الإعانات الأجنبية للمغرب، مليارات تنتظر حسن التدبير: المساعدات الكندية كنموذج
https://al3omk.com/452353.html

الإعانات الأجنبية للمغرب، مليارات تنتظر حسن التدبير: المساعدات الكندية كنموذج

”اليد العليا خير من اليد السفلى ” حديث نبوي شريف.

في انتظار أن تعلو أيدينا، وبِغضِّ النظر عن كل ما يمكن إثارته حول سوء التدبير وسوء التوزيع وسوء النيات وسوء الحظ … هناك حقيقة بسيطة عميقة أليمة، نحن دولة متخلفة.

وإذا اتفقنا على تخلُّفنا فلن نختلف كثيرا على كوْننا محتاجين للمساعدة. والمساعدة أنواع كما أن المساعدين نوعيات. وسأقتصر هاهنا على المساعدات الغير الحكومية.

لا أخالني أتَيْتُ بجديد إن قلتُ أن عددا من الدول المتقدمة تخصِّص جزءا من ميزانيتها للإعانات الدولية، وجزء من هذا الجزء تتكلف به منظمات محلية أو عالمية. ومرّة أخرى سأغمزك وأطالبك بتجاوز التحفظات المثارة حول هذه المنظمات، ارتزاقية، تجسس، هدم النسيج المجتمعي… نُبارك للمتعفِّف عفّته ونُكبِر في عزيز النفس عزّته، ثمّ نكمل بسط وجهة نظرنا للموضوع.

ثمَّة مثَل يقول بأن أولى خطوات تحقيق الأحلام هي الإستيقاظ من النوم. المتشدّق منّا يُحبذُ استعمال كلمة ” براغماتية ” والأقل تكلُّفاً سيقتصر على مفردة ” الواقعية. ”

لا بأس من ملاحظتين قبل الإسترسال في الكلام. أولا سأكتب عن كندا لأنني ببساطة أقطن فيها الآن، كما أني أرتاد مواقعها الإلكترونية بانتظام ولن يتطلب مني البحث مجهوداً كبيراً، وإلاّ فإننا سنجد ملايير أخرى رُصِدت من دول أخرى واستُعمِل جزء منها في أمور أُخرى. ثانياً، وحتى في المثال الكندي فلستُ أروم إلى تأريخ أو جرد كل المساعدات وسأكتفي ببعض العيِّنات.

بصفة عامة، وكجُلّ الدول المانحة، يتوزع المساعدون الكنديين، أو عبرَ كندا، بين ” الكلاسكيين ” و ” الإستثنائين ”. أما الكلاسيكيين فأوْلوِيتهم تُحابي بشكل ملموس النساء والأطفال حقوقاً وصحةً واقتصاداً. نجد مثلاً منظمة أوكسفام النسوية قد خصصت هذه السنة 3 مليون دولار لإحدى برامجها في المغرب. بينما صندوق الأمم المتحدة للإسكان فمساهمته (عبْر كندا) في السنة الماضية بلغت 4 مليون الدولار للعناية بالصحة الإنجابية للأمهات، وفي نفس السنة شاركت هيئة الأمم المتحدة للمرأة بأكثر من 2 مليار سنتيم من أجل الحد من العنف ضد المرأة. أما اليونسيف َفمِن 2014سنة إلى 2019 نراها قد رصدت لنا 8 مليون من الدولار الكندي، فيما تجاوز المبلغ المقدم من المكتب الدولي للشغل 8 مليون الدولار ممتدة بين سنة 2012 و2017.

بالنسبة للمانحين الآخرين فقد نحَتْ مساهماتهم شطر التعليم و سوق العمل. ففي سنة 2013 منحَ المعهد الدولي الكندي للحبوب 5 مليون و800 ألف الدولار خُصِّصتْ، مبدئياً، للتكوين المهني وللصناعة الغذائية. أما جامعة مونتريال فتجاوز دعمها 1.8 مليار سنتيم سيمتد من 2017 إلى 2021 وستستفيد منه كل من جامعة محمد الخامس في الرباط والقاضي عياض بمراكش. كما لا يمكن تجاوز مبلغ11.297مليون، أكثر من 8 مليار سنتيم، الذي تبرعت بهAgriteam Canada والمُجزّء من سنة 2011 إلى 2015 لغرض تحسين جودة التعليم الأولي. هناك أيضا إئتلاف دولي يسمى CIDE Consortium for International Development in Education، ساهم بين 2003 و2010 بما مقداره 10.5 مليون دولار كندي لأَقلَمة التكوين المهني مع واقع سوق الشغل.

بدورها أنفقت مؤسسة CRC Sogema أكثر من 13.8 مليون دولار، 9 مليار و700 مليون سنتيم، للمساهمة في ” لامركزية التعليم بالمغرب ” وذلك من سنة 2005 إلى 2013.

بعيداً قليلاً عن التعليم وفي المدة الممتدة بين 2014 و2017 كان المركز التجاري الدولي قد رصد أكثر من 3.5 مليار سنتيم لتشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة على التصدير.

كما أن هناك برنامج مساعدة قدرها 9،8 مليون دولارمخصص من طرفCowater International لفائدة محميّة مغربية أسمع عنها لأول مرّة و هي la Réserve de biosphère de l’Arganeraie و يمتد هذا البرنامج من سنة 2018 إلى 2022 .

بالنسبة للسفارة الكندية بالرباط فالملاحظ أن مساهمتها نسبيا ضعيفة، أقل من 200 ألف دولار سنة 2011 للصندوق الكندي للمبادرات المحليةFCIL. فيما رصدت مبلغ 3.4 مليون دولار، ما بين2004 و2013، لدعم ما كان يسمّى حينها بالوكالة الكندية للتنمية الدولية في المغربACDI.

نتسرْبل بِكل ما نسَجتْهُ الموضوعية من لبوس فنُقرُّ بأن البيروقراطية تقضم جزءاً من هذه المليارات، ولكن أين الباقي…؟

تقول العرب ” لو كان لَبانَ ”، للأسف كانت هناك حزمة من المساعدات الكندية (بما فيها تلك التي ذكرناها أعلاه)، كانت مبرمجة من 2003 إلى 2023، وكان مجموعها أكثر من 87 مليار سنتم … كانت وما بان جلُّها… نعم لو كان هناك حب الوطن، لبانَ الباقي…

لا غروَ إنْ ارتفع منسوب الأدرينالين في دمك وأنت تقرأ هذه الأرقام، ولا عجب أن تحمَرَّ عينيك غضباً حين تتنبّه إلى كوْنِها فقط جزء من المساعدات الكندية، وأخشى أن تُحدِثَ بنفسك سوءاً حين تتذكّر أن دون كندا هناك مانحون أُخر. لسنا نهدف إلى مراكمة ” الغضب الثوري ”، ولا نطالب بِقطع الأيادي والرِّقاب. كلُّ ما نتغيَاه مِن هذه الجُمل هو التنبيه إلى ما نعتقده خللاً، إلى نزيف آخر في جسمنا المثخون. وكم سنُطْربُ إن استفززنا مَنْ هم أعلمُ مناَّ في هذا الباب كيْ يدلو بِدلوهم.

شخصيا، أعترف بأن تفاصيل عدة تفوتني في هذا الموضوع، وفي انتظار أن ينبري الراسخون في العلم سأتجرأ باقتراحات عامة مُشرَعةٌ أبوابها للنقد والنقض.

بالنسبة لاتفاقيات ثنائية بين الخواص تبقى عمليات التدقيق والإفتحاص Audits هي السبيل الأنجع للمراقبة.

أما بالنسبة للمساعدات المفتوحة، فأعتقد بإمكانية إنشاء هيئة (خلية، فريق، لجنة…) لرصد وتقفّي ما أمكن من المساعدات في أي مكان من الأرض وتُصغَّر عين شبكة الصيد ما أمكن. لن تتعدّى النتيجة احتمالين، مساعدات يمكن للمغرب الإستفادة منها، وأخرى لا تهمه. تُحال الفئة الأولى على الجهات المعنية – جمعيات، تعاونيات، نقابات – وتنشر في وسائل الإعلام تفادياً للكوْلسة و ” كَي لا تكون دُولَةٌ بين الأغنياء ” منهم. ثم تُوفّرُ مرافقة عن كثب حتّى تُقبل كل ملفاتنا ولا يضيع علينا فلس. وطبعا تتعهد الجهات المستفيدة بإرسال تقارير دورية حول تطوّر الحالة التقنية والمالية للمشروع. تلكم ساعات عمل لِعاطل، وباب أمل في مُحَيّا أمٍّ مريضة، ومحفظة على ظهر تلميذ مُعدَم وبهجة لنفوس مكلومة، يحزُّ في النفس أن تذهب لبلدان أخرى، أو لجيوب غير التي تستحقها.

هناك برنامج كندي رُصِد له مبلغ 325 مليون دولار ، أكثر من 230 مليار سنتيم، يهم صحة وحقوق النساء والأطفال، آخر أجل لقبول العروض هو 10 أكتوبر 2019 على الساعة 12 زوالاً. دوْر ”هيأتنا ” في هذه الحالة ينتهي عند ” اكتشاف ” هذا العرض و إحالته على الجهات المختصة و الحرص على إعلانه( مهمة جدا ) .أظن أن الوزارة المعنية ستكون هي وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية ، و ربما أيضاً الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان و المجتمع المدني ( ما أطول أسماء وزاراتنا ) ، و المأمول فيها أن تنسق مع كل المصالح الأخرى لجمع ما أمكن من المعلومات ،” إزعاج ” السفارة بأوطاوا، طلب المشورة من السفارة الكندية بالرباط وتوفير خبراء لإعداد جدوى المشاريع . المطلوب تعبئة قصوى لمساعدة جمعياتنا على ” بناء ” ملفات سليمة وكاملة. من 230 مليار سنتيم حرام ألاّ نتمكن من مليارين أو أكثر. وبعدها تتم المراقبة الصارمة لتقدّم المشاريع.

لكن ماذا يمكن فعله في الحالة الثانية، أي إن تبدّى ِللجْنتنا أنّ المساعدات لا تعنينا أصلاً؟

في سنة 2017 خصصت كندا ميزانية ناهزت 39 مليون الدولار لمساعدة الفلاحين السنيغاليين على تجاوز آثار التغيرات المناخية. في مثل هذه المناسبات يكون علينا التنسيق مع السفارة السنغالية في الرباط والمغربية في داكار، وعرض ما أمكن من مساعدات تقنية لتمكين الجمعيات الفلاحية هناك من صياغة برامج ومشاريع مقبولة.

يبتسم أحدهم ثمّ يسأل بِنبرَة المتعالم: وهل ينتظر السنيغاليون أمثالك كي تخبرهم عن مساعدات مخصصة لهم؟ نستعمل أسلوب الجواب بالسؤال ونقول لصاحبنا: هل بلغ إلى علمك أن كندا خصصت في أكتوبر 2015 مبلغ 15 مليون دولار للمقاولات النسائية في المغرب؟ أكاد أجزم بأن نسبة مُعتبرة من المَعنِيات لم يسمعن بالخبر فما بالك ببقية الشعب.

هبْ أنه مع الإعلان عن هذه الإعانة الكندية، نظمت سفارة السنغال يوماً تحسيسيا لفائدة المقاولات النسائية المغربية وعرضت خدمات تقنية ومعلومات ضافية. وهبْ أنَّه تمَّ ” الفوز ” فقط ب 75 في المئة من ميزانية البرنامج، يومها سنكون ممتنين للبلدين، كندا المانحة، والسنغال التي ساعدتنا على ضخ 7.5 مليار سنتيم في مقاولاتنا. يمكن أن نُمطِّط السيناريو (على غرار المسلسلات التركية) ونفترض أن أحد انفصاليي حركة القوات الدمقراطية لكزامونس (منطقة تطالب بالإنفصال عن السنيغال) قد زار المغرب حينها، كيف ستكون ردة فِعلنا؟ حتماً لن يحلَّ أهلاً ولن ينزل سهلاً.

يمكن القول باختصار أن المساعدة للحصول على المساعدة ليست سوى التفاتة لا تكلفنا الشيء الكثير، يستفيد من خلالها الأصدقاء، نسجل بها النقاط ونُراكم عبرها التجارب. لا أظنها انتهازية ولا حتى طيبوبة، هي بكل بساطة ما ذكَّرنا به صديقنا آنفا: البرغماتية. لِنَقلْ أنها جزء من السياسة الخارجية…

في بعض المناسبات تصرّ الدول المانحة على إشراك منظمات وطنية في تفعيل المساعدات الأجنبية ساعية بذلك إلى صقل مواهب شبابها وإكسابهم التجارب أو ببساطة خلق فرص عمل. هنا يأتي دور الجالية المُجنَّسة، حيث المطلوب تكوين جمعيات مَحليٌّ هواءها مغربيٌّ هواها.

بصفة عامة، يمكننا أن نستغلَّ بشكل أكثر فعالية إمكانيات ” الدياسبورا المُواطِنة ”، مغاربة يسكنُهم المغرب ولا يسكنونه، والتي باستطاعتها استقطاب مساعدات نوعية.

وما يُقالُ عن الإعانات ينطبق جزء منه على المنح الدراسية من حيت الرّصد والتحري والشفافية والتعاون مع الدول الأخرى. وللذين لم يحالفهم الحظ في المنحة تبقى فرصة أخرى هي الإعفاء من الرسوم الإضافية المفروضة على الطلبة الأجانب. ومرة أخرى دون التورط في نوبة السب واللعن والشتم، نلتمس منْ كل مَن له علاقة بهذا الموضوع، في الداخل والخارج، التعامل بمسؤولية مع أبناء الشعب. بالنسب لكندا، فإضافة إلى المؤسسات المانحة، هناك اتفاقيات مع المغرب تُخوِّل امتيازات لعدد من الطلاب المغاربة (جامعة مونتريال تعفي 90 طالبا مغربيا من الرسوم الإضافية). والأصل أن السيدة أمينة الرابحي المستشارة الثقافية في سفارتنا بأوطاوا هي من يمكن اللجوء إليها للإستعلام عن هذه الإتفاقيات.

وهاؤم لائحة ببعض الجهات الكَندية التي يمكن للطلبة المغاربة الإتصال بها:

Programmes de bourses internationales du gouvernement du Canada

Bourses d’études supérieures du Canada Vanier

Souventions et bourses du fonds de recherche du Québec

Bourses doctorales de la Fondation Pierre Elliott Trudeau

Bourses canadiennes du jubilé de diamant de la reine Elizabeth II

نعم، اليد العليا خير من اليد السُّفلى، لكن ثمة إكراهات لامناص مِن التعاطي وإياها. نتعامل مع هذه المساعدات لا كغنيمة بل ك ” ديْن تاريخي ” أو إنساني، نألوا على أنفسنا أن نُرجِعه يوماً ما بشكل ما. وكما قلنا، فلتحقيق الأحلام لا بد من الإستيقاظ، وبعد الإستيقاظ مباشرة لا بد من غسل وجوهنا من أتربة الفساد. يومها ستتضح الرؤيا أكثر، وسنكتشف أن يدنا قادرة أن تعلو بأسرع مما كنا نعتقد.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.