناس بين التأييد المطلق أو الرفض المبدئي:
استند العديد من أصحاب موقف التأييد المطلق للعريضة على مبدأ المساواة، فقد عبَّر الكثير منهم على اعتبار تحقيق إلغاء قاعدة التعصيب من الإرث إنما هو خطوة على درب تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث، وهم يستندون في طرحهم على الرؤية الكونية لمبادئ حقوق الإنسان القائمة أساسا على المساواة المطلقة. أما أصحاب الرفض المبدئي فقد اتسمت مواقف العديد منهم إما بالتسرع والشطط في إصدار الأحكام المنددة بالعريضة وأصحابها، لامزين أصحابها تارة بالجهل وأخرى بأنهم من الخوارج الجدد، أو بالاستهزاء والانتقاص، وحجتهم أن المطالبة بإلغاء التعصيب افتئات على الشرع وانتقاص من التراث الفقهي الإسلامي العظيم. وقد تطور الأمر عند فئة أخرى من هؤلاء فيما بعد إلى إخراج عريضة مضادة بعنوان “نداء من أجل المحافظة على نظام الإرث الإسلامي كما شرعه الله تعالى” عملوا من خلالها على استنكار “الدعوة إلى إلغاء حكم التعصيب” واستنكروا ““التصريحات التي تستهدف نظام الإرث، والمطالب العلمانية المعتدية على مرجعية الأمة المغربية” كما طالبوا “مؤسسات الدولة العلمية بالتدخل لرد هذا الاعتداء الصريح على الدين والهوية”.

لكن وإلى جانب هذين الموقفين الحديين برزت أصوات بعض العقلاء الذين حاولوا مناقشة القضية بالدليل والبرهان بعيدا عن التجييش والاستقطاب مع محاولة اقتراح بعض البدائل الاجتهادية الممكنة، ويأتي هذا المقال المتواضع في هذا السياق، فالقصد منه هو المساهمة الجادة في محاولة مناقشة عناصر القضية وإثراء النقاش العمومي ببعض الاقتراحات التي قد تشكل لبنات لبناء جسور التفاهم وإيجاد الحلول المناسبة لهذه القضية.

إن الهمَّ الرئيس لهذا المقال ذو شقين: أحدهما يتعلق بالتأكيد على أهمية ترشيد النقاشات العمومية وإبعادها عن الاستقطابات الهوياتية من خلال تحديد الأرضية التي يجب أن يبنى عليها النقاش والتي أزعم أن الأرضية التشريعية الإسلامية هي الأنسب في ظل مجتمع غالبيته المطلقة مسلمون يتمسكون بأحكامه وتشريعاته خصوصا المتعلقة منها بالأسرة دون أن نغفل التأكيد على أهمية الطابع التجديدي المنفتح لهذه الأرضية بعيدا عن الجمود والركود الذي أضر بالفقه التشريعي وعزله عن الواقع، ومن خلال أيضا البحث عن التوافقات الممكنة. والثاني يتعلق بتطوير النقاش حول موضوع التعصيب في الإرث من خلال البحث عن الحلول الاجتهادية المتاحة من داخل الرؤية الإسلامية المشار إليها.

لهذا فالتساؤل الأساس الذي يسعى هذا المقال إلى محاولة الإجابة عنه يمكن صياغته على الشكل التالي: إذا كان تعديل نظام التعصيب في الإرث أولى من إلغائه لما يحققه من عدل وتوافق معا، فكيف يمكن ذلك؟

2
النقاش العمومي حول أية قضية تعتبر مثار خلاف وجدال بين فئات المجتمع المختلفة يجب أن يتأسس في نظري على مبدأين رئيسين هما:

-أولا: الإيمان بالحق المبدئي في التعبير عن الرأي وإعلانه للعموم، فلكل طرف يرى تسوية قضايا الإرث ومشاكله بطريقة محددة الحق في التعبير عن رأيه، ولهذا لا أرى عيبا أن ينبري ثلة من الفاعلين والمفكرين إلى توقيع عريضة عمومية تتضمن مطلب الدعوة إلى إلغاء العمل بنظام التعصيب في الإرث من حيث المبدأ، فبالإضافة إلى أنه حقهم الطبيعي الذي كفله لهم الدستور والقانون فإنه لولا هذه العريضة لما أثير الموضوع للنقاش ولبقي الحال على ما هو عليه، ثم إنه من المعروف الذي لا يخفى على أحد اليوم أن من بين الوسائل الراقية التي يلتجئ إليها المثقفون المهمومون بقضايا مجتمعهم هي توقيع العرائض، ودعك من الذين يسخرون من هذه الطريقة بدعوى أن هذه القضايا حكرا على العلماء وأهل الاختصاص، وهي كلمة حق أريد بها إسكات المخالفين، وإلا فإن الواجب يقتضي من هؤلاء المعترضين أن ينهضوا لمناقشة الأمر والبحث عن الأجوبة المناسبة لما يطرأ في حياة الناس من مستجدات ونوازل.

لكن رغم الإقرار بهذا الحق الأصيل فإنه يجدر بنا التنبيه في هذا المقام إلى أن النقاش العمومي يجب أن تحكمه أخلاقيات الحوار أكثر من أي مجال آخر، نظرا لأن انفلات هذا النوع من النقاش عن جادة الصواب يكتنفه الكثير من المخاطر الاجتماعية والسياسية ليس أقلها انقسام المجتمع بسبب الاستقطابات الشديدة التي يلتزم فيها كل طرف موقفه دون القدرة على تحديد القواسم المشتركة التي يمكن البناء عليها في اقتراح الحلول وإيجاد المخرجات.

-ثانيا: التزام الحجة والبرهان في النقاش المفضيان إلى الإقناع ومن ثمَّ إلى تحقيق التوافق ما أمكن، إذ من البديهي أنه من الأولويات التي يجب حسمها عند مناقشة مثل هذه القضايا هي محاولة الاتفاق على الأرضية والمبادئ التي يجب أن تحكم هذا النقاش. فقد لاحظنا أن قضايا الإرث بالطريقة التي برزت في النقاش تكتنفها رؤيتان متعارضتان تستند إحداهما إلى مرجعية حقوقية مطلقة وتتكئ الأخرى على نظرة شرعية صرفة، وبغض النظر عن صحة كل رؤية لدى أصحابها وفساد الرؤية المقابلة لديهم، فإنه مما ينبغي الانتباه إليه هو ضرورة مراعاة السياقات والخصوصيات التي تتحرك فيها هذه الرؤى وتتشخَّص، الشيء الذي يستلزم ضرورة لزوم الاجتهاد لدى أصحاب الرؤية الشرعية وليس الجمود على الموروث بعلاته، وكذلك ضرورة لزوم “التقريب التداولي” للمفاهيم والمبادئ الحقوقية لدى أصحاب الرؤية الحقوقية الكونية في المقابل وليس فقط تبني كل المبادئ التي يُعتقد أنها حقوقية في غفلة عن أصولها التاريخية ودلالتها الفلسفية مع إنكار فجّ للخصوصيات. ولهذا اعتقد أن مبدأ تحقيق العدل الذي ينشده الطرفان معا ويتفقان عليه يمكن أن يشكل الأساس الذي يبنى عليه النقاش العمومي لهذه القضية اجتهادا وتقريبا معا.

3
إثارة موضوع التعصيب للنقاش العمومي في هذا الوقت لا أظنه مجرد ترف فكري أو غفلة عن الأولويات والمطالب المستعجلة كما يحلو للبعض أن يصور الأمر، بل هو ضرورة مجتمعية مثل غيره من القضايا الكثيرة المؤجلة، وهو يجد مبرراته في العديد من الضرورات الشرعية والواقعية، أشير إلى بعضها فيما يلي:

-فبخصوص الضروريات الشرعية فإن نظام التعصيب في الإرث المعمول به لا يخلو من مشكلات تشريعية حقيقية مثل مخالفة النصوص الصريحة والأقيسة الصحيحة ومقاصد الشريعة القطعية بالاستقراء.

فمما خالف فيه اجتهاد الكثير من الصحابة والعلماء النصوص الصريحة نجد حرمانهم أولي الأرحام من الإرث جملة واحدة، كما هو شأن متقدمي فقهاء المذهب المالكي تبعا لزيد بن ثابت مع أن الأدلة على توريثهم متضافرة، والقائلين بذلك كثرة، والأغرب من ذلك هو تقديم الولاء وبيت المال على أولي الأرحام في استحقاق التعصيب عند من يرى أن بيت المال يستحق الإرث تعصيبا، ومن ذلك أيضا بعض حالات الشواذ كالغراوين وغيرها. ومما خالف فيه الفقه الاجتهادي في الإرث الأقيسةَ الصحيحة نجد قواعد الحجب المترتبة على ترتيب العصبة، فنجدهم يميزون في الحجب بين الورثة رغم استوائهم في الجهة أو الدرجة مثل مسائل الجدات: الجدة لأم لا تحجبها إلا الأم بينما الجدة لأب يحجبها الأب والأم معا، وأيضا قاعدة الجدة القربى من جهة الأم تحجب البعدى من جهة الأب، وقد تنبه ابن عباس إلى هذه القضية مبكرا حين عاب على زيد بن ثابت عدم اطِّراد قواعد القياس في أرائه فكان يقول في مسألة إشراك الإخوة في الإرث مع الجد “أما يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا”.

ومما خالف فيه نظام التعصيب مقاصد الشريعة الكلية بناء الكثير من قواعده الاجتهادية على أساس التمييز على النوع تماشيا مع فكرة العصبية النَسَبيَّة السائدة آنذاك، ولعل قاعدة “كل شخص يدلي للميت بأنثى لا يرث إلا بشروط” التي جعلوها أصلا وعللوا بها الكثير من حالات الحرمان من الإرث مثل الأصول الذكور من جهة الأم أو الفروع من جهة البنت وغيرهم، فميزوا بين صلة النسبة من جهة الأم وصلة النسبة من جهة الأب بدون موجب سوى غلبة العرف، أو تعميم قاعدة “للذكر مثل حظ الأنثيين” في غير حالة الفروع والإخوة المنصوص عليها، كلها حالات وقواعد فاسدة لأنها تنظر إلى حالات تعميم التمييز بين الذكر والأنثى في غير الحالات المنصوص عليها، ولأنها أيضا تضاد قصد المشرع إلى تحقيق العدل والمساواة في الأحكام والشرائع في غير الاستثناءات القليلة التي تقدر بقدرها.

-كما أن نظام التعصيب لا يخلو أيضا من مشكلات واقعية تتجلى في مستويين اثنين:

أولا: كون الكثير من قضايا الإرث الاجتهادية ناسبت في تفاصيلها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لزمانها، ولم تستطع الفكاك من الأوضاع القبَليّة السائدة، ولا شك أن نظام التعصيب في الإرث في الكثير من تفاصليه الاجتهادية يصلح مثالا لمراعاة القواعد الاجتماعية المستحكمة في الجزيرة العربية والمبنية في معظمها على العصبية ليس في القضايا التشريعية فحسب ولكن أيضا في القضايا السياسية ونظريات العمران ونشأة الدول وأفولها كما أبان عن ذلك بوضوح بالغ الحكيم عبد الرحمان بن خلدون في مقدمته. فالقاعدة التي كانت تحكم إدخال الورثة في التعصيب أو إبعادهم عنه هو منطق تعبر عنه قاعدة “الغنم بالغرم”، فهي تعبر أحسن تعبير عن علة ترتيب الورثة بالطريقة الموجودة والمختصة بالعصبة، لأنهم على قدر إنفاقهم وواجباتهم نحو المورث في حياته يكون حظهم من الإرث بعد مماته وليس على قدر قرابتهم منه، وانظر إلى هذا النص الغريب لابن حزم ينبئك عن المسألة: “من ترك جده أبا أمه وابن بنته وبنت أخيه وابن أخته وخاله وخالته وعمته وابن عم له لا يلتقي معه إلاّ إلى عشرين جدا، أن هذا المال كله لهذا الابن العم البعيد ولا شيء لكل من ذكرنا” المحلى 9/255.

ثانيا: التطورات الهائلة التي شهدتها حياة الناس في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية، بحيث أن العديد من مقتضيات التعصيب الاجتهادية التي نتحاكم إليها في المنظومة الإرثية لم تعد تساير حياة الناس ولا تجيب على تطلعاتهم، الشيء الذي يقتضي ضرورة مراجعة هذه الأحكام وإعمال النظر والاجتهاد في تفاصيلها، ولعل مثل هذه النقاشات المجتمعية فرصة لتحريك الماء الآسن.

4
تسرع الموقعون على العريضة في المطالبة بإلغاء نظام التعصيب من منظومة الإرث وأبعدوا النجعة، ورغم أن بعضهم حاول فيما بعد أن يبين أن المقصود بالإلغاء هو بعض أنواع التعصيب وليس التعصيب كله، وهو رأي يعبر عن وجهة نظر المستمد منهم من الرؤية الشرعية فحسب، ولاشك أن ثمة فريق آخر من الموقعين يمتح من الرؤية الحقوقية الكونية ويزعم أن المقصود هو إلغاء التعصيب جملة وتفصيلا، بل يذهب أبعد من ذلك –كما أشرت إلى ذلك سابقا- في اعتباره الدعوة إلى إلغاء التعصيب مجرد خطوة تتبعها خطوات، إذ أن هدفهم الحقيقي هو تحقيق المساواة المطلقة في الإرث.

والسبب في تسرع الموقعين حسب رأيي المتواضع يكمن في شيئين هما:

-أولا: الغفلة عن إدراك طبيعة التشريع في المجتمعات والذي يُبنى في الغالب على التدرج لا التسرع، إذ مما لا شك فيه أن الناس قد ألفوا طريقة محددة في تقسيم المواريث تناقلوها عبر الأجيال لقرون مديدة يصعب زحزحتهم عنها، لهذا تجد أحيانا حتى المتضرر تحت تأثير الإلف والعادة يدافع عن بقاء الأوضاع على ما هي عليه اعتقادا منه بمعقوليتها وصوابها، ثم إن عملية التعديل والتغيير تسبق بالضرورة عملية الإلغاء والإزاحة التامة، لما قد تحمله عملية الاجتهاد في تعديل الأوضاع الشاذة في نظام التعصيب من الوصول إلى نتائج طيبة تصحح الأوضاع وتحقق العدل الذي هو غاية الجميع.

-ثانيا: أن إلغاء التعصيب دونه خرط القتاد ليس فقط بسبب المعارضة الاجتماعية الشديدة لهذا الأمر باعتبار أن تغيير بعض حالاته هو مس بالنصوص القرآنية الصريحة التي أقرت بهذا النوع في عدة حالات معروفة، ولكن أيضا لما قد يخلِّفه هو أيضا من مشكلات عبر حرمان بعض الأقارب من الإرث دون وجه حق وإن تعلق الأمر بجهات ودرجات بعيدة وذلك في حالات انعدام غيرهم من الورثة كأبناء الإخوة والأعمام.

لهذا أرى أن الأسلم هو الاتفاق على الدعوة إلى تعديل نظام التعصيب وإصلاح أعطابه لا إلى إلغائه وذلك لأنه مظنة تحقيق العديد من الأهداف والغايات:

-تحقيق العدل ورفع بعض أنواع الظلم التي لحقت بالمرأة خاصة.
-تحقيق التوافق والنأي عن الاستقطابات الحادة المضرة بالمجتمع والمفضية إلى انقسامه.

5
ثمة قاعدتان أساسيتان في المنظومة الإرثية يمكن استثمارهما في تجديد هذه المنظومة من خلال تعديل نظام التعصيب دون الحاجة إلى إلغائه، هاتان القاعدتان هما الحجب والرد.

المقصود بالحجب هنا هو الحجب بالشخص لا الحجب بالوصف الذي يمكن مناقشة قضاياه في غير هذا المقام، والحجب بالشخص نوعان حجب حرمان وحجب نقصان، وما أعنيه هنا أيضا هو النوع الأول لا النوع الثاني، والمراد بحجب حرمان هو “منع وارث معين من كل الميراث لوجود من هو أقرب منه للهالك”، وقد تمَّ التعامل مع الحجب وقضاياه بما يتناسب وترتيب العصبة من حيث قربهم من الهالك من حيث الجهة أو الدرجة أو قوة القرابة، وهو في الكثير من تفاصيله مبني على الاجتهاد لا النص، فقد تمَّ ترتيب العصبة بناء على قربهم من الهالك من حيث الجهة أولا ثم من حيث الدرجة وأخيرا من حيث القوة، بحيث أن أصحاب كل مستوى يحجبون من بعدهم حجب حرمان، وكما أنهم اجتهدوا في تأصيل قواعد ترتيب العصبة بهذه الطريقة فإنهم أيضا اجتهدوا في استثناء العديد من الحالات التي لا تنضبط لهذه القاعدة، مثل حالات الجد مع الإخوة، أو الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم وغيرها من الحالات.

وهذا الترتيب يطرح إشكالين اثنين مهمين هما:
-استثناء ذوي الأرحام من الترتيب مع العصبة على مقتضى هذا الترتيب.
-تعميم هذه القاعدة على الذكور دون الإناث إلا في حالات معدودة.

سأكتفي في هذا المقال بمناقشة الإشكال الثاني دون الأول الذي ربما أناقشه في مقام آخر، فقد اجتهد الفقهاء في وضع تصور معين إلى المرأة في قضايا الإرث استلهموه من قواعد أصّلوها بناء على فهم خاص للنصوص يقوم على التمييز الغالب بين الذكر والأنثى في الإرث كما ألمحت إلى ذلك سابقا، لهذا استكثر ابن مسعود على الأم أن ترث أكثر من الأب في حالة وجودها مع الأب وزوج أو زوجة قال: “ما كان الله ليراني أفضل أما على أب”، وكان من نتائجه حرمانهم الأنثى من أن تكون عاصبة بالنفس حاجبة لمن دونها من الورثة، فقصروا هذا الحق على الذكور فقط مسايرة للعرف السائد، فعرفوا العاصب بالنفس بأنه “كل ذكر لا تدخل في نسبته إلى الميت أنثى”.

لكنني لا أرى مانعا بعد تصفح الأدلة المختلفة وتقليبها على وجوهها الممكنة أن تصبح الأنثى عاصبة بالنفس حاجبة لمن دونها من خلال المناقشة الهادئة التالية:

-كونها بالفعل تحجب من دونها في الجهة أو الدرجة في الكثير من الحالات في منظومة الإرث الحالية وذلك عندما تكون وارثة بالفرض أو بالتعصيب على حد سواء.

فعندما تكون وارثة بالفرض نجد حجب البنت وكذلك بنت الابن للإخوة لأم مطلقا، وكذلك حجب المتعدد من البنات لبنت الابن نظرا لاستغراق الثلثين فلا ترث معهن شيئا إلا إذا عصبها ابن الابن، والشيء نفسه نجده في حالة الأخت لأب عند استغراق الأخوات الشقيقات للثلثين.

وعندما تكون وارثة بالتعصيب نجد الأخوات الشقيقات أو لأب عندما يرثن بالتعصيب مع الغير يصرن حاجبات لمن بعدهن من الورثة في الجهة أو الدرجة من الذكور، والغريب هو أن الأخت تحجب من دونها في هذه الحالة ولا تستطيع ذلك البنت إلا في حالة التعصيب بالابن.

فلما لا يمكن إضافة حالات أخرى؟

-كما أننا في أحيان كثيرة نجد أنفسنا إزاء حالات حجب الاستغراق، بحيث نجد الكثير من الحالات التي فيها البنات أو الأخوات تتم فيها عملية استغراق الفريضة ولا يبقى للعصبة إخوة أشقاء أو لأب فمن دونهم شيء مثل:

بنتان-زوج-أم-أخ ش. أصل المسألة من اثني عشر، للبنتين 8 وللزوج 3 وللأم 2 ولا يبقى للأخ ش شيء بعد العول.
زوج-أخت ش-ابن أخ ش، للزوج النصف وللأخت ش النصف ويحجب ابن الأخ ش حجب استغراق نظرا لاستغراق الفروض أصل المسألة.

-لدينا كذلك مسألة الحاجب الذي لا يستفيد مما حجبه شيئا سواء كان حجب حرمان أو حجب نقصان، وهي مسألة خلافية ذهب فيها ابن عباس إلى أن الحاجب يجب أن يستفيد من ذلك لا عموم العصبة كما في هذه القضية: المتعدد من الإخوة مع الأب والأم، فالإخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، لكن هذا السدس يؤول إلى الأب لا لهم، فكان ابن عباس يرى أنهم أولى به منه لأنهم هم الذين حجبوا الأم حجب نقص. والشيء نفسه يقال عن البنت أو البنات اللواتي يحجبن الأم أو الزوجين من أحظى الفرضين ثم يؤول إلى غيرهم من العصبة بينما هم أولى به، من أمثلة ذلك:

زوج-بنت-أخ ش، تحجب البنت الزوج من النصف إلى الربع لكنه يؤول إلى الأخ ش تعصيبا وهي أحق به لأنه لولا البنت لأخذ الزوج النصف.

-كون ابن عباس وفي بعض الروايات ابن الزبير من الصحابة، وداود بن علي الظاهري وطائفته كابن حزم، ونسبَ هذا الأخير هذا الرأيَ أيضا لإسحاق بن راهويه، ذهبوا جميعا إلى أن البنت تحجب الأخت ولا ترث معها شيئا، وعمدتهم ظاهر قوله تعالى “إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت…” فلم يجعلوا للأخت شيئا إلا مع عدم الولد، بينما خصص الجمهور الولد هنا بالذكور دون الإناث بدون حجة، بدليل بقاء اللفظ على عمومه عندهم في المواضع الأخرى من آيات المواريث. فلهذا يمكن اللجوء إلى هذا الاجتهاد الذي قد يبدو مرجوحا في التاريخ الفقهي رجوعا إلى النص وإعمالا لقواعد الاجتهاد الانتقائي المبني على الفتوى بمراعاة الخلاف والمصلحة المشهورين في المذهب، وهو ما تمَّ العمل به في مثيلاته بالفعل في بعض قضايا مدونة الأسرة.

-وأخيرا ضعف أدلة المخالفين: تمسك القائلون بنظام التعصيب كما هو موجود، المانعون من أن تصبح الأنثى عاصبة بنفسها حاجبة لمن دونها من الورثة بعدة أدلة نناقشها فيما يلي:

أولا: أن الإناث لم يرد لهم في القرآن إلا أنصبتهم المحددة، فلا يمكن مساواتهم بالذكور الذين لم تحدد لهم أنصبة مقدرة في القرآن إلاّ في موضع معدودة إشارة لكونهم يرثون في أغلب الحالات بالتعصيب لا بالفرض.
لكنهم خالفوا هذه القاعدة وخصصوها عندما جعلوا الأخوات مع البنات عصبات.

ثانيا: حديث ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر.

هذا الحديث عليه ملاحظات عديدة منها:

إمكانية قضاء النبي بهذا الحديث من باب مراعاة الأعراف السائدة كما هو واضح مثلا في كلام الطاهر بن عاشور رحمه الله، قال عند تفسيره لآيات المواريث: “..بيّن أهلَ الفروض ولم يُبين مرجع المال بعد إعطاء أهل الفروض فروضَهم، وذلك لأنه تركه على المتعارف عندهم قبل الإسلام من احتواء أقرب العصبة على مال الميت، وقد بيَّن هذا المقصد قول النبي صلى الله عليه وسلم )ألحقوا الفرائض بأهلها…(“. التحرير والتنوير 4/256.

وكذلك عموم لفظ “أولى” التي تصبح ظنية الدلالة بمقتضى هذا العموم، ومما يدل على ذلك شيئين: احتمال أن يشمل هذا اللفظ الكثير من الأقارب الذين تمَّ حرمانهم من الإرث باعتبارهم أولي أرحام، ثم كذلك لأن هذا الحديث تم تخصيصه بالفعل بالكثير من الحالات بمقتضى الاجتهاد، والتي يمكنها أن تفتح باب الاجتهاد واسعا في غيرها من الحالات، ومن أمثلة التخصيص لهذا الحديث التي قال بها العلماء:

كون بنت الابن مع ابن الابن عند وجودهم مع المتعدد من البنات ترث بنت الابن بالتعصيب للذكر مثل حظ الأنثيين مع ابن الابن المساوي لها في الدرجة، وكان المفروض حسب الحديث أن يأخذ جميع المال تعصيبا لاستغراق البنات للثلثين كما ذهب إلى ذلك ابن مسعود، ورجح مذهبه ابن حزم في المحلى. المسألة عينها نجدها في حالة الأخت لأب مع الأخ لأب عند وجود المتعدد من الأخوات الشقيقات، فقد كان المفروض أن يأخذ الأخ لأب الباقي تعصيبا لأنه “أولى” به حسب الحديث ولاستغراق الأخوات الشقيقات للثلثين، لكن تمَّ إشراك الأخت لأب معه يرثان بالتعصيب للذكر مثل حظ الأنثيين.

ومثله يقال عن قضاء الرسول وبعض الصحابة بإرث الإخوة مع البنات، كما في حالة أسرة سعد بن الربيع التي أعطى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ابنتا سعد الثلثين وزوجته الثمن وأخاه ما بقي، أو قضاء معاذ بن جبل في بنت وأخت، أعطى للبنت النصف وللأخت النصف.

فلما لا يتم تخصيصه بحالات أخرى غير التي أشرنا إليها تتعلق بحجب الأنثى لمن دونها من الذكور في الجهة أو الدرجة مثل حجب البنات منفردات أو متعددات لجهة الأخوة ثم جهة العمومة من باب أولى، وكذلك حجب الأخوات لبنوة الأخوة والعمومة.

بناء على ذلك كله وجمعا بين الأدلة المختلفة أرى أن البنت عند الانفراد أو التعدد والأخت كذلك عند الانفراد أو التعدد يمكنهما أن تكونا حاجبتين لمن دونهما من الورثة في الجهة أو الدرجة، تأخذان النصف بالفرض عند الانفراد أو الثلثين عند التعدد، وتأخذان الباقي بالرد بعد أخذ أصحاب الفروض فروضهم، والرد قد أخذت به مدونة الأسرة في المادة 349 وحسمت الخلاف. ويبقى ترتيب العصبة الذكور بالشكل الموجود به في نظام الإرث الحالي بعد إدراج الإناث فيه، يحجب بعضهم بعضا حسب قربهم من الهالك بدون تمييز، ولا حاجة لإلغاء النظام برمته نظرا تفادي الظلم الواقع بالأنثى وتحقيق العدل عن طريق التعديل المقترح.
لكن مع ضرورة التأكيد على المسائل التالية:

-البنت والأخت يرثان مع الذكر المساوي لهن في الدرجة بالتعصيب للذكر مثل حظ الأنثيين.
-الأب يرث مع البنت أو المتعدد منهن بالفرض السدس حسب القرآن وترث هي الباقي بالرد، فليس ثمة دليل على أنه يرث بالفرض والتعصيب جمعا بينهما كما هو الحال مع البنت أو البنات.
-لا تحجب البنت عند انفرادها عن الابن أولادَ الابن والأولاد البنت فإنهم يأخذون حظهم بمقتضى الإرث أو الوصية الواجبة.
-تأخذ بنت الابن منزلة البنت في حالة عدم وجودها.
هذه فقط بعض المقترحات التي يمكن أن تُسهم في تطوير النقاش العمومي حول موضوع التعصيب عن طريق تعديله دون الحاجة إلى إلغائه، وهي لا تدعي بأي حال من الأحوال الإحاطة أو الصواب بل مجرد اقتراح قابل للنقاش والتطوير.

* باحث في الدراسات الإسلامية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك