https://al3omk.com/454864.html

الجفاف السياسي وتأثيره على بناء نمودج تنموي جديد بالمغرب

لا شك أن تأهيل النخبة يعد مرتكزا مهما في الوظائف والمسؤوليات داخل المؤسسات وخارجها للقيام بأدوار طلائعية على مستوى النسيج الاقتصادي والاجتماعي والاداري. والنخبة السياسية كغيرها لها بعد محوري في الاشتراك في ورش التنمية كلما توفرت على مقومات وأسس أساسية تجعلها تعمل وفق منهجية رسينة وإستراتيجية حكيمة وخطة عمل سليمة لرسم الأهداف ومحاولة تنزيلها على أرض الواقع.

وإذا جفت النخبة السياسية من هذه المقومات، أو بتعبير أخر إذا أصابها الجفاف حينئد تصبح عاجزة عن القيام بالدور المنوط بها ويؤثر ذلك على بناء وتقدم عجلة التنمية بالبلاد.

وكما هو معلوم أن النمودج التنموي الجديد أصبح في وقتنا الحالي محط إهتمام جل المفكريين بمختلف تخصصاتهم من إقتصاديين وقانونيين وسياسيين، بل حتى مختلف الفئات الاجتماعية واكبت هذا المشروع الجديد بعد خطب جلالة الملك في عدة مناسبات كما هو الشأن بالنسبة لذكرى ثورة الملك والشعب حيث تأكد على ضرورة كثف الجهود من مختلف الجهات المسؤولة في التعاون في إنجاح هذا المشروع الجديد ورسم خارطة طريق للإشتغال عليه وبين معالم إنجاحه من أجل مغرب المغاربة والذي يتماشى أيضا مع فلسفة دستور 2011 الذي لم تستوعبه النخبة السياسية جيدا بعد.

وإذا اتضح أن النمودج التنموي الجديد بالمغرب يعد مشروعا مهما لبناء المغرب الحديث فكيف يتم إنجاحه والنخبة السياسية تعيش أزمة خانقة أو ما نسميه جفافا سياسيا…؟؟؟

يعتبر العنصر البشري موردا مهما في أي عملية تنموية إذا كان مؤهلا علميا، إذ يشكل الوعي أداة لكل عمل والوصول إلى نتائج مرضية وإذا ما إنحنى الإنسان عن الالتزام بالقواعد والضوابط فحتما النتيجة والمسار يصيبه الاعوجاج…. وإذا ما قرأنا سلوك النخبة السياسية بالمغرب من خلال تتبع نقاشاتها وأداءها يتبين بالملموس أنها تشتغل خارج دائرة الحكمة والمبتغى المرجو منها ويرجع ذلك لأسباب عديدة.

فانتشار الأمية بمفهومها العام والخاص في المؤسسات السياسية ومختلف المرافق العمومية مؤشر عن الأزمة في المردود، حيث هناك 100 نائبا برلمانيا لا يتوفرون على شهادة البكالوريا و4799 في مجالس الجماعات بلا تعليم، ومسسؤولية هذا يتحملها الجميع بدءا من الأحزاب السياسية والجماعات الترابية التي توافق على مرشحين أميين، ثم السلطة التشريعية التي لم تشترط نصا قانونيا يمنع ترشح الأميين، وهذا لا ينقص من مبدأ الديمقراطية شيئا لأن المصلحة العامة تستدعي ذلك ثم أيضا المواطنون الذين يصوتون لشخص أمي.

ومن الغريب والعيب أن نجد برلمانيا يصوت لمقترح قانون صاغته نخبة مثقفة من أساتذة جامعيين ومحاميين وخبراء وهو لا يعرف لا القراءة والكتابة. إنه عار على الدولة بمؤسساتها ومجتمعها وإذا ما نظرنا أيضا لحوارات داخل قبة البرلمان فهي تثير الاستغراب والدهشة سواء من قبل برلمانيين وحتى بعض الوزراء أصابهم الخرف ووصل بهم الأمر حد التهجي بالحروف وعدم القدرة على نطق الكلمات بشكل سليم بغظ النظر عن مدلولها و عبارة “المتوجين والمتوجات” التي عجز عن نطقها وزير التربية والتعليم والتكوين المهني والتعليم العالي خير مثال.

كما أن إسفزاز المواطن ببعض العبارات الناقصة والمنحطة من طرف الإنسان السياسي أو جهة سياسية معينة كعبارة ” المداويخ ” بشأن المقاطعة في السنة الفارطة وكذلك وصف وزيرة الأسرة والتضامن الاجتماعي والتنمية الاجتماعية المغارب المالكين لمبلغ 20 درهما بغير الفقراء… هذه السلوكيات وغيرها تدل بشكل أو بأخر على أزمة في أخلاقيات الدكاكن السياسية وتدل على أنها تعمل دون حكمة ودون تبصر وغير قادرة على صناعة التغيير و عدم إستطاعتها الاشتغال وفق مبادئ وقيم يستدعيها المقام. وهنا يكمن مربط الفرص في بناء النموذج التنموي لأن الاشكال اليوم ليس في إنتاج الثروة بقدر ما هو مرتبط بكيفية توزيعها بشكل عادل،

فالنمو الاقتصادي عرف تحسنا ملحوظا وقد يتغير الإنتاج إما بالارتفاع أو النقصان وهو شيء عادي نجده أيضا عند الدول المتقدمة كاليابان والصين وكندا وأمريكا وغيرهم. وقد نجد المغرب له مقومات أكبر منهم في بناء التنمية لكن المشكل يكمن في مدى الارتباط بين المجالات والمستويات والسياسات، لان النموذج السياسي والاجتماعي يعاني اليوم ميعقات كبيرة رغم تحسن المستوى الاقتصادي وهذا يعود إلى ضعف الارادة الجادة في التقدم والبناء والتطوير من قبل الجهات المسؤولة، فبعد الزلزال السياسي لم يظهر هناك أي عدالة إجتماعية ومجالية حقيقية فالذي يستفيد من الكعكعة بقي على حاله والذي يعاني الويلات لا زال هو الأخر على حاله وهذا الأمر يزرع بدون شك قلقا في نفوس الناس وتصبح ثقة المواطن في مصداقية السياسي وكذا سياسة الدولة في خبر كان.

إن بناء النمودج التنموي الجديد يحتاج تغيير العقليات والاستراتيجات من قبل الدولة ومؤسساتها إلى جانب المواطن العادي وجعل القانون يحتكم له الجميع بغظ النظر عن أصله أما أن يبقى مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يطبق على البعض دون الأخر فهذا نوع من الفوضى فالعدل قوام الدولة وكلما فقدته فقدت هيبتها وقيمتها.

معلوم أيضا ان إدماج الشباب في الورش التنموي من صلب إهتمام الخطب الملكية وكذلك برامج الحكومة لما من تعبيرهم من دور الشباب في الاصلاح الشامل للسياسات العامة للدولة وفي نفس الوقت تجد تقزيما لهذا الدور قانونيا ومؤسساتيا … فالاحصائيات تؤكد بشكل جلي عزوف الشباب عن العمل السياسي والانخراط فيه خاصة في المجال القروي الا بعدد قليل لضعف الثقة في المؤسسات وكذا أشخاصها.

تجدر الاشارة أيضا أن المغرب عاش تجربة طويلة مزيجة بالانجازات والمشاكل أيضا وكل محطة يختار لها منهجا وأسلوبا وسياسة تليق به كما هو الشأن مع ميلاد الربيع العربي خاصة حركة 20 فبراير وصولا إلى حراك الريف وجرادة ثم معركة الأساتذة المتعاقدين وغيرهم، وإذا نظرنا الى تعامل الدولة مع هذه الإنتفاضات يظهر لنا على أنها غير قادرة على الحوار الجاد والمثمر والتجاوب مع مشاكل المحتجين إلا عن طريق أسلوب الترهيب والضرب الذي ينتشر في كل معركة إنتشار النار في الهشيم.

فكيف إذا تجعل أبناء الريف يحبون الوطنية وأبنائهم وأمهاتهم وأباءهم يعذبون ويعنفون؟

ثم كيف تريد معلما أو أستاذا معنفا يحبب تلامذته بالوطنية ويعلمهم إحترام الوطن والدفاع عنه؟؟؟

وكيف تريد طبيبا يشتغل بكل ارتياح في تقديم خدمات صحية للمواطن؟؟

وكيف وكيف وكيف؟؟؟؟

وإذا كان الحال كما هو فمن المسؤول عن هذا الفساد؟

الجميع مسؤول عن هذا فقط تتفاوت المسؤولية من هنا وهناك وإذا أردنا إصلاح الحال لابد من تغيير العقليات أفرادا وجماعات ومؤسسات فالله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

أسئلة وأخرى تحتاج التأمل والتحليل كثيرا.

إن المواطن اليوم سواء عاديا أو غير عاديا يعيش أزمة نفسية كبيرة تفقده حب الوطنية وروح التضحية والاشتغال بجدية من أجل المصلحة العامة في مختلف المجالات بسبب ما يتعرض له من خنق ومضايقات وظلم واستفزاز في الحقوق والحريات …. ولتجاوز هذا يستلزم على الدولة بكل مؤسساتها وأجندتها تغيير نمط التفكير وسياستها اتجاه المواطن وجعله في قلب كل مشروع تنموي بدل ابتعاده وتحقيره وظلمه بغطاء القانون او دونه.

فالنخبة السياسية اليوم يفرض عليها الواقع تجاوز أسلوبها القديم لخدمة البلاد والعباد وتجاوز كل الأزمات والهزات التي تعرفها وستعرفها مستقبلا الساحة الوطنية والدولية بل حتى على مستوى العالم بأسره.