https://al3omk.com/300632.html

العلام يكتب: “جرائم” المعطي مُنجِب

ربما لم يَدر في خُلد والدة السيد المعطي مُنجِب وهي تحمله في بطنها، أن ابنها يمكن أن يغادر هذه الحياة التي كابدت من أجل أن يَخرج إليها، وذلك بسبب إصرار هذا الرجل على ارتكاب مجموعة من “الجرائم” في حق نفسه ووطنه… كما لا أظن أن السيد مُنجب الأب تخيل يوما أن تضحياته ومعاناته من أجل تَحمّل نفقات ابنه المعيشية والدراسية، ستكون سببا في أن يصبح لقب “منجب” أحد أكثر الألقاب تداولا محليا ودوليا، لأن حامل اللقب أبى إلا أن “يورّطه” في أوحال الشأن العام المغربي. فما هي هذه “الجرائم” الخطيرة التي جعلت الرجل مطلوبا لدى “العدالة” المغربية؟ ولماذا يتعاطف المجتمع المدني المغربي والدولي مع رجل تُروّج عنه السلطة أنه ضد وطنه؟

إن أول “جريمة” اقترفها المدعو “المعطي مُنجِب”، أنه حمل محفظته وانتعل فردة صندله منذ كان في السادسة من عمره، وتوجّه إلى مدرسته التي كان من أنْجبها مذ أن ولجها أول مرة، ربما اعتقادا منه بأن العلم يصنع الإنسان، ويجعل منه عنصرا في المجتمع. بمعنى أن السيد منجب ارتكب “جريمة” حب العلم والمعرفة، من أجل امتلاك زمام أموره، وتحرير عقله ممّا يصبه فيه الجهل والتحريف وإعلام الصوت الواحد. وبهذا نال أفضل الشهادات وأعلاها، بل لم يكتفِ منها بالواحد من الشيء، وإنما راح يحصد الشهادة الجامعية تلوى الأخرى، إلى درجة أن شهادة الدكتوراه التي ترهق الأغلبية، لم تكن لتُرعب الرجل الذي حصّل بدل الشهادة اثنتين؛ الأولى من فرنسا في موضوع “الشؤون السياسية في منطقة شمال أفريقيا”، والثانية من السنغال في “تاريخ السياسة الأفريقية”.

أما “الجناية” الثانية التي اقترفها هذا الدكتور والمؤرخ والجامعي، فهي أنه لم “يدخل سوق راسو” ويجني محصول ما زرعه طيلة حياته، ويراكم الأموال ويطوف مراكز الاصطياف، ويبني العمارات، بل إنه صدّق الأفكار التي قرأها في الكتاب، وساير سِيَرة مُزعجي السلطة أمثال المهدي بن بركة الذي خصّه بكتاب “سيرة ذاتية سياسية للمهدي بن بركة (A Political Biography of Mehdi Ben Barka)، مُعتقدا أن هناك مجالا لتكرار تجارب السابقين مع السلطة، وأنه يمكن تخليق الحياة السياسية، وأنه بإمكان المثقف أن يساهم في الحياة السياسية والاجتماعية خارج ما ترتضيه السلطة. وبهذا أسّس مركزا علميا أطلق عليه لقب “ابن رشد”، وهو أحد أشهر الفلاسفة الذين تعرضوا لنكبات متتالية، مستضيفا في أنشطته وندواته كل التوجهات السياسية والفكرية، دون أن يجعل أمامهم أية سياسة تحريرية أو خطوطا ملوّنة خارج ما تقتضيه الأعراف الأكاديمية وتحتّمه الضرورات العلمية.

وتبقى إحدى أكثر جرائم “المُنجب” أنه لم يكتفِ بالاهتمام بالشأن العام من الزاوية العلمية الأكاديمية، بل انخرط في الحراك المجتمعي من أبوابه المشّرعة على الشارع العام، بأن ساهم في تأسيس المجلس الوطني لدعم حركة 20 فبراير، وهو المجلس الذي أوجد بعض مقوّمات البقاء والاستمرارية لشباب حركة 20 فبراير. وهذه وحدها “جريمة” يمكن أن تجرّ صاحبها إلى مخافر الشرطة ولو على كرسي متحرّك (وهو بالفعل ما حصل عندما حُمِل الرجل قبل أيام في كرسي متحرّك إلى التحقيق من أجل سؤاله عن ما إذا كان يُتاجر في الأفكار)، كيف لا وهذه الحركة أرغمت السلطة على إحناء رأسها للعاصفة، والاستجابة لبعض المطالب على مضض. ألم يقل أحد علماء السياسة “احذروا حاكما تُنتزع منه الحقوق رغما عن إراداته”؟

إذا كانت “الجرائم” السابقة قد جاءت في ظروف سياسية تستمد زخمها من موجة “الربيع الديمقراطي”، ويمكن للسلطة أن تُمرّرها كما مرّرت غيرها، فإن “الجريمة” التي لا يمكن غفرانها للمعطي وأمثاله، هي أن يتجرّأ هذا الرجل الذي يُتقن ثلاث لغات على أن يؤسس جمعية وطنية تُعنى بمراقبة “الحرية الآن”، ويسعى إلى إعطائها طابعا وطنيا مستغلا علاقة الود التي تربطه بجميع الأطياف في المغرب، سيما وأنه سبق له رعاية حوارات الإسلاميين والعلمانيين في المغرب بين عامَي 2007 و2010، وطابعا دوليا مستغلا علاقته بالمفكرين والباحثين والنشطاء الدوليين، وهي العلاقة التي راكمها أثناء تدريسه بالسنغال والولايات المتحدة، وجلوسه على كرسي “باتكين” في مركز “سابان لسياسة الشرق الأوسط” في معهد بروكينغز سنة 2009. وحصوله على عدة منح عالمية من قبيل “منحة فولبرايت” (2005-2006) التي لا يحصل عليها إلا النُّبهاء.

أجرَم المعطي أيضا عندما نظّم “جائزة صحافة التحقيق”، وأشرَف على تكوين وتمويل مجموعة من الشباب الذين فضّلوا التعامل مع الصحافة مِن موقع “الاستقصاء”. كما أجْرم الرجل عندما فضّل أن يبحث لمركزه عن موارد مستقلة، وهو المركزه الذي أسّسه لا على كونه جمعية تنتظر الإحسان العمومي، بل أعطاه صِبغة شركة تجارية تؤدّي ما عليها، وتخضع لقانون الشركات وتتحصّل على مداخليها من مجهودات أعضائها، وما ينتجونه من أعمال وأبحاث. فالسلطة لم تتعوّد على أن يكون لأصحاب الرأي والفكر والثقافة والسياسة موردا آخر غير ما تَمنحهم إياه وبشروطها ورقابتها، أي لا تريد أن يكون أصحاب الآراء في حلّ من أمرهم، وإنما يجب أن يربطون ألسنتهم برابط الدعم المشروط بحسن السيرة والسلوك حيال صانع القرار. وربما كان هذا ما ألمح إليه عبد الهادي بوطالب المستشار السابق للملك، بقوله: “على كل صاحب رأي حر أن يكون له موردا مستقلا”.

لقد تعددّت إذن، جُنح وجنايات الرجل، حتى ملأت منسوب صبر السلطة حيّاله، وجعلها تُعلن عليه حربا غير مدروسة، زادته إشعاعا وأكثرت من عدد أصدقائه والمتعاطفين معه وطنيا ودوليا، حتى إن جريدة عالمية من طينة “نيويورك تايمز” خصصّت له إحدى افتتاحياتها التي حتما سيكون الملايين قد اطلعوا عليها، وعلموا من خلالها واقع حقوق الإنسان في المغرب، الذي تحاول السلطة تجميله وإبرازه وتسويقه للناظرين. لكن وبينما تُنفق وزارة الخارجية الملايين على نشر مقالات بجرائد مغمورة لا تطلع عليها إلا القلّة، فإن المعطي منجب، بفضل تضحياتها، استطاع أن يشكل محور افتتاحية أكبر الجرائد العالمية.

نعم لقد تمادى الرجل في “غيّه”، وبدأت تصريحاته وأفكاره تَجد لها صدى في تقارير المنظمات الدولية، وتَحوّل من رمز للفكر والثقافة في المغرب إلى رمز للنضال والاهتمام بحقوق الإنسان. فهو لم يكتفِ بتأليف الكُتب التي يُبين فيها عثرات السلطة من قبيل: “النظام الملكي المغربي والصراع على السلطة” (The Moroccan Monarchy and the Struggle for Power)، الذي أصدره سنة 1992. أو التي يدعو فيها إلى التقريب بين مواطني البلد الواحد من قبيل كتاب: “الإسلاميون في مواجهة العلمانيين في المغرب” (Islamists Versus Secularists in Morocco) الصادر سنة 2009. وإنما شرع في إعطاء التصريحات للجرائد المحلية والدولية، والمشاركة في إعداد التقارير التي تهم واقع المغاربة، والتي يبدو أن السلطة بدل أن تستفيد منها من أجل تجاوز السلبيات، راحت “تجتهد” بكسل في إسكات أحد الأصوات التي تحاول أن تساهم في الشأن العام من المنطلق الذي تُجيده، وبالطريقة التي ترى أنها نافعة.

لستُ متأكدا مّمن كان أول القائلين بأن “المؤرّخ هو عدوّ السياسي الأول”، لأنه يذكره والمواطنين بوعوده، ويكشف زلاته، ويحصي عثراته. الأمر الذي يحاول السياسي إخفاءه، والمراهنة على النسيان كي يُطيل في أيام حكمه. لكن المؤكّد، أن هذا القول ينطبق بشكل كبير على المؤرخ المعطي مُنجب.

ملحوظة:

كتبت هذا المقال بتاريخ 21-أكتوبر-2015، عندما كان المعطي منجب يخوضا اضرابا عن الطعام احتجاجا على منعه من السفر، وأعيد مشاركته بسبب الهجوم غير الأخلاقي على الرجل ومحاولة نهش عرضه وتشويه سمعته.

* أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاضي عياض – مراكش

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (1)
  1. يقول بنعاشير بلعياشي .:

    في بلد ”التسامح” .. و”الانفتاح” .. و”حوار الثقافات” .. تتم محاصرة الاصوات الحرة .. والاقلام النزيهة .. كل الطيور الحرة .. التي تحلق بعيدا عن كتائب الماجورين .. واجواق المطبلين .. الذين يؤثثون الحفل الرسمي .. الذي تتواصل فصوله بفجاجة وابتذال . كل التضامن مع المفكر والمؤرخ د المعطي منجب . وله مني كامل التقدير والامتنان .. لنضاله المتواصل من اجل حقوق وكرامة وتقدم المغاربة .

أضف تعليقك