المختبر

11 فبراير 2020 - 17:12

فى الضباب الكثيف المتسرب فى كل زوايا المكان ، يعلو صوت السلوك الهمجي ليعتلى منابر الجهل وتسود ثقافة التوحش اللفظي والحركي لدى الجميع ، فهى اللغه المفهومه التي تؤتي ثمارها في حينه، أما لغة العلم والأدب فقد توارت خلف سدود العقول المتحجره ، وسلبية المشاعر ، و ردود الأفعال الغير مسئولة، والرغبه الشبقية لمصلحة كل فرد وحده، وليذهب غيره ليلقى بنفسه من قمة إيفرست ، فلم يعد هناك مردود لغوي لأي لفظ ، بل ذابت كل المعاني لتصب فيما يريده كل فرد يدعى بأنه إنسان ولكن هيهات هيهات ، بعدما نزع من ذاكرة خلاياه كل معاني الإنسانيه ، وثمار حياة الاّخرين، وتجاربهم ، ليشتد وطيس المعارك عليها فلا تبقى ولا تذر أى قيمه إنسانيه، ويرتد الإنسان إلى مربع الصفر من جديد ، ويُهدم به كل تراث البشريه الشامخ ، ويختلط مره أخرى بالحيوانات ويتعامل مع الحجاره من جديد ، وكأن البشر لم تمر عليهم كل تلك القرون .

وسط كل ذلك الضباب يسعى الإنسان حاملا شعلة تشق ضوئها تلك الكثافه المظلمه ، التى أفرزتها العقول السجينه ، وينادى من أقصي المدينة بأعلي صوت له العلم العلم ، إياكم أن تتركوه فتعم الفوضى ، ويضطرب النظام كله، وتضيع الحقوق ، وتسير عقارب الساعه إلى الخلف ، بل تمسكوا بأهدابه وتعبدوا فى محرابه، وأحتفلوا بتتويجه ملكاً عليكم وأمنحوا له كل الصلاحيات والإمكانيات ، فإذا تكلم العلم فلا يتكلم أحد ولا إستنئاف لحكمه ، أو مراجعه لفرمانه ، وذاك بإطلاق سراحه ليطلق صفارات الإنذار بإرتفاع منسوب الوعى الجمعى ، والإمساك بهذه اللحظه لتنسحب على كل الأزمنه ، والأحداث لتقر فى الضمير الإنسانى ، مغتبطاً بتدفق نهر المحبه مع العلم رقراقاً ، وبزوغ شمس الحقيقه ، لتتضح كل الصور وتلك هى النقله النوعيه المطلوبه لأى مجتمع يعانى من أى شئ .

إن البحث العلمى يبدأ بالملاحظه وينتهى بالحقيقه ، فهو لا يعترف بالأساطير والخرافات ، بل العالِم فى مختبره يتجرد من كل المسلمات والبديهات ، ويفكر بموضوعية خالصة سواء كان مختبره كيميائيا ، فيزيائيا ، بيولوجيا ، طبيا ،جيولوجيا ،إجتماعيا ، نفسيا ، فهو أمام تجربه علميه مجرده يستبعد فيها كل المؤثرات الداخليه والخارجيه ، ليستشف الحقيقه البكر مؤكده، ويخرج بها إلى الناس شافية للعلة تماما ، دون ] العناء فى إهدار الوقت ، وإتباع وسائل مضلله تصل بالإنسان فى النهايه إلى نفق مسدود ، وفى سبيل ذلك أفنى العلماء الأفذاذ أعمارهم فى مختبرات ، ليصلوا إلى معلومة تضاف إلى غيرها للوصول لنتيجه تعين البشريه ، بوسائل شتى تساهم فى سعادة الإنسان ، ورفاهية الحياه ، إبتداءا من القرن السابع عشر ، من خلال بناء صرح علمى عملاق تتزايد فيه سرعة الإنسان فى التقدم للأمام ، لتتوالى الإنجازات الجباره فى أقل مده زمنيه ، وتكشف لغز جريمه بإجراء تجربه كيميائيه واحده فيصل الحق إلى مستحقيه ، ويتربع العلم على عرش الإمبراطوريه البشريه بلا منازع .

ما أحوج مجتمعنا المصرى و فى تلك اللحظات الفارقه ،و لتقدم البشريه فقد غيبنا العلم قرونا من الزمان ، بعد أن كنا سادة العلم فى الأرض فى الوقت التى كانت أوروبا تعيش فى كهوف الظلام ، ويمارسون إحتياجتهم الإنسانيه فى الشوارع ، ولكن حان الوقت لإستعادة مجدنا من جديد والإمساك بزمام العلم والإثبات للعالم ، بأنه لا يصح إلا الصحيح ومن له ماضى له مستقبل ، فليأخذ كل منا بيد غيره يعلمه ، ويطبق العلم على نفسه أولا ، إعلاءاً للعقل ، وإنتصاراً للمنطق ، وإلتفافاً حول الحق ليسود السلام والأمن والتقدم فى كل مناحى حياتنا ، بعد أن صارت مرتعا لكل جاهل يستبيح فيها كل شئ ، فهيا بنا الأن الأن إلى المختبر….
إلى المختبر ….

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

كاتي رأي

تركيا وسياسة الكيل بـ”سياستين”

البحث التربوي وأهميته في تطوير المهنة‎

البناء الديمقراطي مدخل للتنمية الاجتماعية والاقتصادية بالمغرب ‎‎

بداية انفلات في زمن كورونا

عيد الأضحى .. في حضرة الكورونا

تابعنا على