https://al3omk.com/408244.html

“لُغَةُ التَّدْرِيسِ”، تَحْتَ رَحْمَةِ صِرَاعِ الْخُصُومِ!

مرة أخرى يعود النقاش السياسوي/ الفكراني حول لغات التدريس وتدريس اللغات، مع النقاش المحتدم حول القانون الإطار للتربية والتكوين والبحث العلمي 17.51،  لينضح على السطح، وتتلقفه ألسنة، وأقلام المزايدين على هوية المغاربة، ومستقبلهم الحضاري بين الأمم، وتمكنهم الذاتي من الاستقلال الثقافي و اللغوي الحقيقي، لا المتوهم، عن “ماما فرنسا” المعتزة بلغتها، المناضلة من أجل التمكين لها في الأصقاع التابعة لها، بفضل جماعات متغربة انتدبت نفسها لخدمة المشروع الفرنكفوني الاستعماري، داخل الشعوب والمجتمعات التابعة لها.

فلقد تم ربط هذا النضال التغريبي بالرغبة في فك الأمة/الشعب عن الارتهان إلى الماضوية، وفكر التطرف والرجعية، ونقله إلى رحاب الانعتاق، والتحرر، والمساواة، والعلمية، الذي تمثله فرنسا ولغتها الرائدة؛ زعموا !. كل هذا في لبوس تضليلي يتم الخلط فيه بين هذه الرغبة/المشروع، وبين بعض الدعوات المُنْبَتَّة، هنا وهناك، لأطراف سياسية وأيديولوجية تبنت مناهضة هذا المسار التغريبي. حيث يتم الربط بين هذه الرغبة، التي ظاهرها الانفتاح، والعلمية، والتحرر، وباطنها خدمة أجندات التبعية، وتثبيت قدم المستعمر في المستعمرة/المستعمرات، بطرف بعينه هو المستهدف من هذا الحراك اللغوي الارتدادي، والذي توفرت فيه كل سمات الماضوية، والرجعية، في مشروعه المجتمعي، كما في عقله المذهبي؛ زعموا(! رغم أنه ليس الوحيد الذي يتبنى هذا الملف، وينافح دونه، ولكنه الأكثر إثارة للجدل حوله، حتى أصبح موسوما بـ”المدافع الشرس” عنه، وأصبح لحراكه الرسمي تحت قبة البرلمان، وداخل المجلس الأعلى للتربية والتكوين، ما يقلق الصناديد، ليتعبؤوا بكل ما أوتوا من إعلام، و”بروباغندا” لتوجيه أصابع الاتهام إلى هذا المكون الخطير الذي سيدمر كل ما بنته الأيادي الخفية في خدمة هذا المشروع. فكان لابد من تسييس المعركة وتوجيهها كلها  ضد هذا الفصيل الحكومي/ البرلماني القائد باستغلال انزلاقاته السياسية والمجتمعية، وأخطائه التدبيرية، لتقوية منطقهم، ومحاولة حصر المناهضين لهذا المشروع (الفَرْنَسَة) فيه. خصوصا وأنه قد أثبت بالملموس فشله في تدبير الشأن العام ، بعد أن تسبب في انتكاسات اجتماعية واقتصادية ولدت لدى  المواطن المغربي العادي، والموظف، والطالب،… حقدا غير مسبوق، مما أفقده حسه الاعتباري لدى الجميع. فكانت فكرة إلصاق تهمة هذه المناهضة به، محاولة ذكية لسحب البساط منه، وإضفاء الشرعية الواقعية على دعوات التغريب والفَرْنَسة، وكأن لسان حال خصومه الطبيعيين يقول للشعب المغربي: “ماذا تنتظرون مِمَّنْ هذا تدبيره لشأنكم العام، أن يكون تدبيره لهذا الملف؟. وماذا تنتظرون ممن رهن حاضر المغرب ومستقبله إلى المؤسسات المانحة، أن يصدق دفاعه عن هويتكم واستقلالكم؟ ! “.

 وهكذا، يتوالى الهجوم على هذا الخصيم العروبي، بنشر شبهات أغلبها مهزوز، وغير مستقيم؛ من ذلك اتهامه بالنفاق، والكذب على المغاربة  حينما يدرس أبناءه في البعثات، حيث تُدرَّس العلوم بلغات العالم، في حين يدعو إلى تدريس أبناء المغاربة، غير المحظوظين، بلغة الضاد. وهي نظرة للأمور، في اعتقادنا، قاصرة، ولا تنهض أن تستثير الشعب ضد هكذا فكر، ومشروع؛ إذ ربط رفضنا لمنطق فعل الحكام في ذواتهم، وعوائلهم مما يدخل في القناعات الخاصة لكل فرد على حدة، انشغال تافه، بمناقشة موضوع عضوي ومؤسس، وذا بعد حضاري، ومرتبط باستقلال الأمة، وهويتها الحضارية، أيًّا كان المدافع عنه، أو المناوئ له. فدور الحكام هو الدفاع عن هذه الاستقلالية، والذود عن هذه الهوية، بما هي عنوان الوجود، وعلامة الانتماء المستقل. مما يجعل هذا الموضوع مرتبطا بالمصلحة العامة للأمة المغربية، التي يقتضي الدفاع عنها تجنيد كل إمكانيات الدولة العلمية، والتعليمية، والثقافية، والإشعاعية.

فمصلحة المغاربة ثاوية في الحصول على الاستقلال التام والكامل عن كل جهة خارجية، متحكمة، تملي أجنداتها، عبر قنوات تختارها، وتفرضها على سواها. ولن يكون ذلك إلا من بوابة التربية والتعليم، ومن داخل هذه البوابة، لغة التدريس المُصَرِّفة لفعل التَّمَكُّن من العلوم الرائدة. أما الاختيارات الخاصة لهذا الحاكم أو ذاك، أو لهذا السياسي أو ذاك، فليس يفيد المغاربة، في مستقبلهم الحضاري، في شيء. فتلك اختيارات داخلة في الحريات الخاصة لكل واحد. فالكثير من رجال التعليم، ممن يعملون في المدارس العمومية، يُدَرسون أبناءهم في البعثات، والمدارس المؤدى عنها، ولا يجدون أي حرج في ذلك. فدورهم المجتمعي يؤدونه إزاء أبناء المغاربة في المدرسة العمومية،  أما قناعاتهم الخاصة فداخلة في حريتهم الذاتية التي لا يحق لأحد أن ينتهكها، أو يزايد عليها.

ومن الشبهات التي قرأناها، كذلك، في خضم هذا الصراع المفتعل، توهيم الناس بأن هؤلاء “الدعاة” غايتهم تشكيل جبهة من الأتباع المُعَرَّبين الذين سيسهل إقناعهم ببرنامجهم المجتمعي الإسلامي العروبي، واستقطابهم لتقوية صف المقتنعين بهذا البرنامج/المشروع لتشكيل كتلة ناخبة تعيد لهم كرة الحكم على المغاربة من جديد !!. وكأن ثمار تنزيل هذا البرنامج التعريبي ستنضج في سنة أو سنتين أو حتى في حدود 2021 ، وليس في عشرات السنين  (!!). ففضلا عن كون هذا الكلام سياسويا ، فهو كلام تافه، لا يستحق حتى أن يرد عليه. والأغرب فيه أنه صدر عن بعض من يوسمون بمفكري التيار الفرنكفوني، وبعض أذنابهم الذين لايكتبون بالفرنسية، ولا يتكلمونها بالمطلق،  ولكنهم دخلوا على الخط، فقط، لأن من يدعون إلى  هذا التعريب هم خصومهم الجذريون، ولا يمكن أن يلتقوا معهم في أي شيء ولو في مصلحة خدمة الوطن !.

إن الاستقلال اللغوي، في اعتقادنا، هو أولى البدايات المؤسسة لبقية الاستقلالات، وهو ما فطنت إليه أمم الأرض القائدة اليوم. فليس ثمة أمة من هذه الأمم، ممن يصنفن ضمن الأكثر تصنيعا وتقدما، أمة واحدة تعلم أبناءها العلوم بلغة غير لغتها. فخذ على سبيل المثال، دولا مثل اليابان، وألمانيا، وأنجلترا، والصين، وكندا، وروسيا، …كل هذه الدول تعلم أبناءها بلغاتها، علوم الحياة، والأرض، والرياضيات، والفيزياء، ..ولا تألو جهدا في تعليمهم لغات العالم، خصوصا اللغات التي أثبتت ريادتها في عوالم العلم، والثقافة، والفن، والاقتصاد، والسياسة، والمعلوميات،..فلماذا المغاربة، ومعهم العرب، وحدهم ضمن الأمم التي تسعى للانعتاق، والتحرر، والريادة، يصرون على الارتهان إلى لغة المستعمر، والبقاء سجناء رحابها القاصر، رغم الفارق المعتبر بين مَنْ لُغتُه، لغة علم، ومعرفة، ومن لا تملك لغتهم حدود الجغرافية التي يحكمون، أو المستعمرات التي يستعمرون، بل من صنَّفَتْها الدراسات اللغوية العلمية ضمن اللغات السائرة في طريق الانقراض !!.

إن موضوع لغة التدريس، موضوع تربوي بيداغوجي صرف، ويجب أن يبقى كذلك تربويا وبيداغوجيا يناقش في هذا المضمار، بعيدا عن المزايدات السياسوية والأيديولوجوية. وما حوله إلى ملف للصراع هو تبنيه من طرف حساسيات سياسية، و أخرى فكرانية/أيديولوجية متصارعة. وأي ملف يسقط بين مخالب هذه التوجهات، حتى يصير مادة للمزايدات، والمناكفات السياسوية، فلن يحسم فيه بالمطلق، وسيبقى المتعلم المغربي والمتعلمة المغربية، أُسَّا العملية التربوية التكوينية، ومحورها الأساس الذي يقوم عليه قطاع التربية والتعليم برمته، ضحايا هذه الصراعات المفتعلة.

 فلقد أصبح المتعلم المغربي بدون بوصلة لغوية. فلا هو يدرس بلغة عربية أو أمازيغية محسومة في أسلاكه الأساسية، والجامعية، ولا هو يدرس بلغة فرنسية أو إنجليزية محسومة، ولا هو يدرس بلهجة عامية.

 فمِنْ علومٍ مُعرَّبة ترافقه خلال سِنِّي الدراسة بالأسلاك الثلاث، إلى علوم مفرنسة بجامعة تُحْدِث في مساره التدريسي قطيعة لغوية لا يكاد يفيق من صدمتها، حتى يصدمه ، من جديد، عالَمُ شُغلٍ مُفَرْنَسٍ إلى النخاع؛ بدءا بالإدارة، إلى “الكوتشين”، إلى المقابلات.. !!

وهكذا يتقلب في مساره الدراسي، بين لغات ولهجات شتى، وحراسُ مَعقله التربوي يجادلون في لغة تدريسه، ولا يكادون يحسمون!!.

دمتم على وطن.. !!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك