أزمة الفكر الإسلامي المعاصر
https://al3omk.com/461896.html

أزمة الفكر الإسلامي المعاصر

يأتي كتاب “الفكر الإسلامي المعاصر ” للدكتور محمد عمارة، المفكر الإسلامي وصاحب الإسهامات في مجال طرح قضية الفكر الإسلامي المعاصر في أبعادها المختلفة، وجوانبها المتعددة، هذه الإسهامات الرامية الى إيجاد مفاتيح لفك مغاليق هذه الأزمة .

وفي هذا الكتاب “الفكر الإسلامي المعاصر” الصادر سنة 1990 عن دار الشرق الأوسط بالقاهرة، يرى الدكتور عمارة في تحديده لازمة الفكر في المحيط الإسلامي “إذا كان توالي السنين ومعها طوارئ الأمراض والعوارض هي مما يصيب الصحة الجسدية بالوهن والعلل فان هذه السنة انسحبت أيضا على الأنساق الفكرية يصيبها توالي السنين والقرون، والعلل الذاتية والوافدة بالغش يحجب صفاءها ويقل من عزمها، ويقلل من فاعليتها، فإذا لم يتدارك المجاهدون بالتجديد والمجاهدون بالجهاد الذي يجسدها نموذجا حيا معاشا طويت صفحتها الحية وتحولت الى متحف التاريخ” .

يعتقد الدكتور عمارة على ان التجديد سنة من سنن الإسلام لأنه ينفي عن الدين طوارئ القرون وعللها،ويرى في المجددين. –علماء هذه الأمة – ورثة الأنبياء ينفون عن الدين الزوائد، ويعيدون إليه النواقص، وان هؤلاء المجددين هم الذين أشار إليهم الرسول الكريم في الحديث الذي رواه ابن داود والذي نصه {يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها } .

وإذا كان الإجماع يكاد يكون منعقدا ان الفكر الإسلامي يعيش في أزمة وأن هذه الأزمة قد أوقعت الأمة في مأزق حضاري وأن من أهم ملامح هذه الأزمة “أننا نعاني من انعدام واضح الرؤية ومن فقدان الاتجاه ونعاني كذلك من الضعف – ومن فقر الإبداع – لأننا نفتقر الى الإحساس بالخصوصية، وانعدام الانتماء الى المشروع الحضاري الذي يفجر طاقات هذا الإبداع . ويحدد الدكتور عمارة خمسة نماذج لأهم قضايا أزمة الفكر الإسلامي المعاصر لعل من أهمها:

– قضية علاقة الجديد والتجديد بالتراث .

– قضية العقل، ما هو وما الموقف منه، وضرورة تحريره لكن من ماذا؟

– قضية الهوية الثقافية وعلاقتها بكل من الأصالة والمعاصرة .

ففي قضية العقل الذي يحدده المؤلف وفق مصطلح العربية، ومفهوم الإسلام بان هذا العقل ليس “عضوا” وإنما هو فعل التعقل به، وبالقلب والنهي والعقل واللبّ،والنظر والتدبير والتفكير والفقه، وان فعل التعقل إنما يتم من إنسان يمتلك سبلا أخرى للنظر والإدراك.

ان تحرير العقل المسلم يجب ان يفهم على انه تحرير من الجمود والتفكير الأعمى، تحرير من الغرور والهوى، والتقليد الأعمى للسلف، لان الجمود النصوصي آفة، والغرور العقلي موقف أشبه ما يكون بعبث الطفولة .

عن فضية علاقة الجديد والتجديد بالتراث

رباني يمثل في حياة امتنا الصانع الأول لوجودها الحضاري والقومي والفكري، والمكون الأعظم لبصمتها الحضارية التي تتميز بها بين الأمم والشعوب، لذلك فان النسخ والتجاوز غير وارد في هذا القطاع، الذي يمثل البلاغ القرآني والبيان النبوي، وإذا كان الرسول الكريم قد نص على “تجديد الدين” وحتى يظل البلاغ القرآني والبيان النبوي ثابتا في حياة الأمة، لا بد ان يبقى فاعلا في هذه الحياة ولكي يكون كذالك لابد من إعمال سنة التجديد لتجلية الوجه الحقيقي للمبادئ والعقائد والمناهج والأحكام من زوائد البدع ونواقصها ومن غبار الخرافة وركام الشعوذة”.

ويشير الدكتور عمارة الى ان الموروث الفكري المتنوع والعني لفهم السلف للبلاغ القرآني والبيان النبوي، يمثل بالنسبة لنا كنزا ومرشدا، علينا ان تفاعل معه بعقل معاصر، ونظرة ناقدة وفكر مستنير، لنسترشد بما فيه من علم نافع. وأما ما تجاوزه التطور من إبداع السلف فإننا نتجاوزه معتزين به، واضعين إياه في متحف التاريخ الفكري، مادة للعضة والعبرة، ويحدد الدكتور عمارة الدعوة الى حفظ تراثنا والاستفادة بخبرات السلف وان نحيي من هذا التراث في واقعنا المعاصر، ما لديه صلاح وصلاحية كي يزامل إبداعنا الجديد في تحقيق المصالح الشرعية لامتنا .

في قضية الهوية الثقافية بين الأصالة والمعاصرة وبعد ان يحدد الكاتب المعنى العلمي لمصطلحات الهوية والثقافة والأصالة والمعاصرة فانه يخلص الى ان هوية ثقافة امتنا هي جوهر هذه الثقافة إذ ان الإسلام ومنذ ان تدينت به أغلبية هذه الأمة قد أصبح هو الهوية الممثلة لأصالة ثقافة هذه الأمة، فهو الذي طبع ويطبع وصنع ويصنع ثقافتنا بطابعه وصبغته، فعادتنا وتقاليدنا وآدابنا وفنونا وسائر علومنا الإنسانية، في السياسة والاقتصاد والاجتماع وفلسفة علومها الطبيعية والتجريبية ونظرتها للكون وللذات وللأخر، وتصوراتها لمكانة الإنسان في هذا الكون، من أين أتى، والى أين ينتهي، وحكم هذا الوجود وغايته؟ كل ذلك وما ماثله قد انطبع بطابع الإسلام، واصطبغ بصبغته… حتى لنستطيع ان نقول ونحن مطمئنون كل الاطمئنان، ان ثقافتنا ثقافة إسلامية، وان معيار الدخول والخروج في ميدان ثقافتنا والقبول والرفض فيها هو المعيار الإسلامي .

– قضية الموقف من الأخر الحضاري، والحضارة الغربية على وجه الخصوص .
النموذج الخامس:

– قضية انقسام ” العقل المسلم ” حول مرجعية مشروعه الحضاري .

أخيرا نخلص الى القول ان هذه السطور هي مجرد محاولة سريعة لإلقاء بعض الضوء على هذا الكتاب الممتع والذي يخلص الى توحيد الملامح الرئيسية للتيارات الفكرية التي تنازعت الثقافة العربية والفكر الإسلامي المعاصر والبحث عن طريق يؤدي الى النهضة الإسلامية المنشودة .

ويختم الدكتور محمد عمارة كتابه بان تنمية الولاء والانتماء للمشروع الإسلامي، يعيد للإسلام مرة أخرى إمامة الدنيا، ولتمارس أمة الإسلام بالنسبة لغيرها من الأمم دور المرشد الأمين لتعيد.