https://al3omk.com/340724.html

مكافحة الإرهاب وحماية حقوق الإنسان

لقد عرف العالم ظاهرة الإرهاب بحلته الجديدة بعد أحداث 11 شتنبر 2001، والتي مست بالسلم و الأمن العالمي، مسببة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان و قيم التحضر و الحريات الأساسية و إنكارا لديمقراطية، كما أن هذه الظاهرة أصبحت تهدد الحياة اليومية للإنسان، وحتى من لا دخل لهم بالاتجاهات السياسة، فضلا عن التزايد المستمر لهذه الظاهرة وامتدادها على مختلف بلدان العالم.
و الخطورة هنا تتجلى في كون الإرهاب متعدد الهويات و لا وطن له.

ويقصد بالإرهاب هو الاعتداء على مصلحة يحميها القانون الدولي، وذلك باستهداف المدنيين أو العسكريين أو الأموال العامة أو الخاصة، ويلجأ إليه الأشخاص بصورة فردية مثال على ذلك حالة “الذئاب المنفردة” التي تقوم بهجوم مسلح يستهدف أشخاص أو أماكن بدوافع عقائدية أو اجتماعية أو سياسية أو نفسية مرضية، كما فعل اليميني المتطرف اندريه بريفيك في النرويج سنة 2011 حين قتل العشرات احتجاجا على سياسة بلاده في مسالة هجرة الأجانب إليها، ويشكل هذا النوع من الإرهاب خطرا اكبر من التنظيمات المعروفة نظرا لان الاستخبارات ترصد وتتوقع حركات التنظيمات بينما الذئاب المنفردة لا تكون تابعة لأي نظام بل تخطط وتنفذ لوحدها ويكون ذلك ضربة مفاجئة غير متوقعة للاستخبارات.

والنوع الثاني وهو الأفعال الإرهابية الجماعية المنظمة التي يقوم بها أفراد ينتمون إلى إحدى الجماعات الانفصالية المتطرفة، التي تسعى إلى الإخلال بالنظام كمثال على ذلك تنظيم “داعش” و “القاعدة” و “بوكو حرام”، والتي تمارس نشاطها في مختلف بقاع العالم، وحتى المغرب بدوره لم يسلم من المحاولات الإرهابية المتكررة التي كانت تستهدف شخصيات سياسية و عسكرية و أماكن اتخاذ القرار، إلا انه وبفضل الأمن و الاستخبارات المغربية ذات الكفاءة المهنية العالمية باءت تلك المحاولات بالفشل.

إلا أن بعض الاتجاهات السياسية ومن بينها تلك التي تنهجها دولة إسرائيل تربط الإرهاب بحركات التحرر الوطني و الأساليب التي تستخدمها بعض الدول في سبيل نيل استقلال بلادها مثال على ذلك أسلوب “المقاومة المسلحة” التي تنهجه دولة فلسطين، إلا أني أجد هذه السياسة هي عملية تدخل في إطار حق تقرير المصير، ولا تمث إلى الإرهاب بصلة.

و قد لا يختلف الإرهاب كثيرا عن التطرف غير أن هذا الأخير يرتبط بالأفكار و المعتقدات البعيدة عن ما هو معتاد ومتعارف عليه سياسيا و اجتماعيا و دينيا ، دون أن يرتبط بأفعال مادية عنيفة في مواجهة المجتمع، أما إذا تحولت تلك الأفكار إلى أفعال و سلوكات عنيفة و تخريبية و إجرامية فانه يتحول إلى إرهاب، إلا أن الإرهاب و الطرف العنيف هما وجهان لعملة واحدة.

و لا يمكننا الحديث عن ظاهرة الإرهاب و التطرف دون المساس بالأسباب التي أدت إلى استفحال هذه الظاهرة في العالم وحتى في البلدان الديمقراطية، ومنها انعدام العدالة الاجتماعية التي تتمثل في التقسيم الغير العادل لثروات، فمن جهة فئة تزداد غنا و فئة أخرى تزداد فقرا، وتعاني من تفشي البطالة، وتدني مستوى الدخل الفردي، بالإضافة إلى الهدر المدرسي، و هشاشة التنشئة الاجتماعية.
فالشباب يعيش فراغا على مستوى الفكر و العاطفة، و بالتالي يكونون عرضة لتبني الخطابات الدينية المتطرفة، و لثقافة ترفض التسامح الذي يدعوا له ديننا الحنيف.

ففي ظل هشاشة القانون الذي يحمي حقوق الأفراد، أصبح الشباب حاقدا و متمردا على الدولة أو بمعنى أدق على سياسة الدولة التي طالما تبنت الخطابات الزائفة التي تعد بالتشغيل و الزيادة في الرواتب و تحسين ظروف العيش.

هذه العوامل أدت إلى انهيار جبال الثقة و الآمال عند الشباب فمنهم من اقبل على الانتحار كحالة الطالب المكفوف صابر الحلوي الذي اقبل على الانتحار في مقر وزارة التضامن و المرأة و الأسرة و التنمية الاجتماعية أمام أعين الحاضرين.

ومنهم من اختاروا ركوب قوارب الموت مغامرين أو بمعنى اصح مقامرين بحياتهم التي لم تعد لها أية معنى في غياب ابسط ظروف العيش الكريم، وهو وجه آخر من أوجه الانتحار.

بينما البعض فضل الانسياق للتيارات المعارضة للأنظمة السياسية الوطنية أو الدولية محاولا البحث عن سبل لإثبات الذات فوجد نفسه مرة أخرى في مواجهة الموت تحت تأثير الأفكار و الإديلوجيات المخدرة للعقول ،بدعوى الجهاد في سبيل الله أو الدفاع عن معتقدات عقائدية أو سياسية يجدها البعض حجة أو ذريعة لتحقيق مصالح ذاتية محضة ،موهمين أنفسهم بالجنة المنشودة، ليجدون أنفسهم ضحايا عمليات انتحارية أو محتجزين وراء القضبان مع مستقبل مظلم.

وخلاصة القول أن الدولة في تبنيها للاستراتيجيات الوطنية في مكافحة جرائم الإرهاب و التطرف العنيف لا تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية لمجتمعنا و لا تهدف بالضرورة لمعالجة الأوضاع المتأزمة في المجتمع و الذي لم يكن التطرف سوى مخاض لهذه الظروف، بل يجب أن تركز على توظيف قيم الحوار و التضامن، و التفاهم، و الوئام المجتمعي، وقيم التسامح التي جاءت بها جميع الديانات السماوية، رامين إلى إعادة تأهيل و إصلاح ما أفسده الدهر.

* أخصائية في العلوم السجنية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك