مراكش ليست مرتعا للبيدوفيليا.. إنها تهمة لا تليق بمدينة العلم والعلماء

18 فبراير 2020 - 12:32

لا أعتقد أني سأفي بما يلفظه قلبي ويبوح. ولا أعتقد أن بضعة كلمات في مقال سيفصح عن كل هموم المواطنين الغيورين على كرامة وعرض وطنهم. ذلك أن الحدث الجلل الذي تابعناه جميعا خلال الأشهر القليلة الماضية، والخاص باغتصاب طفلة قاصر من قبل بيدوفيل كويتي، وقبله حالات مماثلة أكثر إيلاما وقسوة، يعطل العقل ويفصله تماما عن سياقه، في التفكير والتأمل والنظر فيما يعيد للبداهة سلطتها الرمزية وميزابها الاعتباري.

لن أعيد ما لا كته الألسن واعتورته الحكايا شينا وقبحا، بين من ينتقم لتاريخ الوطن، ويغتاظ مما أصابه من محن الشقاء وخور البلاء. ومن يلتف بنفسه نفاقا وتبعية، ينصب بوعه خسرانا وغيلة، لا يجد ما يفشي به الإهانة ويرثيها غير التشكيك في كرامتنا وتقصيرها.

أريد فقط أن أضعكم أمام قراءة أخرى، لزاوية مسكوت عنها، في أدبيات الإعلام والصحافة. وتكاد تكون خلفياتها الاجتماعية والقانونية والنفسية حدثا بارزا، يطلع علينا كلما نط خبر يكشف عن إعادة صياغة نفس الأحداث الدرامية الشنيعة، التي لا تكاد تنتهي، في زحمة تعطيل كل الآليات الخطابية التي تلسع سيرورة المجتمع، بالإضمار المبيت والتقصد في هدره والنيل منه والحط من قيمته.

لا يحيد هذا الهاجس عندنا، ونحن نتابع سلسلة من المشاهد المؤلمة والمروعة، التي تثيرها وسائلنا الإعلامية برهق مقاوم للنقد، محايث لطبيعة معالجة الأخبار وتحليلها.

هل استحضرنا يوما وضعيات فتيات الشارع، وربما قاصرات الرشد والجسد، اللائي تعج بهن الملاهي ومواخير الليل، وأحياء بيع الأجساء وأهواء السقط من متاع اللذات؟ عندما تداس الكرامة كل لحظة على مرأى ومسمع منا جميعا؟ هل نتمكن من إنصاف ضمائرنا المنكوبة، بعسف الصمت وريائها، عندما تداس الكرامة وتنتهك الحرمات، دون اقتدار على ملامسة جوهر المشكل. عن دواعي انتشار ظاهرة، ألصقت بوسم التاريخ ظلما وارتدادا أخلاقيا؟!

عندما ندقق في مفهوم العدالة، ونحقق في قوة وجودها، من حيث كونها ترتكز على تحقيق التوازن بين جميع مكونات المجتمع من حيث الحقوق، ويحكُم هذا التصوُّر أنظمة وقوانين يتعاون في وضعها أكثر من شخص بطريقة حُرة دون أي تحكُّم أو تدخُّل، بهدف تحقيق المساواة بين كل الناس، فإننا نستفتي قدرتنا على تجسيدها في أدق تفاصيل حياتنا، حضورها في تدبير العلاقات التي تتقاطع مع اقترانها بحركية المجتمع، وقضاياه الممتدة عبر كل الحياة المعيشة. عدالة مساواتية تقترن برفض التخصيص والاستثناء، أو قضائية ترتفع إلى إعلاء كلمة الحق، عبر إجراء محاكمة عادلة ومتوازنة مع الجرم المرتكب، مهما كان فاعله.

وعندما يكون الأمر مشروطا بمدى أهمية أن تكون العدالة مواطنة ومستقلة، أساسية في بناء ونهضة الأمم، فإن قضية مثل قرار إطلاق سراح البيدوفيل الكويتي، مثلما هو الحال بالنسبة لإطلاقات سابقة، والتي تميز بين مرتكب الجرم، وضحيته. بين من ينتمي لفصيلة صحراء "الخويسات" أو "صحراء الصمان"، ومن لا يجد قضمة رغيف يسد بها رمقه؟! لا يمكن تفهم مقاصدها السياسية أو الاقتصادية، إلا على سبيل التضجر والتشفي وتوتير خراب العمران. وفوق ذلك كله، العيش على الفتات والركوب على الضعف البشري، والقهرة و"الحكرة" المقيتين.

قبل الختم، أريد أن أشير إلى استمرار هذه المشاهد الدرامية الكالحة، فأينما وقعت طرافة استغبائية، على شاكلة ما كتبناه بدموعنا اليوم، تذكرت نفس الحلقات المسلسلة، من مواقع مختلفة، هنا وهناك، "القبض على خليجيين أو سياحا أجانب، في وكر للدعارة، رفقة فتيات أو طفلات قاصرات، في وضعيات شاذة، ...كذا، وتم إطلاق سراح الأجانب، من البلدان المذكورة، بينما وجهت المصالح الأمنية التهم للفتيات بامتهان الدعارة ...إلخ؟!

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

دعونا نفكر في خلاصنا الجماعي

تابعنا على