https://al3omk.com/320561.html

خفيف الظل

في عصر الكاتب “مارك توين”، شاع الفساد في المجتمع الأميركي ، فلم يجد الكاتب الذي كان يتمتع بحس فكاهي بالغ الدلالة، إلا أن يلجأ إلى قلمه، فكتب برقية مختصرة تضمنت سطراً واحداً:” اهرب فقد افتضح الأمر! وأرسل هذه البرقية إلى عينة من رجال المال والأعمال البارزين في المجتمع الأميركي، دون أن تكون عنده أدنى فكرة عن أشخاص معينين، تحوم حولهم شبهات بالتربح أو سرقة المال العام، لكنه اختار من رأى أنهم يشكلون عصباً قوياً في دنيا المال والأعمال والسياسة، ولدهشته البالغة لاحظ بعد أيام أن العديد ممن وجه لهم نسخة من برقياته إما أنهم اختفوا، وإما إنهم توقفوا عن الظهور، وإما إنهم صاروا يدلون بتصريحات، أو يعقدون مؤتمرات صحفية، يتحدثون من خلالها عن ما قدموه لمجتمعهم من خدمات! منذ سنوات كنت اتمنى أن أكتب مثل هذه البرقية متمنياً أن أحذو حذو هذا الكاتب الخفيف الظل، لكنني لم أجد إلا تجربة واحدة،

أرجو أن تكون خفيفة الظل، وهي لاتدل إلا على شيء واحد، الفساد موجود حتى في أصغر السلالم الإدارية مع أبسط الوسائل. بدأت هذه التجربة عندما كنت مراهقاً، فقد دخلت لأحد الإدارات المعنية بخدمة الناس، ووجدت الموظف الذي كنت أبحث عنه، كان يفيض صحة وحيوية، وفي ملامحه الطيبوبة واللطف لا تدري هل هي صفة أم لوازم العمل، خاصة وهو يوجه الجالسين والواقفين حوله من أصحاب الحاجات، وقد سمعته وأنا أنتظر مع الناظرين، وهو يقول لأحد الشباب :”أحضر لي علبة سجائر ، من نوع كذا… بسرعة ، قبل إتمام طلبك ! “وقد قام ذلك المواطن راكضاً وهو في غاية الفرح، ولم تمض دقائق إلا وقد عاد ومعه العلبة المطلوبة، أخذها الموظف وناوله الطلب، وقد خشيت أن يطلب مني شيئاً، فأنا في ذلك الظرف، لم يكن في جيبي إلا “ثمن ربع كيلوغرام” لحم غنم، أوصتني الوالدة بإحضاره من محل الجزارة !

والشيء الذي استغربته أن الرجل كان يملي طلباته على المواطنين باطمئنان كامل، ويجد من يلبي طلباته بفرح وامتنان، وكأنه لم يصدق أن الموظف سوف ينهي اجراءات طلبه، وقد سمعت بعد ذلك أن الرجل لا يخرج من عمله إلا ومعه قفة عامرة بالسجائر والخضار واللحم والحلويات، لم يكن الرجل خائفاً أو متوجساً من عيون ترقب تصرفاته أو طلبه الرشوة علناً، وبإسلوب أبوي، الأمر الذي يجعل كل ما يطلبه، وكأنه طلب والد من أبنائه! وكلما كبرت في العمر والتجربة، أجد أن هذه الآفة لها ألف اسم، وألف طريقة، وهي غالباً تأتي عندما يتعهد أحدهم بتقديم خدمة مستحقة لك، لكنه مع ذلك لا يقدمها لك إلا بعد أن تتعهد بتقديم “الحلاوة”، وأرجو أن لا يعاقبني الله فقد نكصت بتعهدي لواحد من هذه الفئة، عندما أخذت منه ما أريد دون أن أقدم له ما طلب، دون أن التفت لصوته وهو يناديني :”فين الحلاوة ياولد !”.. رغم الاختلافات لكن كلهم لصوص. أليس كذلك؟.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك