لنا ذاكرة

عيد الجلوس.. حكاية أول عيد عرش بالمغرب تقبلته فرنسا على مضض

29 يوليو 2019 - 10:30

قبل أكثر من 80 سنة من اليوم، كان الاحتفال بعيد العرش مجرد فكرة مازالت تتبلور في أذهان الكثير من رجال الحركة الوطنية، في ظل الاستعمار الفرنسي، قبل أن يدعو أحدهم علانية سلطات الاستعمار إلى السماح للمغاربة بالاحتفال به، عبر نشر مقال بمجلة وقعه باسم مستعار.

عام 1933 نشرت مجلة “المغرب” التي يديرها الجزائري محمد صالح ميسة، مقالا ذيله صاحبه بدعوة صريحة للسلطات الفرنسية للسماح للمغاربة بالاحتفال بـ”عيد الجلوس” (عيد العرش)، وكان المقال موقعا باسم “مغربي”.

وجاء في المقال الذي نشرته مجلة ميسة، “تسعى الحكومة سعيا حثيثا في إضافة الأعياد والمواسم التي أهلها محرر هذا الظهير (الظهير البربري) مع أنها من الأيام التي لها في الأمة مكانة وشأن. كما نطلب منها أيضا بمناسبة هذا الموضوع أن تصدر قرارا باتخاذ يوم جلوس صاحب الجلالة على العرش المغربي عيدا وطنيا”.

هذه الدعوة هي التي تحدث عنها محمد حسن الوزاني في كتابه “حياة وجهاد”، قائلا، “إن فكرة الاحتفال بذكرى تولية السلطان محمد بن يوسف خلفا لوالده السلطان المولى يوسف راجت لأول مرة بواسطة محمد صالح ميسة، وإليه يرجع التفكير في هذه المبادرة”.

محمد الخامس

وكان لأول احتفال بعيد العرش 18 نونبر 1933 طعم خاص لدى المغاربة، اختلطت فيه مرارة الخوف من بطش الاستعمار بطعم الانتصار عليه بإقامة عيد وطني بعدة مدن، أغلقت فيه المدارس والكتاتيب وأغلق العديد من التجار محلاتهم واجتمع الناس في الساحات، فيما تلقى الملك الراحل محمد الخامس برقيات التهاني.

يصف المستشار الملكي الراحل عبد الهادي بوطالب هذا اليوم في مذكراته قائلا، “كان اليوم 18 نونبر من سنة 1933، وكان المكان الحديقة العمومية الكبرى المعروفة باسم جنان السبيل، على مقربة من باب أبي الجنود بفاس، لم يقِنا استظلالنا بأشجار الحديقة من الابتلال برشاش المطر المتهاطل”.

ويضيف “لم أكن أعي في سن صباي وأنا أحضر هذا الاجتماع أنه كان المهرجان الوطني الشعبي الأول الذي تعقده الحركة الوطنية المغربية بالمدينة، للاحتفال بالذكرى السادسة لعيد جلوس السلطان محمد بن يوسف على العرش”.

ووصفت مجلة “المغرب” في عددها الصادر شهر نونبر 1933 الاحتفالات ذاتها بمدينة فاس قائلة “أغلقت سائر المدارس الإصلاحية وكذلك عطل القسم العالي بالقرويين ولولا تداخل مجلس الجامعة تداخلا غريبا لكانت الاقسام الابتدائية والثانوية تتقبل بكل ارتياح هذه العطلة الصغيرة احتفالا بالجلالة الشريفة”.

وتابعت المجلة “وكانت أهم أسواق المدينة مغلقة أيضا ثم أنه ابتداء من الساعة الثالثة مساء وبالرغم من شدة البرد وهمرات الأمطار المتتابعة أخذت قهوة بستان أبي الجنود تمتلئ بالكثير من المطربشين وبعض المعممين ولم تدق الساعة الرابعة حتى غص البستان بالحاضرين”.

أما في مدينة الرباط، حسب المجلة ذاتها، “فقد ظهر نادي قدماء تلامذة المدرسة اليوسفية بالرباط بأفخم مظهر نظاما ورياشا وطربا واقتبالا، ولقد كانت وفود أعيان الرباط وعيون شبابه وبعض رجال الدولة الفرنسية الفخيمة يتواردون إليه ومنه إلى جاره ونظيره نادي الكشافة والرياضة حيث يتناولون ما لذ وحلا من جامد سائل… وقد أقامت أيضا جماعة العمال حفلة بمنزل سيدي محمد كراشكوا كان لها نجاح كبير”.

وكان الاحتفال بأول عيد عرش في مدينة سلا “فوق كل ما كانت اللجنة تظنه قد يكون”، حسب وصف لمجلة “المغرب”، و”أعانتها السلطة المحلية بكل ما في وسعها، فنودي بالعيد في الأسواق وزينت المدينة بالأعلام المغربية والفرنسية ولم تطلع شمن 18 نونبر حتى كانت المدينة لابسة حلة العيد، فالإدارات المغربية والمحاكم الأهلية مغلقة والمدارس معطلة والدكاكين والمخازن كلها محلاة بالألوان المغربية الأحمر والاخضر..”.

“وما بزغت شمس يوم 18 نوفمبر” في مدينة مراكش، تقول “المغرب”، “حتى بدت القيسارية (السمارين) في حلة زاهية فاحضروا أولا الكسكس لإطعام الفقراء والمساكين الذين كانوا محتشدين أمام القيسارية فأطعموا العدد الكبير منهم والطوائف من المعوزين داخلة خارجة، والألسن الناطقة فليحي ملكنا المفدى”.

عيد العرش

وفي العام الموالي، أي 1934، أصبح الاحتفال بعيد العرش يكتسي صبغة رسمية، إذ اعترفت به سلطات الاستعمار على مضض، وذلك عبر قرار وزاري أصدره الصدر الأعظم محمد المقري في أكتوبر من السنة ذاتها، بعد أن أشر عليه المقيم العام الفرنسي هنري بونسوت.

القرار الذي صدر بالجريدة الرسمية، ضم عدة بنود أبرزها أن يقوم باشا كل مدينة بتنظيم الأفراح والحفلات وتزيين المدن، وأن يوزع اللباس والطعام على نزلاء الجمعيات الخيرية، وجاء في القرار أيضا أن يكون عيد العرش يوم عطلة شريطة ألا تلقى فيه الخطب السامية.

وبعد مرور سنوات على الاحتفال بأول عيد عرش، مر المغرب في عهد الراحل محمد الخامس بمحطتين مفصليتين فيما يخص الاحتفال بهذا العيد الوطني، الأولى كانت في 18 نونبر 1952 عندما ألقى الملك الراحل خطابا ساميا بالقصر الملكي بالرباط، اعتبر بمثابة الشرارة الأولى لاندلاع “ثورة الملك والشعب”.

محمد الخامس الحسن الثاني

المحطة الثانية كانت عام 1955 عند عودة محمد بن يوسف من منفاه هو وأسرته، لتصبح للمغاربة ثلاثة أعياد وطنية وهي على التوالي عيد العودة وعيد الانبعاث وعيد العرش، أيام 16 و17 و18 نونبر.

ويصف المؤرخ عبد الكريم غلاب عيد العرش في ظل الاستعمار قائلا، “فقد كان السلطان يجلس على العرش ويأخذ بأبهة الملك، ويدخل المقيم في ملابس رسمية، ومعه كبار المسؤولين الفرنسيين في الإقامة ورؤساء الإدارات. يقدم المقيم العام تهانيه وتهاني الدولة في عبارات ودية مختارة، حتى لتشعر بأنه أمام سلطان دولة مستقلة، ويترجم «محمد المعمري» ويجيب السلطان باللغة العربية وبكلمات شكر لبقة مترفعة”.

ويضيف “ثم ينتقل الحديث بين السلطان والمقيم العام إلى القضايا العامة، دون تحديد ولا تدقيق. وقد يتناول مرة موضوع الموسم الفلاحي. وتبقى لباقة المجاملة مسيطرة على الحديث”.

 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

لنا ذاكرة

في حارات معزولة.. هكذا نَبذ المغاربة المصابين بالجذام قديما

لنا ذاكرة

البسطيلة.. حكاية طبق مغربي خالص عمّر لأكثر من 8 قرون

لنا ذاكرة

بأكثر من 30 طريقة.. هكذا تفنن المغاربة في إعداد أطباق السمك قبل 1000 سنة

تابعنا على