طريق الإصلاح.. وواجب حفظ ذاكرة كفاءات الوطن
https://al3omk.com/459034.html

طريق الإصلاح.. وواجب حفظ ذاكرة كفاءات الوطن مقال

كثر الحديث عن نماذج سيئة في تدبير مؤسسات و إدارات عمومية، و عن الريع و استشراء الفساد في عدة قطاعات، و عن هدر المال العام و غياب مراقبة سلامة تدبير الصفقات العمومية في مجالس منتخبة. و كثر بموازاة ذلك، الحديث عن ضرورة الإصلاح و البحث عن الطريق التي توصل لتحقيقه. و لا شك أن التصدي لهذه الحالة أصبح أمرا مستعجلا، خصوصا و أن الناس قد أصابها الملل من كثرة أخبار الملفات و التقارير، و عشرات الحالات التي تنشر عبر الإعلام و شبكات التواصل الاجتماعي، و كثرة “لجان التحقيق” التي يتسائل الناس عن جدواها إذا كان عملها لا يؤدي إلى تحديد المسؤوليات و الدفع في اتجاه المحاسبة عبر سلطة القضاء و العدالة.

ورغم ذلك، يبقى التحدي القائم، والذي على الجميع رفعه، هو أن ينجح مجتمعنا في كسر الحلقة المفرغة التي سجنت كل قوانا الحية وراء سياج من التردد، و أغرقتنا في هواجس التشكيك و التوجس، عوض دفعنا إلى القطع مع سلبية الخوف من المبادرة والإقدام، حتى نتقدم على درب الإصلاح الشامل و نعيد أيام عز و أمل، عشناها خلال العشرية الأولى من هذا القرن، حين كنا نحس أننا قاب قوسين أو أدنى من ولوج نادي الدول الصاعدة، قبل أن يبدأ الانحدار الرهيب إلى مستنقع الاستهتار بمقام المسؤولية العمومية، و شيوع الشعبوية و الرداءة السياسية، و بروز نجم التافهين و الغوغائيين و بائعي الوهم.

و يبدو لي أن الواجب، السياسي و الأخلاقي و الوطني، يفرض أن توازي عملية الإصلاح المنتظرة، عمليات أخرى لا تقل أهمية، ألا و هي واجب حفظ ذاكرة أصحاب الفعل الجيد في واقعنا، و تشجيع ثقافة الإعتراف، و رد الاعتبار للنزهاء و للكفاءات، و إبراز النماذج المضيئة في مختلف قطاعات تدبير الشأن العام، و إعلاء مكانتها لتصير أيقونات تنير الدرب للتائهين. وبكل موضوعية لدينا رصيد من المسؤولين المغاربة، من مستويات عليا أو متوسطة، لا زالوا يعملون بإدارات و مؤسسات مختلفة، لهم أثر طيب في النفوس، ملؤه الشهادة لهم بالكفاءة و خدمة الوطن، و النزاهة و الاستقامة، و حسن الخلق، و الحياء الكبير على سمعتهم من أن تتلطخ بأي إخلال أو تهاون. و على الغيورين على هذا الوطن، أن يستحضروا أيضا هذا الوجه المشرف من واقعنا، و الذي يظل مغيبا، للأسف، في وسائل الإعلام التي اعتادت أن تتحدث عما لا يسير بشكل جيد، دون أن تلقي بالا لما هو جيد أو على أحسن ما يرام في واقعنا.

و تقتضي المسؤولية الأخلاقية أن نذكر الناس، و خصوصا الشباب، بأن الأمور لم تكن دائما بهذه التفاهة و الرداءة التي نراها الآن، و التي يزيد البعض في تضخيمها أكثر مما هي عليه أصلا في الواقع. علينا أن نستحضر، و نذكر أبناء وطننا، بأنه إلى زمن قريب لم يكن الناس يقبلون على أنفسهم أن يكونوا فاسدين، أو أن يقال عنهم ذلك، و لا يطيقون رؤية أسمائهم في مقالات توثق مصائب تدبيرهم. وإذا حدث شيء من هذا، و قد حدثت بالتأكيد بعض الحالات، كان من المستحيل أن ترى المعنيين يمشون في الشارع أو يجلسون في المقاهي، و يقابلون الناس و هم يضحكون بدون حرج من سوء ما يفعلون، وكأن لا أحد يعرف حقيقة روائح فضائحهم و سوء سلوكهم. بالدارجة “الناس كان عندها الوجه علاش تحشم…”، و كانت تغار على عرضها و على سمعتها و لا تقبل الجري البئيس و الدنيء نحو المغانم بدون وجه حق.

إذا قمنا بهذا المجهود التوعوي، الذي نحفظ فيه ذامرة أصحاب الفعل الجميل، سنحيي الأمل و سنرفع من وعي الناس بأن المعركة ضد العبث و “التخربيق”، ليست مستحيلة، و يمكن الفوز فيها بشيء من الحزم و العزم و الصرامة، خصوصا و أن ذكريات ذلك الزمن الجميل ليست ببعيدة عنا، و غالبية الناس تحن لقيم تراجعت في واقعنا. ولعل ما يعزز هذا القول هو أنه أصبح من الشائع عندما نذهب إلى إدارة تابعة لوزارة من وزارات بلادنا، أن يكون من بين ما يتم الحديث بشأنه مع الأصدقاء العاملين هنالك، تذكر “أيام العز” في تدبير و تسيير المرافق العمومية، حين كانت المسؤولية بقدرها، و كانت المناصب تمنح على أساس الكفاءة، و لم يكن ممكنا، باستثناءات قليلة، أن تصل لمنصب رئيس مصلحة أو قسم أو منصب مدير أو كاتب عام لوزارة ما، إلا إذا توفرت فيك القدرة على إحداث الفارق، و تقديم إضافة يعترف لك بها مرؤوسوك أولا، و شركاء ذلك القطاع ثانيا، و المواطنون ثالثا.

و الغريب أن خاصية “الكفاءة و التميز و المصداقية و الوقار”، لم تكن تعني أصحاب المسؤولية في قطاع بعينه، إنما كانت حالة نجدها في عدد من القطاعات الوزارية. و لعل أطر الوظيفة العمومية و المؤسسات العمومية، يتذكرون جيدا حقيقة هذا الأمر، حتى وقت قريب جدا، في قطاعات المالية، و التجهيز، و العدل، و الفلاحة، و التعليم، و الداخلية، و الصناعة، و السياحة، و الصناعة التقليدية، و الثقافة، و الإعلام… وقطاعات أخرى كثيرة. و لا زال الناس يستحضرون أسماء مسؤولين تميزوا بكفاءة كبيرة و بخصال إنسانية راقية، حتى كان مجرد ذكر أسمائهم، أو مقابلتهم صدفة في بهو الإدارة، يفرض حالة من الانضباط و التركيز بسبب الاحترام و الهيبة و التوقير الذي استحقوه من لدن الجميع لما يعرف عنهم من نزاهة و تجسيد لمستلزمات المسؤولية العمومية.

أما حضور اجتماعات تقنية، برئاسة بعض الأسماء، فكان يعتبر شرفا كبيرا للأطر، لما يشكله ذلك من فرصة حضور نقاش رصين والاستماع لتوجيهات سديدة، يعتبرها الحاضرون دروسا عملية في التسيير، و في التواصل، و في تدبير الأزمات، و في تأطير حالات الاستعجال … إلخ. حتى كان من أسباب التفاخر بين الموظفين و الأطر، في نفس الوزارة أو بين وزارة و أخرى، أن يقول المرء “فلان هو مديري”، أو “علان هو الكاتب العام”، فيرد عليه الآخرون بعبارات تؤكد قوله و تزكيه، أو يغبطونه على ذلك الحظ الجميل.

و كثير من الناس لا زالوا يتذكرون لحظات مهيبة، شهدتها مقرات ولايات و عمالات، و وزارات و مؤسسات و إدارات عمومية، يوم عملية “تسليم المهام” بين مسؤول و آخر، حيث التأثر الصادق، و همسات و تعابير حزن تصدر بعفوية. و كم وثق الناس من مواقف كان فيها كل من في تلك القاعات يصفقون بحرارة، تنويها بمسؤول مغادر و محتفى به، إلى درجة مؤثرة جدا، تشهد على كم المحبة و الاعتراف من طرف المرؤوسين و الزملاء. كان ذلك زمن خاص، للناس فيه قيم ينضبطون لها. يحترمون أنفسهم، و يحترمون القانون و الأنظمة، و يحبون غيرهم من أبناء هذا الوطن، و يحسنون التعامل مع مواطنين لهم حاجات لدى الإدارات المختلفة.

و أنا أقول هذا الكلام، أستحضر بقوة أسماء كثيرة لنساء و رجال أكفاء و وطنيون، يبلون البلاء الحسن في تأدية مهامهم، و كثير منهم يشتغلون بصمت في مواقع مختلفة، و يحاولون الصمود أمام الرداءة، و يجتهدون لتحريك دينامية تحديث و عصرنة أداء مؤسسات الدولة، وهم في تحدي مستمر ضد ضغط جدار التهميش المفروض عليهم لاعتبارات متعددة منها ما هو سياسوي و حزبي ضيق، أو ما يدخل في باب السلوك المرضي الصرف المرتبط بالتنافس غير الشريف و الحسد و الكره المجاني.

المهم، لا يزال بيننا من يدافعون عن المصلحة الوطنية و عن قيم الكفاءة و سمو القانون، و من لهم تشخيص واضح لأسباب التراجع و العجز، كما لهم رؤية استراتيجية لتجاوز كل ذلك و السير إلى الأمام. أولائك نفتخر بهم، و علينا واجب إبرازهم و تسليط الضوء على ما يقومون به، باعتبارهم نماذج ناجحة، نرجو أن يطيل الله في أعمارهم بصحة و عافية و حفظ من كل سوء. أما من خدموا هذا الوطن و مواطنيه، بصدق و تفان، و التحقوا بالرفيق الأعلى، فعلينا أيضا استحضارهم و تكريم ذكراهم و الدعوة لهم بالرحمة التامة، و المغفرة و جنة الخلد. و لنا جميعا، و للوطن قبلنا، صادق العزاء في فقدان كل الكفاءات الوطنية العالية المستوى.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.