https://al3omk.com/309564.html

عشرون عاما لا تكفي

ما عادت الحكايات عن جبروت السلطة في المغرب بعقود خلت يحتاج قدرات عالية للتخيل و إلهاما لرسم ملامح فترة قال البعض أن صفحتها طُويت. فها قدأصبح لنا نحن أيضا نصيب من ذاكرة الألم الجماعي، و أحرقنا جمر ظن البعض أن الرماد غطاه. لم نعد مجرد منصتين مشدوهين أمام هول حكايات من نجوا من موت سبعيني أو ثمانيني وعاشوا بجرح غائر في الذاكرة ،يستعيدونه كل حين أمام جيل يافع يذكرونه بتضحيات الآباء والأجداد من أجل ” الهامش ” من الحرية ..ها قد رموا بالهامش إلى الهامش و قالوا لنا كلكم سواء . لا فرق بين الأجيال . القضاء واحد وإن استقلت نيابته و الحكم واحد وإن تغير دستوره و القدر إن كان بأيدينا لكتبناه ..ها قد أطلقوا النار على بقايا الأمل وحكموا على باقات حلم بإعدام بطيء بطء المنتقم الذي لا يشفي غليله أن يردي بضحيته في ضربة واحدة ، يجب أن يطول الألم كي يستغيث المسجون أكثر وينتشي بذلك “السجان”، “لذته”يلزمها عشرون عاما.

لقد حكموا علينا جميعا. كي نصمت. كي نعارض الظلم بلا كلمة لا . كي نصطف جميعا في فريق نعم و أصحاب النِّعم . كي يرتعش الكلام في حناجرنا و نبلعه ريقا مرا. كي نحد من جريان الحرية في المداد فلا نصاب بماأصيب بِه الأولون . كي نهرول لطلب العضوية في حزب الصمت و الفرجةعلى المشهد من بعيد . كي نبقى في عداد القاصرين ، لا حق لنا في مناقشة أولي الأمر و أمور الكبار . كي لا نصدق أننا شعب بلغ سن الرشد وأننا صرنا مواطنين ، بل لازلنا تحت الوصاية . كي نستفيق من الحلم ، من أثر الربيع و ضربة شمس الحرية ذات فبراير .

حكموا علينا جميعا. والحكم ليس فقط عشرون عاما ، الحكم أيضا إهانة. كسر للأنفة. إذلال لنفوس عزيزة ، نطقت باسمنا جميعا ، ما غوتها هبات الواهبين صيادو الأباة إلى الأعتاب، وما أخافتها مشانق من نادوا بالإعدام ونصبوها على الإعلام . صوت ناصر بأذني يسحبه حراس الأمن بالمحكمة ويصرخ في أول مثول له بها ” والله لن تخيفوني ، لقد آمنت بالقضية و لايخيفني الإعدام ” ..كيف سينصروك يا ناصر وأنت لم تهن و لم تبع لسانك ولم تبدل قول الحق تبديلا ؟ كيف سينصروك يا ناصر و أنت لم تستجد أحدا ولَم تستعطف أحدا ووقفت كجبال الريف شامخا ، وعيونك تحمل طيف محمد ابن عبد الكريم وتاريخا ظنوا انهم طمسوه وألف حلم ؟ كيف ينصروك يا ناصر ولسانك الفصيح عرى ركاكة المعاني في لغة أحزاب التخوين و أدخلها فصيلةالدكاكين ؟ كيف ينصروك يا ناصر وقد ناصرك و لبى ندائك شباب وشيب تَرَكُوامنصات خطب الموالاة خالية ، وراحوا يسمعونك أنت الذي لم تغرهم بمالولَم تستدرجهم ابتغاء مصلحة ولَم ترهبهم خوفا من غضب. لا أحد يسمعهم وسمعوك ، مل الناس أحاديث أحزاب وجمعيات و إعلام ومثقفي و متملقي الموالاة الموالون على بياض، كل ما ينزل من فوق يحمدون مُنَزِّله على نعمته ويقولون اللهم أنزل وبارك، فهجرهم الناس كما تُهجز الدير بعد الخراب . ياناصر هل ظننت أننا قد نخرج من النمط و عقلية التنميط كي يكسر صوتك ومعك شباب الحراك قواعد السياسة القديمة و الادارة القديمة ؟ لا عيب في الحلم ، لكنها ليست أرض الأحلام .

عشرون عاما كي يقولوا لنا ، أن القديم باق و إن صار باليا ، أن الحلم بالديمقراطية والخروج لتعقب خطواتها و محاسبة الفاشلين في تدبير الشأن العام قد يوصل الى ليل دامس و هناك يغلقون عليك الأبواب ، أبواب السجن .

عشرون عاما ليقولوا لنا أن هبة الدولة في أن تُهاب ، و أن يخافها الصغير والكبير، انها العقلية القديمة التي أصبح يرفضها حتى الأطفال. نحن في بلد صار الأطفال فيه يجادلون الآباء في سلطتهم و يحاورونهم ، في بلد شبابه يقارن نفسه بما يحيا عليه أقرانهم في بلدان تحترم حقوق الانسان ، لكن عقليةالسلطة فيه قديمة وتغمض عيونها عما تغير و تمضي بثبات نحوالخراب. عقلية أبوية قديمة لازالت ترى أن “العصا من الجنة” فحملت عصاغليظة كي تحمي جنتها من أسئلة مزعجة عن الثروة و السلطة وأصحاب القرار. فإذا أشرنا الى نموذج بأوروبا قالوا لا تنظرو ا بعيدا سوريا هنا بالجوار ، وإذاقلنا بتونس نموذج ينضج على مهل قالوا لا حاكم مصر فعال ، و اذا قلنا ذقنا ذَرعا قالوا لنا أنعم الله علينا بواجهتين بحريتين فاختر قاربا واحمل عليه ضجيجك مع أول فجر ، إن نجوت نجونا منك ولا تنس بلدك ان أنعمت عليكبلدان الغير بمال و ان غرقت سندعو لك بالسلام.

عشرون عاما كي نحسب للكلمة ألف حساب ونتذكر النقط و الفواصل و الحواجز والخطوط قبل الكلام . عشرون عاما كي يصير الصحافي بلا رأي والمؤرخ لا يمس أرشيف الحكم والحاكمين و الحقوقي بلا صوت و السياسي بلاعيون تراقب السلطة و الأكاديمي بلا لسان يحكي خارج المقرر في الدرس . عشرون عاما حكم ليس على الريف فقط، بل على بلد.

يا ناطق الحكم أما ارتعشت شفتاك، يداك ؟ يا ناطق الحكم من عليك أفتاه؟من أغشاك من صور لك هذا الحكم حفظا ل”الأمن” و”الاستقرار”؟ هلصارت الورود و الأعلام و البالونات أدوات قلب الاستقرار ؟ يا ناطق الحكم لم يعثروا في بغداد على أسلحة الدمار الشامل بعد و صار البلد خراب ، فهل عثرت عليها تحت سرير الزفزافي ؟ يا صانع الحكم هل سمعت والدة الزفزافي تزف ولدها بطلا و والده يقول أن عشرين عاما ، بضعة عقود في تاريخ الجمر بالريف، هل سمعت حبيبة وسيم تعده بأن ينتصر الحب على الخوف، وزوجة الحنودي بان تربي أبناءه على عهد الحراكيين ، وأبناء جلول الذي لم يمرعلى البيت الا خمسة عشر يوما من سجن إلى آخر ، خمسة عشر يوما عطلة من خمسة عشر عاما سجنا بين حلم فبرايري و حراك ضد “الحكرة” . ألم تسمع صرخة عائلة أحمجيق بألا ينبطحوا كما أريد لهم وأن يبقوا كالأشجار واقفين ؟ ألم تسمع غناء الزفزافي للحرية، دعوة جلول الى رص الصفوف خلف كلمة حق وحكمة نبيل تردد السلمية ثم السلمية ؟

يا ناطق الحكم عشرون عاما ربما لم تكف، هل رأيت ؟ لازال بالسجن مكان للأمل و بالريف جمر عزة يغلي و بالبلد أصوات ما بحت عن النداء بالعدل والحق ، و حكم الخوف ماعاد يجدي.

حكم الخوف ما عاد يجدي . فهل فكرت كيف سيكون الاستئناف ؟استئناف حكم في حق بلد؟

عشرون عاما لا تصنع ” الهبة” لكنها قد تصنع هبَّة لا يدري أحد ساعتها و لاأي قدر تهب، هذا “المزاح” صار خطيرا. من يوقف الانحدار؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك