https://al3omk.com/427278.html

الجفاء السياسي

(لغة السياسيين تم تصميمها لتجعل الكذب يبدو صادقاً والقتل محترماً) جورج أورويل

يسود صمت رهيب في المجال السياسي، بل مخيف جدا، وكأن السياسة استقالت من ذاتها، والمغاربة أداروا ضهرهم لها وانغمسوا في أجواء رمضان.

وحينما يصمت السياسي يطرح السؤال بحدة، لماذا هذا الصمت؟ وبأي شيء سينشغل الناس إذا لم ينشغلوا بمصالحهم وبحقوقهم وبالشأن العام؟ فالسياسة هي ذلك كله.

في ظل هذا الجمود، تحدث أحد الزعماء السياسيين عن حوار وطني، الفكرة جميلة شكلا، لكن موضوعا عن ماذا سنتحاور في ظل هذا السبات وهذا الجمود؟ هل على الدستور؟ أم عن أزمة الاقتصاد والاحتقان الاجتماعي؟ أم على بؤس السياسية وأزمة المؤسسات التمثيلية؟ أم عن ماذا؟ فالاقتراح يحتاج إلى فكرة، يحتاج إلى جدول أعمال، ويحتاج كذلك إلى نخب جريئة ومسؤولة، وإلى ظرفية سياسية مناسبة.

وإذا كانت الانتخابات من السياسة، وهذه الأخيرة تعبر عن حركية تأطير المواطنين، وهي ديمقراطية وفعالية تدبير شؤون المواطنين، ففي المقابل لا يعني الجفاء والجمود سوى موت السياسة، ونهاية الحوار الوطني بكل أشكاله، مما ينعكس سلبا على المؤسسات ودلالة الديمقراطية.

إن ما نعيشه اليوم من جفاء سياسي غير مسبوق، ومن صمت و خنوع فكري، صنع الفراغ وأدخل الجميع إلى قاعة الانتظار، ذلك أن القيادات السياسية لم تستطع أن تصنع أحداثا سياسية، لتتحاور من خلالها مع الجميع، همها فقط هو تصفية حساباتها لضمان ديمومتها، والبعض الآخر منها غرق في البحث عن سلم حزبي داخلي بأي ثمن، يلقي الخطابات بين الأقاليم ويغيب على التنظيم الداخلي لحزبه، أما البعض الآخر فإنه يعيش في خيالاته وفي متمنياته و أحلام 2021 وانتصاراتها الوهمية، سابقا للزمن نحو المستقبل وما قد يأتي أو لا يأتي، متناسيا أن الحاضر في واقعه مر وهزيل ومعقد، وبه وحده يبنى المستقبل.

أما الحكومة فتلك تراجيديا أخرى، بحيث إذا كانت فيما مضى تمارس سياسات التجهيل بالأرقام، فإنها اليوم تمارس سياسة التغليط بالأرقام، فحكومتنا العاجزة عن إقناع أغلبيتها “بل حتى نفسها” بنجاحاتها، غرقت في تفاصيل الأرقام الروتينية المملة، تتنازع فيها مع المعارضة، تسبح في متمنيات وانتشاءات وهمية تثير الكثير من السخرية، وكأن الأرقام وسيلة مثلى للهروب إلى الأمام، ومن خلال تلك الأرقام حولت البرلمان إلى منبر لخطابات خشبية روتينية، بدل أن يكون مجالا للأفكار والحوار، وفضاءا دستوريا يحتضن قضايا وانشغالات الأمة.

يبدو أن السياسي فقد البوصلة، وبات عاجزا عن تأطير وتوجيه المواطنين نحو المستقبل، وعوض الإقرار بالأزمة، أصبح يهرب نحو الأمام ويفسر هذا الجمود وهذا الصمت بنوع من الاستقرار الذي تفتقده دول الجوار، فهو يمني النفس به، دون أن يمعن النظر في خليج كثير الحركة والترقب، وفي غرب يسير بسرعة جنونية نحو هاوية الحركات المتطرفة، وفي بيت جيران عاشوا صمتا طويلا فاستيقظوا صباحا على أزمة، وفي ظل كل هذه الاهتزازات، نغظ نحن الطرف متجاهلين هذا الصمت الرهيب.

في كثير من الأحيان تبدو أمور السياسة وكأنها وضعت في يد عابثين، لا تهمهم سوى ذواتهم، يقبلون كل شيء في السياسة من أجل مواقعهم، واهمين أنفسهم بأنهم شخصيات المرحلة، في حين أن بعضهم لا يعدو أن يكون سوى جاهل من ذوي السوابق القضائية متواطء مع صاحب ريع المناصب الانتخابية والسياسية، أما البعض الآخر فقد غرق في صمت القبور عن الكلام وعن الحوار، وانغلق في ذاتية مقيتة وفي أوهام انتصارات، لا تهدد استقرار هيئاتهم الحزبية فقط بل الوطن برمته.

إن النقاش والحوار والكلام في السياسة، يصنع ديناميكية في الزمن والحقل السياسي والمجتمع، أما الصمت فهو يخرب كل شيء، ويتحول في آخر المطاف إلى فراغ، والطبيعة كما يقولون تكره الفراغ.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك