في مثل هذا اليوم
https://al3omk.com/479242.html

في مثل هذا اليوم

في مثل هذا اليوم 29 نونبر من سنة 1947 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181 الذي عرف لاحقا باسم قرار التقسيم، وقد نص على أن تنشأ في فلسطين “دولة يهودية” و”دولة عربية فلسطينية”، مع إخضاع القدس لنظام دولي خاص،غير أنه لم تظهر إلى الوجود إلا الدولة اليهودية وهي إسرائيل، بينما ظلت الدولة الفلسطينية حبرا على ورق لعدة عقود.

قرار التقسيم شكل أكبر طعنة للشعب الفلسطيني لأنه سلبهم قسما كبيرا من أراضيهم وانتزعها من أصحابها الأصليين ومنحها لغرباء صهاينة جاءوا من شتى بقاع العالم،

واستجابة لدعوة موجهة من الأمم المتحدة، تقوم الحكومات والمجتمع المدني سنويا بأنشطة شتى احتفالا باليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وتشمل هذه الأنشطة إصدار رسائل خاصة تضامنا مع الشعب الفلسطيني، وتنظيم وعقد اجتماعات، وتوزيع مطبوعات ومواد إعلامية خاصة بالقضية والحقوق الفلسطينية.

وفي مقر الأمم المتحدة بنيويورك، تعقد اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف جلسة خاصة سنويا احتفالا بهذا اليوم، ومن بين الأنشطة الأخرى التي تنظم في نيويورك في إطار الاحتفال باليوم، عرض أفلام تتعلق بالقضية الفلسطينية وإقامة معرض فلسطيني أو حدث ثقافي تتظمه بعثة فلسطين لدى الأمم المتحدة.

ويشكل اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني فرصة ومناسبة لتذكير العالم والقوى الفاعلة فيه بحقيقة المأساة الفلسطينية والظلم الذي تعرض له شعب فلسطين نتيجة قرار التقسيم، حيث تحول هذا الشعب إلى مجموعات من اللاجئين الموزعين في شتى بقاع الأرض، كما أن اليوم مناسبة لتذكير المجتمع الدولي بحقيقة أن قضية فلسطين لم تحل بعد، رغم كل الجهود والمساعي والمبادرات والمفاوضات والزيارات والجولات الاستطلاعية في الشرق الأوسط،التي قام بها مئات المسؤولين والوفود من الدول الأجنبية، فضلا عن أن الشعب الفلسطيني الذي يبلغ تعداده ما يزيد على ثمانية ملايين نسمة، لم يحصل بعد على حقوقه غير القابلة للتصرف على الوجه الذي حددته الجمعية العامة، وهي الحق في تقرير المصير دون تدخل خارجي، والحق في الاستقلال الوطني والسيادة، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي أبعدوا عنها بالقوة والإرهاب.

وحسب أحدث تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإن الاحتلال قد دمر سنة النكبة التي أعقبت قرار التقسيم حوالي 531 قرية و مدينة فلسطينية، و ارتكب أكثر من 70 مجزرة و مذبحة، ذهب ضحيتها أكثر من خمسة عشرة ألف فلسطيني، و هجر قسرا قرابة من 800 ألف مواطن، من أصل 1.4 مليون فلسطيني كانوا يقيمون في الأراضي المحتلة عام 1948 .

وتبعا لنفس التقرير فإن حوالي 5.3 مليون لاجئ من أصل 11.6 مليون نسمة، يتوزعون بين الأردن و سوريا و لبنان و الضفة الغربية و قطاع غزة و باقي دول العالم،مما يجعل قرابة 66 % من سكان فلسطين في العالم، يعيشون ويلات التهجير و اللجوء القسري سواء في الشتات أو في وطنهم التاريخي فلسطين للعام السبعين.

وخلال صيف العام 2014، تعرّض الفلسطينيون في قطاع غزة، (75% منهم لاجئون)، لخمسين يوماً من القصف الإسرائيلي الجوي والبحري والبري نتج عنه استشهاد 2215 فلسطيني، من بينهم 556 طفل و 293 سيدة، وتمّ تدمير 31.974 منزل سكني من بينها 8163 عمارة سكنية متعددة الطبقات، وتدمير البنى التحتية المدنية للقطاع المحاصر؛ الأمر الذي يُضاعف من حجم الكارثة الإنسانية، وقد تم خلال ذلك الهجوم، تهجير 520 ألف فلسطيني داخل القطاع؛ أي ما يعادل 34% من مجموع سكان قطاع غزة.

وبرجوعنا إلى مفهوم التهجير القسري، نجد القانون الدولي يعرفه في المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة بكونه، إخلاء غير قانوني لمجموعة من الأفراد و السكان من الأرض التي يقيمون عليها ، و بأنه يندرج ضمن جرائم الحرب و جرائم الإبادة الجماعية و الجرائم ضد الإنسانية.

وبناء عليه نصت المادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن إبعاد السكان أو النقل القسري لهم، يعتبر في خانة الجرائم ضد الإنسانية.

كما أن المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 حظرت النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص، أو نفيهم من مناطق سكناهم إلى أراض أخرى، إلا في حالة أن يكون هذا في صالحهم بهدف تجنيبهم مخاطر النزاعات المسلحة.

وبموجب المواد 6 و7 و8 من نظام روما الأساسي، فإن “الإبعاد أو النقل غير المشروعين” يشكلان جريمة حرب، وتعتبر المادة المتعلقة بحظر نقل السكان من مناطقهم جزءً من القانون الدولي الإنساني العرفي.

وتجدر الإشارة أن الفلسطينيون احتكموا إلى القانون الدولي و قدموا شكاية في الموضوع إلى الأمم المتحدة فأصدرت هاته الأخيرة قرارها الشهير رقم 194 بتاريخ 11 دجنبر 1948، في جلستها العامة رقم 186 بـ 35 صوتاً مع القرار مقابل 15 ضده وامتناع 8 دول.

حيث أنشت لجنة توفيق تابعة للأمم المتحدة تسهر على تحقيق السلام بالمنطقة ، و في هذا السياق نورد أهم حيثيات هذا القرار الأممي:

1- تقرر وجوب منح سكان فلسطين جميعهم أقصى حرية ممكنة للوصول إلى مدينة القدس بطريق البر والسكك الحديدية وبطريق الجو، وذلك إلى أن تتفق الحكومات والسلطات المعنية على ترتيبات أكثر تفصيلاً .
2- تصدر تعليماتها إلى لجنة التوفيق بأن تعلم مجلس الأمن فوراً بأية محاولة لعرقلة الوصول إلى المدينة من قبل أي من الأطراف، وذلك كي يتخذ المجلس التدابير اللازمة.
3- تصدر تعليماتها إلى لجنة التوفيق بالعمل لإيجاد ترتيبات بين الحكومات والسلطات المعنية من شأنها تسهيل نمو المنطقة الاقتصادي، بما في ذلك اتفاقيات بشأن الوصول إلى المرافئ والمطارات واستعمال وسائل النقل والمواصلات.
4- تقرر وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر، عندما يكون من الواجب وفقاً لمبادئ القانون أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة.
5- تصدر تعليماتها إلى لجنة التوفيق بتسهيل إعادة اللاجئين وتوطينهم من جديد وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي وكذلك دفع التعويضات وبالمحافظة على الاتصال الوثيق بمدير إغاثة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، ومن خلاله بالهيئات والوكالات المتخصصة المناسبة في منظمة الأمم المتحدة.

وبناء على هذا القرار الأممي، نرى بأنه بمثابة اعتراف صريح بحق اللاجئين و المهجرين قسرا في العودة كجزء أساسي و أصيل في القانون الدولي تاركا لهم حرية الاختيار بين البقاء في مكان ترحيلهم و بين العودة إلى فلسطين.

إلا أنه رغم مرور 70 سنة على هذا القرار فإنه لم يتم تنفيذه إلى جانب 52 قرارا ثم إصدارهم خلال العشريات السبعة المتتالية، بل بقوا حبرا على ورق، أمام الصمت الدولي المكشوف، و التواطؤ العربي المفضوح، والدعم الأمريكي المنحاز للكيان المحتل، و الذي كان من أحدث مخرجاته قرار الإدارة الأمريكية في شخص رئيسها ترامب، بنقل سفارة دولته من تل أبيب إلى القدس وانعقاد ورشة المنامة في إطار متزامنا مع ما اصطلح عليه بصفقة القرن بمباركة و رعاية من قبل دول عربية وتواطئ من لدن دول غربية.

وبمناسبة إحياء الفلسطينيين الذكرى السبعين للنكبة و تنظيمهم لمسيرة مليونية العودة، استشهد في يوم واحد من سنة 2017 حوالي 59 شهيدا و أصيب 2786 محتجا على حدود الأراضي المحتلة، مما يؤشر عن حدوث تطورات كبيرة حول القضية الفلسطينية تدفع في اتجاه بزوغ حراك شبابي فلسطيني، متشوف للحرية و متشوق للشهادة في سبيل استرجاع أرضه و مقدساته.

* محام وباحث في القانون الدولي الإنساني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.