https://al3omk.com/372106.html

مكانة اللغة العربية وترجمة القرآن الكريم مقال رأي

تزامنا مع الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية في18 دجنبر الماضي، ارتأينا أن نضمن بعض الملاحظات حول مكانة اللغة العربية وترجمة القرآن الكريم. ويمكن وصف هذه العلاقة بكونها فريدة بامتياز لكونها علاقة التحام لا تحتمل الفصل، وهو ما مثل إشكالا نظريا عند العلماء المسلمين قديما وحديثا، بمعنى أنه مثل مصدرا من مصادر التحفظ التقليدي على فكرة ترجمة القرآن الكريم إلى لغات أخرى.

وهذه العلاقة الفريدة، في رأينا المتواضع على الأقل، تعد السبب الأبرز في انتشار اللغة العربية واستعصائها على ما حصل للغات الأوروبية من استبدال اللغة اللاتينية باللغات الدارجة لمختلف البلدان الأوروبية، كما أن لها تبعات لا مناص من إقرارها في عدد من مسارات المعرفة الإسلامية، ومن بينها ترجمة القرآن الكريم، كما سنبين في السطور التالية.

ونود أن نتطرق في المقام الأول بنوع من التفصيل لعلاقة اللغة العربية بالقرآن الكريم، لكن من وجهة نظر لغوية ولسانية تبعا لتخصصنا، مع التركيز على كون هذه العلاقة، في حال عدم التدقيق في حدودها وتبعاتها، من شأنها أن تؤدي إلى عدم الوفاء بغايات إسلامية سامية من قبيل أداء واجب البلاغ للعالمين.

وفي المقام الثاني، سنتطرق إلى السبل التي تمكن نظرية ترجمة القرآن الكريم من أن تقدم حلولا عملية وصيغا مبتكرة تجعل هذه الترجمة في خدمة القرآن الكريم باللغة العربية وليس عنصر استبعاد أو استبدال لهذه اللغة، وذلك في إطار تصوري تكاملي يجعل الترجمة عملا عضويا من أعمال الدعوة يتم تكييفه باستمرار وفقا للجمهور الهدف وخصوصياته اللغوية والاجتماعية والنفسية.

بين القرآن الكريم واللغة العربية

في مقال أكاديمي لنا موسوم ب”دراسة تأريخية تحليلية لنظريات ترجمة القرآن الكريم” (منشور في مجلة ترجمان، المجلد 25، العدد 2، 2017)، قمنا بمحاولة جرد وصفي وتحليلي لأهم الإسهامات العلمية والفكرية للمسلمين بخصوص ترجمة القرآن الكريم وتبعاتها لنخلص إلى كونها اتسمت عموما بخاصيتين: الهامشية والتحفظ.

وبخصوص الخاصية الثانية، أي وجود نوع من التحفظ تاريخيا لدى المسلمين لترجمة القرآن الكريم، فنحن نجد أحد دوافعه في العلاقة الفريدة التي تجمع القرآن الكريم باللغة العربية، لكن عدم التحقيق في طبيعة هذه العلاقة وانعكاساتها على ترجمة القرآن قد تنتج نوعا من الإحجام والتهيب من هذا العمل مع ما يستتبع ذلك من ضرر بين بواجب البلاغ للعالمين على حد قول ابن تيمية.

ولذلك، نود في هذا المدخل التركيز على جملة من المقدمات الضرورية حول العلاقة الفريدة للقرآن الكريم باللغة العربية، وهو المعطى الذي نعتبره حاسما وبنيويا، سواء في النقاشات الإسلامية حول هذا الموضوع قديما وحديثا، أو في أية نظرية تتوخى إرساء معالم ترجمة القرآن الكريم من وجهة النظر الإسلامية.

لا شك أن الجانب اللغوي، الذي يمثل أساس بحثنا، يعد جانبا بالغ الأهمية في القرآن الكريم، فمن بين جوانب إعجازه التي لا تحصى أنه نزل بلغة العرب، الذين كانوا أمة برعت في الإنتاج الأدبي، خصوصا الجانب الشعري منه، حتى قيل أن “الشعر ديوان العرب”. وقد نزل القرآن الكريم متحديا لهم ببيانه وفصاحته، حتى أن كثيرا من المشركين من قريش وغيرها من قبائل العرب دخلوا الإسلام من باب انبهارهم بلغة القرآن الكريم من منطلق وعيهم اللغوي والخطابي المتقدم، والذي وجد في التراث الشعري الهائل الذي ورثوه عن العصر الجاهلي أحد أهم مظاهره. فقد قال الله تعالى:

﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ( يوسف: ٢)
﴿ وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ (طه: ١١٣)
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الزمر: ٢٨)
﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ( فصلت: ٣)
﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾ (الشورى: ٧)
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الزخرف: ٣)

وهو ما يعني أن الإعجاز اللغوي جزء لا يتجزأ من المعجزة القرآنية (والإعجاز القرآني عند القدماء كان لغويا أساسا، ليأخذ في القرن العشرين مناحي أخرى مثل الإعجاز العددي والعلمي)، بل كان في زمن البعثة أحد الحجج الرئيسية لإثبات النبوة أمام جحود القرشيين ومعهم سائر العرب، وبالتالي، فلا يتصور أن يكون القرآن الكريم قرآنا، أي بكل قيم القرآن الكريم واعتباراته التعبدية والتشريعية والعلاجية وغيرها كاملة، دون أن يكون باللغة العربية، خلافا للأناجيل في الديانة المسيحية مثلا.

في مقال لمحمد فتوح بعنوان” الإعجاز العلمي بالقرآن.. حقيقة أم ترويج خاطئ للإسلام؟” “ركّز علماء الإسلام منذ القرن الثاني الهجري على بيان الإعجاز القرآني والذي كان غالبه في الجانب اللغوي، إذ كان تحدي القرآن للعرب بأن يأتوا بآية منه في الفصاحة والبلاغة والبيان والنظم، وقد كتب الجاحظ رسالته “نظم القرآن” في إعجاز القرآن اللغوي ليتبعه في ذلك عدد من أئمة الإسلام الذين تكلموا في الإعجاز القرآني، مثل الفراء والرُوماني والخطابي والباقلاني وعبد القاهر الجرجاني، واتخذت مؤلفاتهم أسماء مثل: “بيان إعجاز القرآن”، و”إعجاز القرآن”، و”دلائل الإعجاز”. (منشور في موقع “ميدان” الفكري الإلكتروني).

غير أن هذه الصبغة اللغوية التلازمية التي طبعت العلاقة بين القرآن الكريم مع اللغة العربية لا يمكن أن تصرف بأي حال من الأحوال عن الطابع العالمي الذي تتخذه هذه الرسالة هدفا لها وفق تصور يوجب البلاغ وإقامة الحجة والبينة على كل الناس، على اختلاف لغاتهم وأعراقهم ومعتقداتهم والحيز الجغرافي الذي يتواجدون به. وقد عبر القرآن الكريم في عدة مواضع عن هذا المعنى:
﴿ ﴾

قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ (سورة الفرقان، الآية 1 )
قال تعالى : ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (سورة القلم، الآية 87 )

من وجهة النظر القرآنية أيضا، فإن اختلاف اللغات أو الألسن بين بني البشر يعد أحد القوانين الإلهية في الخلق:
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (سورة الروم، الآية 22)
في تفسير ابن كثير لهذه الآية ، فإن الاختلاف في الألسن بين الجماعات والشعوب المختلفة، وكذا هيئاتهم وألوانهم، يكون ذلك دالا على قدرة الله سبحانه وتعالى وآية من آيات عظمته:” (وقوله : ( واختلاف ألسنتكم ) يعني اللغات ، فهؤلاء بلغة العرب ، وهؤلاء تتر لهم لغة أخرى ، وهؤلاء كرج ، وهؤلاء روم ، وهؤلاء إفرنج ، وهؤلاء بربر ، وهؤلاء تكرور ، وهؤلاء حبشة ، وهؤلاء هنود ، وهؤلاء عجم ، وهؤلاء صقالبة ، وهؤلاء خزر ، وهؤلاء أرمن ، وهؤلاء أكراد ، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله من اختلاف لغات بني آدم ، واختلاف ألوانهم وهي حلاهم ، فجميع أهل الأرض – بل أهل الدنيا – منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة : كل له عينان وحاجبان ، وأنف وجبين ، [ ص: 310 ] وفم وخدان . وليس يشبه واحد منهم الآخر ، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة أو الكلام ، ظاهرا كان أو خفيا ، يظهر عند التأمل ، كل وجه منهم أسلوب بذاته وهيئة لا تشبه الأخرى . ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح ، لا بد من فارق بين كل واحد منهم وبين الآخر”. )تفسير ابن كثير، منشور على موقع islamweb.net ويمكن الاطلاع على نفس الرابط على تفسير الآية في تفاسير أخرى).

وعليه، فقد قرر القرآن الكريم أن مركزية الرسالة من حيث اللغة توازي تعددية لغوية في التواصل والتبليغ في ظل وجود خطاب قرآني إيجابي وتقريري يؤسس لاختلاف اللغات باعتباره أحد مظاهر عظمة الله تعالى، وأحد السمات الملازمة لطبيعة الإنسان، عكس التصور الإنجيلي مثلا من خلال قصة برج بابل الذي يوحي بأن تعد اللغات كان بمثابة عقاب إلهي على عزم بني البشر تشييد برج بابل، وبعد أن كانوا يتحدثون لغة واحدة، أحدث بينهم التعدد اللغوي وانعدام التفاهم بينهم، مما أدى إلى فشل مشروع بناء البرج وتفرقهم في الآفاق.

يقول الباحث حمزة زغار: جاء ذكر هذه الحادثة في سفر التكوين في الإصحاح الحادي عشر ومفادها أن الناس الذين كانوا يتكلمون لغة واحدة، قرروا تشييد برج عالٍ لبلوغ عنان السماء من أجل بلوغ المعرفة القصوى، غير أنَّ الرَّبَ عاقبهم وذلك بتعداد لغاتهم، حتى أضحوا لا يدركون مقاصد بعضهم البعض، والعلامة ‘ابن خلدون’ له رأيه حول هذا الموضوع: أصاب النمروذ وقومه على عهد سيدنا إبراهيم عليه السلام ما أصابهم في الصرح وكانت البلبلة وهي المشهورة وقد وقع ذكرها في التوراة ولا أعرف معناها. والقول بأن الناس أجمعين كانوا على لغة واحدة فباتوا عليها ثم أصبحوا وقد افترقت لغاتهم قول بعيد في العادة إلا أن يكون من خوارق الأنبياء فهو معجزة حينئذٍ، ولم ينقلوه كذلك؛ والذي يظهر أنه إشارة إلى التقدير الإلهي في خرق العادة وافتراقها وكونها من آياته كما وقع في القرآن الكريم ولا يعقل في أمر البلبلة غير ذلك” (عن مدونة الأستاذ حمزة زغار،”تعدد اللغات والترجمة، أسطورة بابل” 2015: http://hemza-zeghar.blogspot.com/2015/12/blog-post.html).

علاوة على ذلك، تقرر الآيات المذكورة صراحة أن تعاليم هذا الدين ليست خاصة بقوم دون قوم أو بقطر دون آخر، بل هي عالمية المقصد، خالدة الدلالة والهدف. وعليه، فهذا يستلزم بالضرورة أداء واجب البلاغ وإقامة الحجة على كل الناس، سواء الناطقين باللغة العربية أو غير الناطقين باللغة التي أنزل بها الوحي، ولا يتم ذلك منطقا إلا عن طريق الترجمة.

وعليه، فإن أحد النقاط التي يلزم التوسع فيها ورسم حدودها عبر الإجراءات العملية في مجال التنظير أو تنفيذ الترجمات، تفاديا لتحولها إلى نوع من العرقلة لمشاريع الترجمة أو خلق نوع من التحفظ في أوساط العلماء والفقهاء أو جمهور المسلمين حول طبيعة هذا العمل.

ترجمة القرآن الكريم واللغة العربية

كما أشرنا في بداية هذا المقال، فإن التحفظ يعد أحد السمات التي طبعت تعامل العقل الإسلامي مع مسألة ترجمة القرآن الكريم قديما وحديثا، وأن أحد دوافع هذا السلوك يتمثل في الخوف على القرآن الكريم باللغة العربية واللغة العربية نفسها من مخاطر ترجمة كتاب الله العزيز إلى لغات أخرى.

وعلى عكس ما قد يتصوره البعض انطلاقا من المعطيات النظرية الواردة في الأسطر السابقة، يمكن القول أن ترجمة القرآن الكريم قد شغلت حيزا هامشيا على مر التاريخ الإسلامي، سواء من حيث التنظير أو تنفيذ الترجمات.

غير أن العقود الأخيرة شهدت اهتماما متزايدا بترجمة القرآن الكريم، بل يمكن القول أنه أكبر من أي وقت مضى، سواء من حيث عدد اللغات التي تمت ترجمة القرآن الكريم إليها، إذ تتحدث بعض المصادر عن 890 ترجمة للقرآن الكريم (كثير منها ترجمات مختلفة للغة واحدة) إلى حدود سنة 2002 ، كما تعددت اللغات المترجم إليها، حيث تعدت اللغات الأوروبية المركزية إلى لغات إفريقية وآسيوية استجابة لطبيعة رسالة الإسلام العالمية وواجب التبليغ الذي يشمل كل الإنسانية، لأن الذي أنزل القرآن هو رب العالمين فقد أنزله هداية ونورا لكل العالمين.

غير أن هذا الجهد الكبير المبذول في إنجاز الترجمات بمختلف اللغات ومختلف المؤسسات والملتقيات التي تمت في هذا المجال، لم يتم إرفاقه، على الأقل بشكل كاف في نظرنا، مع جهد تنظيري منهجي يسعى لترشيده وتوجيهه الوجهة السليمة، خدمة لدوره الحضاري والدعوي.

وفي هذا السياق، تلزم الإشارة إلى مؤلف مهم في هذا السياق، ويتعلق الأمر بكتاب “مسألة ترجمة القرآن” للشيخ مصطفى صبري (1931)، والذي نعتبره من أهم وأعمق الإسهامات العلمية، ليس فقط لقامة الرجل العلمية (فقد كان آخر مفت للإمبراطورية العثمانية قبل إعلان الجمهورية التركية سنة 1922 بمسار علمي وتعليمي كبير)، بل لطبيعة الكتاب نفسها وبعض المواضيع التي تطرق إليها، وهي الشاهد عندنا. ومناسبة الكتاب هو الجدل الذي ثار في بلد الكنانة على خلفية إقدام سلطات الجمهورية التركية الوليدة على منع قراءة القرآن في الصلوات في المساجد باللغة العربية واستبدالها بترجمة له باللغة التركية، في إطار مجموعة من الإجراءات ذات الطابع الاستئصالي من قبيل منع رفع الأذان في المساجد وغيرها. ورغم أن واقع الحال في مصر لم يكن بأي حال من الأحوال يقبل القياس على الحالة التركية، فقد اصطف فريقان من كبار المفكرين والعلماء بين مناصر ومعارض لترجمة القرآن الكريم. وقد صادف هذا الجدل تواجد الأستاذ مصطفى صبري في مصر في المنفى، وكان من أعلم الناس بما جرى في تركيا لكونه قد عايشه من موقع متميز، فحرر هذا المؤلف لدحض كثير من الشبهات التي وردت في حجج المساندين لما قامت به الحكومة التركية. وخصص المؤلف الفصل الأول للرد على الحجج الفقهية للشيخ محمد مصطفى المراغي، أما الثاني فللرد على الحجج الاجتماعية والنفسية التي أوردها المستشار أحمد فريد وجدي.

أما الشاهد عندنا هو أن هذا السياق قد هيأ ظرفا سانحا لمدارسة قضية ترجمة القرآن الكريم وحدودها ومآلاتها من وجهات نظر متعددة، عدا النظرة الفقهية الفرعية حول القراءة في الصلاة بترجمة القرآن الكريم.

وقد تطرق الأستاذ صبري إلى الموضوع من عدة مناح، لكن ما يهمنا منها في هذا المقام هو وجهة النظر الفريدة التي بينها، والمتعلقة بوضع الشعوب الإسلامية غير الناطقة باللغة العربية وقضية ترجمة القرآن الكريم ومخاطرها، غير أنه لم يفته التشديد على أن ما عارضه هو استبدال القرآن العربي بترجمته، بما في ذلك القراءة في الصلاة، لكنه لم ير بأسا في ترجمة “موجزة” للقرآن الكريم للاطلاع عليه.

ونعتقد أن هذه القضية (نقصد الوضع الخاص للشعوب ذات الغالبية المسلمة وغير الناطقة باللغة العربية) لم تنل إلى الوقت الحاضر القدر الكافي من التمحيص من قبل الدارسين.

خلاصة القول أنه من وجهة النظر الإسلامية نجد مجموعة من التحفظات النظرية على ترجمة القرآن الكريم من منطلق اللغة:

– الخوف من ضياع اللغة العربية مع مرور الزمن وانتشار الترجمات وذلك،
– بركون المسلمين غير الناطقين بالعربية إلى الترجمات
– أن يستبدل المسلمون غير الناطقين باللغة العربية القرآن الكريم باللغة العربية إلى الترجمات و
– يصرفهم ذلك عن تعلم اللغة العربية
– زبناء على هذا التصور، ذهب الأمر ببعض الدارسين (العبيد والرومي ومصطفى صبري المذكور وغيرهم) إلى الدعوة إلى ترجمة التفاسير رأسا وليس ترجمة نص القرآن الكريم من منطلق تفادي أي تقابل بين النص القرآني بالعربية والنص المترجم وإبقاء النص القرآني العربي اللغة بمنأى عن أي لبس لدى المتلقين المفترضين.
– حث الناس على تعلم اللغة العربية لكون الترجمة لا تغني عن ذلك (أنظر مثلا مقدمة ترجمات د. بهيج الملا ومحمد أسد وعيسى غارسيا إلى اللغة الإسبانية على سبيل المثال لا الحصر)

ونعتقد أنه يلزم كل نظرية ترجمية تتوخى وضع إطار نظري يبين الكيفية المثلى لترجمة القرآن أن تأخذ بعين الاعتبار هذه التحفظات وتحاول قدر الإمكان وضع إجراءات عملية لتجنب مطباتها.

كيف السبيل إذن إلى جعل ترجمة القرآن الكريم في خدمة اللغة العربية؟

من وجهة نظر عملية إجرائية، يمكن اقتراح مجموعة من المداخل التي يمكن من خلالها التنبيه على خصوصية علاقة اللغة العربية والقرآن الكريم وجعل ترجمة كتاب الله تعالى أداة في نشر اللغة العربية والحث على استخدامها وتعلمها.

والبداية من الأساس الفلسفي للترجمة، ونستعين فيه بمساهمة الفيلسوف طه عبد الرحمن-أو بالأحرى جزء منها- فيما يتعلق بموضوعنا، والواردة في كتابه “سؤال العمل” (2012). ونعتقد أن من أهم ما قعد له الأستاذ عبد الرحمن هو الفصل الكلي من حيث قيمة النص الأصلي والنص المترجم في الحالة القرآنية، وهو ما من شأن التأكيد عليه في الترجمة من تبديد أي لبس أو أية مقابلة من قبيل التكافؤ بين القرآن العربي والترجمات، عبر تصور قرآني هو مفهوم الثقل والخفة.

“القول الخفيف ليس قرآنا كما هو القول الثقيل، فينتفي عنه كل ما يثبت لهذا فلا يصلح للعبادات ولا تجزئ قراءته في الصلوات، ولا تستنبط منه الأحكام والتشريعات، ولا تعد تلاوته ولا ترتيله ولاحفظه من الطاعات؛ وأما من جهة الباطن، فإن القول الخفيف ليس أنوارا زكية ولا أسرارا خفية كما هو القول الثقيل، فلا ترتقي به الروح في المنازل السنية، ولا تفيض منه على القلب أية معارف خاصة (…)” (ص.201).
وحول مقومات الترجمة التأصيلية للقرآن الكريم، يفصل الكتاب في هذه المقومات للقول الثقيل على الشكل التالي:

1- قلب التصور القديم بيم الأصل والنقل: أي جعل الترجمة محل “الأنا” و”الذات” والأصل هو “الآخر” الغريب الذي يتم “استضافته” وفق تعبير بيرمان وفق ذكر عبد الرحمن نفسه.

2- أن القول الخفيف بمثابة الظل من الواقع بحيث لا يمكن أن يستقل بنفسه أو يستغني عن الأصل (ص. 199)

وهنا نقف على ما يمكن أن نعتبره بداية النظر إلى القرآن الكريم وترجمته من وجهة النظر التأصيلية بمعنى أن نجعل الترجمة تابعة للأصل باللغة العربية، لا تستغني عنه، أو إن شئنا نجعل منها فرعا عن الترجمة باللغة العربية. ويكون ذلك إجرائيا أثناء القيام بالترجمة على النحو التالي:

1- العتبات النصية: في كثير من الدراسات التي اطلعنا عليها في هذا الموضوع، لاحظنا عند كثير من الدارسين ما يمكن أن نسميه ب”الهوس النصي”، ونعني به التركيز كليا في التحليل على ترجمة المفردات وعلى أقصى تقدير على العبارات. لكن هذا التحليل لا يستقيم في رأينا دون أخذ وجهة النظر النصية الكبرى ولو على سبيل استصحابها في التحليل. ويسعفنا في ذلك مفهوم تطور في أوساط النقد الأدبي وهو مفهوم “العتبات النصية” أو النصوص الموازية والمصاحبة الذي طوره الناقد الفرنسي جيرار جنيت في كتابه المعروف الذي يحمل نفس العنوان. وتنقسم هذه النصوص إلى عدة أقسام مثل: التوطئة والتقديم و المقدمة والهوامش والفهارس والمسارد والرسوم البيانية وغيرها. وتكمن أهمية هذه النصوص بالنسبة للمتلقي، فهي تؤطر فهمه للنص وتمنح مجموعة من التوجيهات الضرورية حول منهج التعامل معه. وفي حالة الترجمة، من شأن هذه النصوص أن تقدم معلومات مهمة حول عمل المترجم وتصوره للمتلقي المفترض والمعلومات التي ستساعده في تلقي منتج الترجمة (أنظر مثلا مقدمة كتاب “نظرية الترجمة: مقاربة خطابية” لباسل حاتم وإيان مايسون”. وبالتالي، فإن المجال مشرع في هذه النصوص الموازية للتأسيس لفهم العلاقة الفريدة بين القرآن الكريم واللغة العربية وفق ما قلنا في القسم الأول:

• أن يؤكد على محدودية ترجمة القرآن بين “القول الثقيل” و “القول الخفيف”.
• أن الترجمة لا تعدو كونها كتابا يقرب لكتاب الله ولا يغني عنه باللغة العربية.
• وأن الترجمة لا تغني عن تعلم (على الأقل ما تيسر من) اللغة العربية للقراءة بها في الصلاة.
• التعمق في كتاب الله والتفقه فيه يقتضي بالضرورة تعلم اللغة العربية.

2- التكامل مع السياسة العامة للدعوة: بحكم الخبرة المعتبرة التي راكمناها في مجال الترجمة في المجال الديني قرابة عقد ونصف العقد في الديار الإسبانية في مؤسسات أهلية ورسمية، يلزم أن نؤكد على ضرورة أن يتم إعداد وتنفيذ الترجمات بالنظر إلى الواقع (المفترض طبعا) الذي يعيش فيه متلقي الترجمة، فليس واقع الشعوب ذات الغالبية المسلمة غير الناطقة بالعربية (وهو ما توسع في وصفه الأستاذ مصطفى صبري) وحال الشعوب ذات الغالبية غير المسلمة مثل بلدان أوروبا والولايات المتحدة مثلا، من حيث وجود مؤسسات أهلية أو رسمية تتكلف بتعليم اللغة العربية ومبادئ الدين الإسلامي. فإن تم مثلا التنصيص على مكانة اللغة العربية وضرورة الاجتهاد في تعلمها لأغراض تعبدية لا محيد عنها مثل القراءة في الصلاة، صار لزاما على المؤسسات أو الجمعيات أن تيسر السبل لتعلمها لمن يحتاج لهذا الأمر. كما يمكن إرفاق الترجمات بوسائط صوتية ومرئية لتعليم ما تيسر من كتاب الله باللغة العربية ليكون لدى المتلقي حد أدنى من القرآن الكريم للقراءة في الصلاة مثلا. وليكون ينبني هذا العمل على أساس علمي متين، وجب القيام بدراسات واستبيانات ميدانية حول المتلقين المفترضين للترجمات لمعرفة خصائصهم وحاجياتهم لإعداد وتنفيذ الترجمات وفقا لذلك.

وثمة مجموعة أخرى من الأفكار والإجراءات التي يمكن القيام بها في المجال الرقمي، لكن هذا موضوع آخر سنتطرق له بإذن الله في مقال قادم.

* أستاذ الدراسات الإسبانية- تخصص ترجمة / كلية الآداب والعلوم الإنسانية-المحمدية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.