https://al3omk.com/454748.html

تحليل بنية العبارة الدارجة “خَلَّطْ الشَّكْلٍي بْـ العَكْلِي”

تحليل بنية العبارة التي نتداولها كإشارة على حديث غير متناسق و غير منسجم، و لا يحترم قواعد الكلام، بخلط المتناقضات. و مع ذلك لا ننتبه لدلالة العبارة و إنما الى الإشارة التي تُميِّزها، فبسبب التداول الذي ولَّد العادة في استعمال العبارة بارتباطها مع المعنى السابق ذكره، فإننا لم نعد نعير اهتماما لعمق العبارة، فالعادة أصلا تقوم بفصل الفكر عن حركة العضلات.

لو دققنا النظر في العبارة فإننا نجد كلمتين مهمتين و هما “الشكلي” و “العكلي”.
فالشكلي هي صيغة لحالة “الشكل”، فمثلا حين نتحدث عن حالة العمل فإننا نقول “العملي”، و هكذا فإن “الشكلي” هنا لم يفقد صيغته الأصلية المرتبطة باللغة العربية، أي أن التداول الدارج للعبارة احتفظ ببنية الكلمة كما هي.

على عكس كلمة “العكلي” التي هي في الأصل “العقلي” أي صيغة لحالة العقل. فهنا في هاته العبارة الدارجة فقدت الكلمة بنيتها الأصلية التي تتميز بها في اللغة العربية، حيث تم تعويض حرف القاف بحرف الكاف، و ذلك بسبب سلاسة استعمال حرف الكاف أكثر من القاف، فهذا الحرف الأخير يحتاج لجهد صوتي على مستوى الحلق، على عكس حرف الكاف الذي ينساب بسهولة في كل الكلمات. و هذا ما أعطى له في التداول الدارج تلك المكانة القوية في الكلمات و لو بأعجميتها ككلمة “كَال” عوض “قال”.

إذن هنا نصل إلى أن عبارة “خلط الشكلي بالعكلي” تعني في الأصل “خلط الشكلي بالعقلي”.. أي خَلَّط بين الظاهر و الجوهر، أو بين الشكل و المضمون، أو بين السطحي و العميق. إنها عبارة تشير إلى خلط بين متناقضين لا يمكن إلتقاءهما أبدا، مما يؤكد بأن الشخص المقصود بهاته العبارة “يتهافت في حديثه كالأحمق”.

سيخطر على بال البعض و نحن نحلل بنية “العكلي”، المصطلح الدارج الذي يقول “تْعَكَّل” أي “تعثر”.. و سيتساءل البعض إن كان هناك علاقة بينها و بين “العقل”، فإن كان هناك علاقة بينهما فهذا يعني أن “تعكل” في الحقيقة تعني “تعقل” و لكن ماهو ارتباطها بمصطلح “التعثر”؟

أعتقد أن مصطلح “تعكل” لا يرتبط مباشرة بالعقل، و إنما يرتبط بمصطلح “العِقال” و هو مصطلح يطلق على شيء كالحبل يشد الجِمال أو البهائم و لا يتركها متحررة. فإن تحررت فإننا نقول “تحررت من عقالها”. أي أن العقال يقف كـ “عثرة في طريق حريتها”.

فالعقال إذن كعقبة ضد الحرية، و حرية البهائم هي غريزتها، و من هنا أتت على ما أعتقد صيغة “التَّعقل” التي تعني “التَّريث”. أي عدم التسرع في اتخاذ أي قرار، و بمعنى أعمق “استخدام العقل لمحاصرة الهوى و النزوات و الإندفاع الأعمى”. أي أن العقل عند العرب هي تلك القوة التي تشد الغرائز، لهذا نقول أحيانا “انطلقت الرغبات من عقالها” و أظن أن أفلاطون في جمهوريته أيضا أعطى نفس الرمزية للعقل حين قدم مثال الرجل الذي يقود حصانين قويين.

إذن، فالمصطلح الدارج “تْعَكَّل” يمتد إلى لُب المعنى الأصلي “للعقل” الذي يعني في الحقيقة “عثرة الغرائز”.

هذا التحليل الفيلولوجي و الجنيالوجي للعبارة الدارجة هي خطوة لإعادة الإعتبار لأهمية العبارات الدارجة من أجل توجيه الإنتباه لها أكثر حتى نكتشف عمقها الأصلي. فأنا ضد التوجه الأكاديمي الذي يسعى إلى تهميش الأمور اليومية.

فعصر الحداثة أكاديميا قد انتهى و حل محله عصر مابعد_الحداثة، الذي يعني في شموليته (و إن تناقضنا مع رسالته) أن الأشياء التي نراها تافهة، لها دور قوي في الحياة، إنها قوة الهوامش و الطفولة و الجنون و اللامنتمي. فحتى المرحاض له معناه و جانبه العميق، اسألوا سلافوي جيجيك “الفيلسوف الخانق”