https://al3omk.com/408246.html

ثورة السودان أو الحكم لمن غلب

انقشع غبار الثورة السودانية او كاد، فإذا بها تتمخض في مايشبه النهاية او فبما يشبه المفاجأة عن مجرد انقلاب يؤكد القاعدة السودانية الراسخة أن لا حكم في الخرطوم إلا بانقلاب .انقلاب ماكان يتطلب كل هذا الخروج وكل هذه القومة و لا كل تلك المسيرات الحاشدة والمظاهرات الهادرة والهتافات المجلجلة في تلفيزيونات العالم التي تتوعد الملك البشير بالويل والثبور و”عظائم الأمور” .فهل كان الأمر كله في كنهه محض حمل كاذب. ام هو اجهاض قد جرى للثورة بفعل استعجال الشعب الثائر للخلاص، لرحيل الدكتاتور الذي جثم على القلوب لثلاثة عقود بالتمام والكمال. او ربما كل الامر ان هذا الشعب السوداني كان يريد في راي حكامه الجدد ان يتباهي ويفاخر و يقدم نسخته المطبوخة على عجل للربيع العربي بحثا عن السبق الذي عز على كل الشعوب العربية، فتسرع و اجترح ما لا تتجمله عادة الثورة للنجاح . التعويل على القوة التي بناها بنفسه الديكتاتور لتطيح به .
هذا الشعب الذي اخلف مرارا الموعد، و الذي تأخر كثيرا عن الانتفاض حتى ضاعت منه الارض والثروة والكرامة .يقرر على خلاف التوقعات وفي ذروة القيام ان لايصبر ساعة إضافية كانت تفرقه عن النصر ، وهو الذي كان يبدو لجلاديه بصبر الجمال .كانما بدد فيه البشير كل طاقته على الاحتمال، فراح لا يطلب من زمنه الا بزوغ يوم يفيق فيه صباحا على غير البشير ، ولذلك هو يتعجل قطف الثمار قبل ان تنضج ،ويريد نصرا ولو كان شكليا،و ببتغي فرجا ولوكانت في طياته كروب ومصائب قادمة .فكان من ضمن ماكان من تصاريف ثورته ان قرر كمريض يائس ان يتداوى بما كان هو الداء .ربما اعتقادا منه بالحكمة القائلة بان الحديد لا يفله الا الحديد. وانه لايقدر على الدكتاتور الا منزوع الاظافر والانياب .فرأيناه اذن يستجير من العسكر بالعسكر.وكانه قذ ذهل واستطال عمر الثورة فلم يلق بالا الى انه في واقع الامر كان يستجير من الرمضاء بالنار ويلوذ الى ماكان منه الفرار .واذا بالثورة تستحيل بين يديه غثاء احوى، واذا بالعرق والدم الذين سالا يذهبان جفاء ، وبالحناجر الصادحة يتبدد صراخها سدى في الفراغ.
لقد نسي الشباب السوداني في حمأة الثورة وغمرة الحماسة،
وطول الانتظار، الحيطة والحذر ، وبدوا وكانهم مجرد ثوار هواة لا يسيرون في الارض و لا يتعظون ، عاجزين ان يفيدوا من الثورات الفاشلة لمن حولهم .او لكانها ثورة دونما عقل يخطط لها ويهديها سواء الكفاح الرشيد الذي يجعلها تغنم السلطة وتستردها من ايدي المغتصبين …… مجرد قوة عمياء لا بوصلة حقيقية لها يتشابه عليها الخصوم قبل الأصدقاء . لها عضلات وحناجر وأذرع ولا فؤاد او عقل لها . لها شعارات ولا خطة لها.لها جمهور ولا فرسان لها . وإلا ماكان هؤلاء الشباب ليقرروا ان يصطادوا البشير باي ثمن. وماكانوا بالخصوص ليستصرخوا الأسد الهصور( الجيش) لتحرير الغابة من فيل يحتضر قد بلغ أجله .فكان ان حبس وكف عنهم بطش الديكتاتورو لكنه جدد لهم الدكتاتورية بإهاب جديد ، و ادخلهم لدورة اخرى من دورات الاستبداد. ظاهرها سنتان وباطنها ثلاثة عقود اخرى او تزيد.
لعلهم لم يلقوا بالا لبيت المتنبي الناطق بالحكمة من لسان شاعر قضى نحبه بحثا عن السلطة حين حذر طالبي الفوز من الاستعانة بمن يمكن ان ينازعهم هذا الفوز او يسرقهم هذا النصر قائلا .
ومن يجعل الضرغام بازا لصيده ….. تصيده الضرغام ضمن ماتصيدا.
شباب حالم بالحرية والانعتاق وتحقق الكرامة الآدمية رابطوا نساء ورجالا بمآت الآلاف يطلبون نجدة العسكر ويستثيرون حميته ليخلصهم من رجل لم يحكمهم الا بالعسكر حين يتجمل و يتحالف مع تجار الدين.
او لعلهم اعتقدوا في انفسهم الذكاء حين رأووا ميكيافليين ان الغاية تبرر الوسيلة .فاذا بهذه الوسيلة تتحول امام ناظريهم وتستأسد عليهم وتستحوذ على كل الغاية. لقد نجحوا فقط في تبديل وجه البشير.استبدلوا الديكتاتور بأدعيائه الذين تربوا في حجره .لقد نزعوا بايديهم وارجلهم والسنتهم دثار الثورة عن المظلومين والكادحين والبؤساء و فاقدي الأمل وبحركة واحدة والبسوه للعسكر الجديد ليمنحوه الشرعية التي بلت عليه بحماقات اللواء البشير . شرعية مناطها انه رغم كل شيء… رغم الاضطهاد…والجور ….والعسف…. وتبخير الآمال يظل هذا الجيش هو الضامن الاول للاستقرار الداحض الأنجع للفتنة المنجح الوحيد للثورات . عراب كل شيء…
الديمقراطية و الديكتاتورية على السواء
اي مس اصاب السودانيين ، واي غباء تسلط على هذه الجماهير الهادرة الغاضبة المنتفضة التي اكتسحت الشارع وارعبت الديكتاتور واذهلت العالم وكانت قاب قوسين او ادنى من النصر حتى كفرت بنفسها حين كان عليها ان تعتد . وشكت في الفوز حين كان عليها فقط ان تقدم معتمدة على نفسها ، وخصوصا حين اعتقدت مخطئة او واهمة ان الخلاص يوجد مرة اخرى في يد من كانوا سبب بلائها المستطير وذلها المستكين .
هل هو للمرة الألف ذاك المظهر الذي الفناه من مظاهر الوقوع في حب الجلاد الذي يكلف به عادة المقهورون ، وقد تحول لموضة مسجلة باسم العرب من دون العالمين .موضة تملك على الشعوب العربية عقولها وافئدتها وحتى مصائرها ؟ فيجعلها تحن دائما وأبدا للديكتاتور ،و تثور و قد تموت فقط لكي تعوض ظالما بآخر من نفس الفصيلة ؟ . أم هل هو ضيق أفق الثورة وانخفاض سقف الممكن من إشعالها بعد ان عقمت الارض العربية عقما نهائيا ولم تعد تنجب للحكم الا العسكر او المتأسلمين؟ . وبعد ان اصبحت الثورة ايضا مثل اي مشروع تحتاج الى المال والقوة لا تكفيها الفورة والرغبة في التضحية والنضال.؟؟؟
والسودان بهذا المصير الذي قادته إليه الثورة تقدم مثالا واضحا لهذا الطبق الفريد من نوعه في العالم العربي الذي تمتزج فيه تلك العقيدتان المتصارعتان في اغلب بلاد العالم العربي : العسكرية والاسلاموية كعنوان للفشل والبوار ولجم الشعب دائما بالحديد والنار.
ام هو كما يردد المتحذلقون غياب طليعة ثورية عربية قادرة على القيادة و التنظير لصناعة النصر و فرض ارادة الشعوب من خلال اعطاء البديل المقبول.؟؟.
هكذا هي اذن لعبة الحكم في السودان مثلها مثل الدمية الروسية االتي كلما فككتها خرجت من بطنها لعبة اخرى تشبهها وهكذا دواليك.كلما تفكك حكم عسكري في السودان كلما ا فرج عن حكم عسكري اخر. انقلاب تلو انقلاب ..بل إنه صار مألوفا انه حتى لو امتطت الأحداث في هذا البلد العجيب صهوة الاسلام السياسي او استقلت قطار الثورة الصاخبة ،فإنها لا تلد في نهاية المطاف الا انقلابا عسكريا .لكأن الانقلاب من صميم الذهنية والثقافة السودانيتين.او لكأن السودان هو الانقلاب عينه .
وهكذا و في انتظار ان تلتفت الشعوب العربية لمكامن الضعف البنوية فيه ويفيق المثقفون من سبات اهل الكهف الذي غطوا فيهم . ستظل الثورات العربية لا تتمخض عن شيء يذكر لانه لابناء فكري لها ولانها لحد الان لازالت سوى صرخات تأوه واحتجاج للجماهير من نير الاستبداد والعذاب المسلط عليها. هذا الاستبداد الذي يستمد في الاخير وجوده من عجز الجماهير الايديولوجي والفكري و من قصورها الاستشرافي للمستقبل .
في ظل هذه الاوضاع و في خضم الغيبة الكبرى للنخبة القادرة على قيادة الجمهور يظل العسكر هو الحزب الوحيد المنظم الذي يستطيع في النهاية ان يحسم الحراكات لصالحه مرسخا قاعدة الحكم التي تعارف عليها العرب منذ الازل .والتي هي الحكم لمن غلب.
السودان في مفترق الطرق.. والايام المقبلة حاسمة ..فلعل الثورة تخطئء خيبتها هذه المرة و تفرج عن نظام مدني ديمقراطى بعيد عن كل الشموليات ايا كان شكلها ….
ذاك ما تتطلع اليه الامة العربية ..ان تلتحق بالحكم العصري الرشيد
بروفيسور بكلية الطب بالرباط دكتور في العلوم السياسية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)