https://al3omk.com/339766.html

واقع أسا

عرفت مدينة أسا والقرى التابعة لها تراجعا تنمويا غير مسبوق! على جميع الأصعدة، فلا تتقدم الأقاليم من حولنا إلا ليتأخر إقليمنا كما لو حُكِم عليه بالهشاشة و البؤس وعلى أهله بالتيه هربا من واقعهم لجرم أجرموه وما أجرموا ولكن استهان بهم المتسلطون وسيَّدوا عليهم السفهاء المصطنعين الذين عاثوا في الأرض فسادا، واستحالت البلاد معهم خرابا كأنما نعق فيها غراب أسحم.

ولا مراء أن أهل أسا يعرفون بالصبر الجميل والنضال المستميت، وهم رقم صعب في كل ما يدور وسيدور في المنطقة، الشيء الذي تنبأ به على أية حال العقيد دوفورست، ضابط الشؤون الأهلية الذي أدار الشأن العسكري والمدني بأسا في نهاية الثلاثينات، أقول قد تنبأ به سنوات قبل نشوب النزاع القائم الآن، غير أنهم جوزوا جزاء سنمار. ومن ذا الذي يخرج أسا من سباتها ويعيد أهلها إلى سابق عهدهم ؟ هل ننتظر عودة زرادشت من خلوته بالجبل ؟ هل هناك أمل ؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة تقتضي منا العودة قليلا إلى تاريخ أسا السياسي وربطه بالحاضر علنا نستشرف مستقبلا فيه القليل من الضوء. معلوم أن هَبة الأهالي بدايةَ تسعينيات القرن الماضي قادها شبان مثقفون يمثلون أول فوج من الطلبة خريجي الجامعات، وقد تأثروا أيما تأثر بالأفكار اليسارية الرائجة آنذاك، فثاروا أول ما ثاروا على رئيس الدائرة الذي نهب الميزانيات بمعية البعض من بني جلدتنا، وحجب الوظائف وتسلط واستغنى بغير وجه حق، لتُدشَّن مرحلة جديدة لا صوتَ فيها يعلو على صوت الشباب الذين قدموا تضحيات جساما في سبيل مطلب واحد ووحيد ألا وهو: تنمية أسا.

فما كان من الدولة إلا أن سارعت إلى احتواء الحراك لتقطع بذلك الطريق أمام أي استثمار سياسي له وهو ما حصل بالفعل، ذلك أن المثقفين أدركوا فعالية تحركهم واستوعبوا المسؤولية المنوطة بهم في توجيه الرأي العام واستطاعوا خلقَ وعي أضحى بمُقتضاه الإنسان الآسوي متسيسا حتى لا أحد أكثر منه تسيسا، وطار في الناس صِيت أسا وصمودها بل تغنى بأمجادها من انتهك حرمتها في سياق غير الذي فرضه أبناؤها أيامها.

ولأن المتسلط لا يعطيك إلا لينزع منك فقد أُغرِيَ المثقفُ بالمال والجاه وصار لا شيء أحب إليه من أن يجالس المسؤولين ولو دقائقَ معدودات، ولا يسعى إلا لنيل رضاهم ولو على حساب المستضعفين متخليا بذلك عن دوره التنويري واقعا في خيانة البلدة التي تنتظر منه ما لا تنتظره من غيره، وأي خيانة أشنع مِن أنْ يقدم المثقفون مصالحهم على المصلحة العامة ومن أنْ يتبعوا الأُميين يوجهونهم بأموالهم أنى شاؤوا بل وجاؤوا من الأفعال الدنيئة ما ضاهوا به المفسدين الذين عم بفاحش سلوكاتهم الفساد والفساد أصل الظلم والظلم مؤذن بخراب العمران، كما يقول ابن خلدون، ومتى ظهرت مسؤولية المثقف في تنمية البلاد ظهر معها بما لا يدع مجالا للشك أن الذي يلزمُنا ليس قيادات وزعامات تسوقنا كما يدعي البعض، بوعي أو بغير وعي، وكأنما يطلبون طواغيت جددا يتسلطون عليهم، وإنما الذي يلزمنا هو أن يستعيدَ المثقفون دورَهم الريادي مستنهضين بذلك الهمم لتكوين جيل مثقف لا متسيس فحسب وقادر على نزول أعلى المراتب والدرجات العلمية التي ينفع بها أهله ومحيطه.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك