المختبر
https://al3omk.com/500162.html

المختبر

فى الضباب الكثيف المتسرب فى كل زوايا المكان ، يعلو صوت السلوك الهمجي ليعتلى منابر الجهل وتسود ثقافة التوحش اللفظي والحركي لدى الجميع ، فهى اللغه المفهومه التي تؤتي ثمارها في حينه، أما لغة العلم والأدب فقد توارت خلف سدود العقول المتحجره ، وسلبية المشاعر ، و ردود الأفعال الغير مسئولة، والرغبه الشبقية لمصلحة كل فرد وحده، وليذهب غيره ليلقى بنفسه من قمة إيفرست ، فلم يعد هناك مردود لغوي لأي لفظ ، بل ذابت كل المعاني لتصب فيما يريده كل فرد يدعى بأنه إنسان ولكن هيهات هيهات ، بعدما نزع من ذاكرة خلاياه كل معاني الإنسانيه ، وثمار حياة الاّخرين، وتجاربهم ، ليشتد وطيس المعارك عليها فلا تبقى ولا تذر أى قيمه إنسانيه، ويرتد الإنسان إلى مربع الصفر من جديد ، ويُهدم به كل تراث البشريه الشامخ ، ويختلط مره أخرى بالحيوانات ويتعامل مع الحجاره من جديد ، وكأن البشر لم تمر عليهم كل تلك القرون .

وسط كل ذلك الضباب يسعى الإنسان حاملا شعلة تشق ضوئها تلك الكثافه المظلمه ، التى أفرزتها العقول السجينه ، وينادى من أقصي المدينة بأعلي صوت له العلم العلم ، إياكم أن تتركوه فتعم الفوضى ، ويضطرب النظام كله، وتضيع الحقوق ، وتسير عقارب الساعه إلى الخلف ، بل تمسكوا بأهدابه وتعبدوا فى محرابه، وأحتفلوا بتتويجه ملكاً عليكم وأمنحوا له كل الصلاحيات والإمكانيات ، فإذا تكلم العلم فلا يتكلم أحد ولا إستنئاف لحكمه ، أو مراجعه لفرمانه ، وذاك بإطلاق سراحه ليطلق صفارات الإنذار بإرتفاع منسوب الوعى الجمعى ، والإمساك بهذه اللحظه لتنسحب على كل الأزمنه ، والأحداث لتقر فى الضمير الإنسانى ، مغتبطاً بتدفق نهر المحبه مع العلم رقراقاً ، وبزوغ شمس الحقيقه ، لتتضح كل الصور وتلك هى النقله النوعيه المطلوبه لأى مجتمع يعانى من أى شئ .

إن البحث العلمى يبدأ بالملاحظه وينتهى بالحقيقه ، فهو لا يعترف بالأساطير والخرافات ، بل العالِم فى مختبره يتجرد من كل المسلمات والبديهات ، ويفكر بموضوعية خالصة سواء كان مختبره كيميائيا ، فيزيائيا ، بيولوجيا ، طبيا ،جيولوجيا ،إجتماعيا ، نفسيا ، فهو أمام تجربه علميه مجرده يستبعد فيها كل المؤثرات الداخليه والخارجيه ، ليستشف الحقيقه البكر مؤكده، ويخرج بها إلى الناس شافية للعلة تماما ، دون ] العناء فى إهدار الوقت ، وإتباع وسائل مضلله تصل بالإنسان فى النهايه إلى نفق مسدود ، وفى سبيل ذلك أفنى العلماء الأفذاذ أعمارهم فى مختبرات ، ليصلوا إلى معلومة تضاف إلى غيرها للوصول لنتيجه تعين البشريه ، بوسائل شتى تساهم فى سعادة الإنسان ، ورفاهية الحياه ، إبتداءا من القرن السابع عشر ، من خلال بناء صرح علمى عملاق تتزايد فيه سرعة الإنسان فى التقدم للأمام ، لتتوالى الإنجازات الجباره فى أقل مده زمنيه ، وتكشف لغز جريمه بإجراء تجربه كيميائيه واحده فيصل الحق إلى مستحقيه ، ويتربع العلم على عرش الإمبراطوريه البشريه بلا منازع .

ما أحوج مجتمعنا المصرى و فى تلك اللحظات الفارقه ،و لتقدم البشريه فقد غيبنا العلم قرونا من الزمان ، بعد أن كنا سادة العلم فى الأرض فى الوقت التى كانت أوروبا تعيش فى كهوف الظلام ، ويمارسون إحتياجتهم الإنسانيه فى الشوارع ، ولكن حان الوقت لإستعادة مجدنا من جديد والإمساك بزمام العلم والإثبات للعالم ، بأنه لا يصح إلا الصحيح ومن له ماضى له مستقبل ، فليأخذ كل منا بيد غيره يعلمه ، ويطبق العلم على نفسه أولا ، إعلاءاً للعقل ، وإنتصاراً للمنطق ، وإلتفافاً حول الحق ليسود السلام والأمن والتقدم فى كل مناحى حياتنا ، بعد أن صارت مرتعا لكل جاهل يستبيح فيها كل شئ ، فهيا بنا الأن الأن إلى المختبر….
إلى المختبر ….