https://al3omk.com/454892.html

السبيل إلى كسب رهان تجديد الثقة وتسهيل الإصلاح

تقتضي “المسؤولية المشتركة” في دعم الإصلاح، بشكل عام، مبدأ أساسيا هو النجاح في تغليب المصلحة الوطنية و سمو القانون، على المصالح الذاتية للأفراد و المجموعات. و من بين ما تقتضيه كذلك، تحقيق توازن بين إرادتين هامتيـن، في أفـق جعلهمـا متكاملتيـن : إرادة “الانتقـاد”، و إرادة “الاقتـراح”. و أنا هنا، أستحضـر ما هـو قـائـم من خلل في تعـاطي العـديـد مـن الأصوات مع قضايا الشأن العـام ببلادنا، حيث نـرى أن تيـار الانتقـاد المستمـر، بشكـل عنيف أحيانا، و بدون سنـد موضوعـي أو معطيـات دقيقـة، يغلب على تيار الإنتقـاد الذي يحاول الانطلاق من معطيات مؤكدة، و يبتعد عن الشخصنة، و يسعى إلى إبـداع حلول و تقاسم اقتراحات لتجاوز القضايا و المواضيع التي يتم انتقادها.

و مـن المؤسـف أن مـن لا يبـذلـون أي مجهـود لتقـديـم مشاريع بدائـل، أو لا يستطيعـون فعل ذلك علميـا ومعـرفيـا، هم الذين يطغـون بحـركيتهـم و كثـرة تفـاعـلاتهـم، على أصحـاب الأراء النقدية الوجيهـة التي تحمل اقتراحات دقيقـة لمعالجة بعـض ما ينتقـدونه من ظـواهـر و سلـوكات، أو ما يتناولونه من ملفات و مشاكـل في السياسة و في المجتمع. بذلك، يُحـرَمُ المجتمع و قـواه الحية، من فرصة التـركيـز و التدقيـق في “مشـاريع الحلـول” التي يتقـدم بها أصحاب “تيـار الانتقـاد الإيجـابي”، وتضيع فـرصة تعميـمهـا على نطـاق واسـع، و الترويـج لها، و الترافـع بشأنهـا لـدى أصحـاب القـرار المعنيـون بالمـوضوع.

وأخطـر ما في الأمـر، هـو أن صخـب “تيار الانتقـاد السلبي” يجعل الغالبية من الناس يدخلون في حالة من “تضخيم مُضاعف” للمشاكل التي هي أصلا كبيرة، و يسقطون في فخ الشك في النفس، و الشك في قـدرة “الـذات المجتمعية” على حـل المشاكـل. ثـم يُسيطر عليهم التشاؤم و اليأس بشكل مبالغ فيه، ويدخل الجميع في حالة من الإحباط والتـذمـر، شبـه المـرضي، بشكل غيـر نافع و غير مؤثر بتاتا، يشُل الحركة ويمنعُ الفعل الميداني.

و لأن الواقع لا يتغيـر بالتذمـر واليـأس والإحبـاط، وإنما تتحرك الأمور إيجابيا بسلاح الأمـل والتفـاؤل والإقـدام والعمـل والعـزيمة، والإيمـان بالقـدرة على رفـع التحديـات الكبـرى، واليقيـن بإمكانيـة تحقيـق حتى أكثـر الأحـلام طـوبـاويـة، فإننا بحاجة إلى رفـع رصيـد الثقـة في النفـس وفـي الآخريـن، وفي المستقبـل، وفي هـذا الـوطـن. و لـن يُمكـن تحقيـق ذلك إلا من خلال اجتناب كـل ما يُحبـط الهمـم ويقهـر العـزائـم ويشيـع التشاؤم واليـأس. و يبقى الإكثار مـن الانتقـاد السلبي الـذي يُضخـم المشاكـل و يُسفه كل شيء، و يشيع البلبلة، و لا يُقـدم بدائل و اقتراحات هادفة، من أكثر أسباب نشر الإحباط التي يجب محاصرتها.

لكل ذلك، أعتقـد أنه حان الوقـت كي نضبط النقاش العمومي بمنهجية تجمع بين “الانتقاد الهادف” ومجهود “المساهمة باقتراح بدائل وحلـول”. و ليس المقصود هنا، أن تكون مشاريع الحلول عبارة عن دراسات تقنية متكاملة. ذلك غيـر مطلـوب من عمـوم الناس، و ليس لهم إليه من سبيل. بل القصـد هـو دعـوة المواطنين المتتبعين و المعنيين بقضايا الشأن العام، إلى تقـديـم أفكـار و اقتـراحـات، يمكـن أن تتأسس عليها ديناميكية إيجابية تهدي إلى أفضل الحلول لتجاوز المشاكل و الظواهر السيئة التي ننتقدها في حياتنا.

و في هذا السياق، وسط كم القضايا التي تشغل البال ويتركـز حولها النقاش العمومي، وتستحق أن تُساهم في إبداء الرأي بشأنها كل كفاءات و أطـر بلادنا، بما يرونه مناسبا من اقتراحات حلول و أفكار إيجابية لمسار الإصلاح، باعتبار ذلك “مسؤولية مشتركة بين أصحاب القرار والمجتمع ككل”، أرى استعجالية فتح ورش التفكير في سُبل “تجـديـد الثقـة وإعـادة بناءهـا على أساس تعاقـد أخلاقي مُستـدام.”

و من المهم بداية، تسجيل معطى سياسي كبير الدلالة، ألا و هو أن أول الرهانات التي تحدث عنها خطاب العـرش، كان هـو “رهـان توطيـد الثقـة والمكتسبات لكونها أسـاس النجـاح، وشـرط تحقيـق الطمـوح”. و الحقيقـة أن مسألة الثقـة أساسيـة و استراتيجيـة بشكل كبيـر. و يُعتبـر تناولها في الخطاب السامي، بمثابة تذكير جديد لكل الفاعلين السياسيين و المجتمعيين، بأنه بدون الثقة لا يمكن أن نخلـق التعبئة اللازمة، و لا أن نضمـن انخراط المواطنين في أي مجهود وطني، أو أن نُـقـنـع الناس بأن تخليق الحياة العامة، أفـق ممكـن.

و لموضوع “تجـديد الثقـة”، في أبعـادها المُجتمعية و ارتباطاتها بتسهيـل مسـار تأهيـل تدبيـر الشـأن العـام الوطني، بمساواة في الحقوق و الواجبات، أهمية قصوى بالنظر إلى “الظرف التاريخي” الذي يفرض علينا جميعا أن ننتبه، بتركيز شديد، للتحديات غير المسبوقة التي سنواجهها. و أن نعي أن بلادنا توجد في قلب تجاذبات الجغرافية السياسية والجيوستراتيجية للعالم، و لسنا على الهامش في صراع مصالح القوى الكبرى. وعليه، يجب أن نستبق ما هـو قـادم بقـوة من نتائج “انعطافة تاريخية” قد يشهدها العالم على المستويات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و المالية و العسكرية و الجيوستراتيجية و البيئية و الديموغرافية والقيمية، بشكل غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية. و بالتالي، لا مصلحة في الاعتقاد بإمكانية حـل المشاكل عـبـر “دفـن الـرأس في الـرمـل”، أو التردد و الخوف من تحمل أعباء مواجهة التحديات بروح استباقية و استشرافية. فليس أفضل من حل مشاكل اليوم، بحكمة و في هدوء و سكينة، عوض التأخر و المجازفة بأن نراها “زادت خماجت”، و الاضطرار آنذاك للتصدي لها بارتباك و تخبط و في جو الصخب.

ومساهمة في تشجيع ديناميكية تقديم “مشاريع حلول ممكنة” و “اقتراح بدائـل رصينـة”، أرى أن السبيل إلى “تجـديـد الثقـة”، يمر عبر استنفـار الوعـي على مستـويـات ثـلاث : مستوى الوعي الفردي، ومستوى الوعي الجماعي، و مستوى الوعي المؤسساتي.

و أما السير في اتجاه تعزيز الوعي و تغيير السلوكات الفردية و الجماعية، فأرى أنه يقتضي :

1/ مصارحة الذات، الفردية و المجتمعية، بحقيقة عيوبها.
2/ الاعتراف بالاختلالات القائمة بين “القيم” التي تفضحها السلوكات الفردية و الممارسات في النطاق الخاص، و بين “القيم” التي تُحيل إليها “الشعارات” المرفوعـة و الأفكار التي نُروج لها في الفضاء العام.
3/ الاعتراف بأن الحالة تنطبق عليها مواصفات “سكيزوفرينيا” اجتماعية و ثقافية و قيمية، نغرق فيها، و علينا التعاطي معها باعتبارها حالة مرضية تستدعي العلاج و المواكبة.
4/ السعي إلى “التغيير من داخل الذات الفردية”، أولا، من خلال مسائلة “القناعات” التي نحملها، و المسارعة إلى لجم طغيان الأنا و غـرور الطموحات و الرغبات غير المُنضبطة لمنطـق عقـلاني وقيمـي سليـم.

أما على المستوى المؤسساتي، فيتعين على المؤسسات و الإدارات العمومية، بمختلف أصنافها، أن تبادر إلى إعطاء المثل اعتبارا لقوتها الرمزية “الريادية”، و كونها هي من تملك شرعية “سلطة الفعل العمومي و صلاحيات تطبيق القانون”.
ويتعين عليها، من هذا المنطلق، المبادرة إلى :

1/ إعادة بناء التواصل مع المواطنين على أساس تعـاقـد جـديـد ينطلـق من الالتـزام بتقـديـم “الخـدمة العمـومية” بالجـودة المفـروضة، في إطار احترام المرتفقين، وتشجيع القرب منهم و الانفتاح على اقتراحاتهم.

2/ تقديم كل المعطيات و المؤشرات التي تعزز الثقة في أن تلك الهيئات تحترم القوانين.

3/ تطوير حكامة تلك المؤسسات بما يؤكد سلامة تدبير موارد المالية العمومية، و خلـو تنفيذ المشاريع و الصفقات و الأشغال العمومية من أي فساد ظاهر أو مستتر في ثنايا “مقتضيات بيروقراطية”، يعرف الناس أنها لا تمنع منطق “خالتي في العرس” و “باك صاحبي”، و غير ذلك من سلـوكات بعـض المسؤولين، و بعض “لجان فتح الأظرفة”، نموذجا.

أما هيئات الوساطة السياسية والمدنية، من أحزاب وجمعيات ونقـابـات، ومـا فيهـا من “النخب” التي تسعى إلى تأطيـر المواطنات و المواطنين، مدنيا و حقوقيا و سياسيا، فعليها مسؤولية أخلاقية شديدة الثقل، و مسؤولية و طنية أقوى و أكبر، تجعلها مدعوة إلى أن تواكب إرادة الإصلاح التي تحدث عنها عـاهـل البـلاد، عبـر المساهمة في تصحيح صورة العمـل السياسي و المدني و النقابي. و في رأيي، يمكن أن يتأتى ذاك عبـر :

1/ العودة إلى مبدأ التداول على مناصب المسؤوليات القيادية، في الأحزاب و النقابات و الجمعيات؛ ومنع الجمع بين أكثر من مسؤولية واحدة في نفس الوقت؛ و قبـول “مبـدأ التقاعد السياسي” في سن معقول؛ و العودة إلى أساسيات الديمقراطية الداخلية المبنية على احترام الاختيار الحر للمنخرطين و المناضلين، و ليس على منطق “صناعة الزعماء” بالكولسة و تجـييـش الأتباع بأساليب البلطجة، وشراء الولاءات والذمم والاصطفافات المصلحية.

2/ تجـديـد “النخـب”، و ترك مقام “الزعامة” لجيل جديد من القيادات و الأطر التي لم تأخذ فرصتها، لتتقدم أمام المغاربة في امتحان عسير عنوانه “استرداد الثقة على أساس تعاقد سياسي و أخلاقي جديد.

3/ حل المشكل الأخلاقي الكبير، الذي يشاهد تجلياته عامة الناس و يعرفونه حق المعرفة، و الذي تبينه الهوة السحيقـة بيـن “الواقع النخبوي” لبعض القيادات الجمعوية و السياسية و النقابية، الغارقة في “الثراء و الريع و المنافع”، من جهة؛ و بين “الأقوال و التصريحات، و الحوارات الإعلامية، و الخطابات الجماهيرية” المتخمة بالحديث عن “القيم” و “الشفافية” و “مصالح المواطنين”، بشكل “دوخ الناس” و لم يعـد يقنع أحدا، من حهة ثانية. و أجزم أن ذلك كان أحد الأسباب الرئيسية الذي جعل المواطنين ينفرون و يبتعدون من العمل السياسي و النقابي و الجمعوي.

4/ تجويد مضامين العرض السياسي و النقابي و المدني، عبر تحيين معرفتها بالواقع، و عبر خلاصات نقاشات عميقة يجب أن تفتح مع المواطنين المستهدفين، بحسب كل مجال، و تشخيص انتظاراتهم، و إشراكهم في بلورة أجوبة و حلول و بدائل رصينة للقضايا المجتمعية و السياسية، المطروحة على الجميع محليا و جهويا و وطنيا.

وأنا أقترح هنا ما أعتبرها مداخل إلى “كسب رهان تجديد الثقة و تسهيل الإصلاح”، أثيـر الانتباه إلى أن الأمر سيحتاج إلى وقت طويل و صدق كبير ومهنية عالية. لذلك، من اللازم على كل المعنيين، أفرادا و جماعات و مؤسسات، أن يطلقوا بسرعة ديناميكية “السير نحو الإصلاح”، و استعادة الثقة باعتبارها شرط مستعجل و أساسي لتحقيق لإقلاع الشامل.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.