الديمقراطية التشاركية ضرورة سياسية

24 فبراير 2020 - 04:30

لم يعد إشراك المواطنات والمواطنين والمجتمع المدني في عمليات إعداد وإنجاز ومراقبة المشاريع والبرامج الاقتصادية والاجتماعية التي تدخل في نطاق ترابهم المحلي والجهوي والوطني، اختيارا، وإنما أصبح ضرورة سياسية تشكل جوهر الديمقراطية التشاركية في الدول التي تحترم مواطنيها.

علاقة بهذا الموضوع، جاء في مقالة متميزة صدرت بصحيفة " لوموند ديبلوماتيك " بعنوان، " التحمس للكفاح المحلي، تسييس الغضب اليومي" وهي ل " كليمون بيتيجين " الحاصل على دكتوراه في الحضارة الأمريكية بجامعة السوربون: (جاء)

برز في الولايات المتحدة، قبل زهاء 80 سنة، نمط من النضالية على مستوى الأحياء، يستمد روحه مما يسمى طريقة " ألينسكي " في إحالة على اسم منظر " تنظيم المجتمع ".

وفي فرنسا، ما فتىء الاهتمام يتزايد في السنوات الأخيرة ب "سول ألينسكي" (1909-1972) حيث تم ترجمة أهم مؤلفاته أو إعادة ترجمتها وتم تنظيم ندوات وتأليف كتب جامعية حول إنتاجاته...

وحسب " كليمون بيتيجين " فإن نموذج " التنظيم المجتمعي" الذي نظر له " ألينسكي" ووضعه حيز التطبيق، يشكل منهجية جد متقنة من أجل تقديم تظلمات وشكاوى السكان، بهدف إبراز مطالبهم الملموسة. ويشرف على هذه العملية مهنيون مختصون في هذا الشأن، تم اختيارهم وفق شروط محددة. يقوم هؤلاء المهنيون حين الانتهاء من توثيق تظلمات وشكاوى السكان ومطالبهم، ببلورة استراتيجية كل تدخل لدى الجهات المعنية، ويخططون لاجتماعات تحضيرية وتصور أعمال جماعية ومبدعة وتقنيات فريدة ...

ووفق " ألينسكي " يقول كاتب المقال، تمكن هذه المنهجية من إعداد البرامج بصفة جماعية. ويتضمن كل برنامج " جملة المبادئ والأهداف والممارسات التي توافق عليها الشعب ". موضحا، أنه لا يجب أن تكون مفصلة بشكل كبير. وقد كتب " ألينسكي " قائلا: " قبل كل شيء، البرنامج الديمقراطي الحقيقي هو شعب يهتم بالديمقراطية ".

ويوضح " كليمون" أنه ضمن هذا الأفق، لا تبدو المشاركة المواطنية أنها وسيلة من أجل تنفيذ إجراءات سياسية ( إعادة توزيع على سبيل المثال) فقط، وإنما باعتبارها غاية في حد ذاتها. ومن بين أهداف هذا " النمط التشاركي ": الدفاع عن المشاكل الاجتماعية للسكان انطلاقا من المصالح المشتركة، وبناء سلطة شعبية قادرة على الضغط على المنتخبين من أجل الدفاع عن هذه المصالح.  وتدخل هذه الأعمال فيما أسماه " المشاركة المواطنية ".

إن السؤال هو ما الذي نستفيده مما تقدم؟

يفيد البحث أن الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية السيد " باراك أوباما " كان يستوحي أفكاره حول الديمقراطية التشاركية من " ألينسكي". وتفيد القراءة المتمعنة في منهج هذا الأخير أن تنزيل الديمقراطية التشاركية، يمكن السكان من تدبير شؤونهم. ويمكن من تدبير الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في حينها. وتفرض هذه الآلية إشراك الشباب في تدبير الشأن الاجتماعي. وتتطلب الإصغاء لنبض المجتمع.

وليس من باب اللغو القول إن دستور 2011 والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية بالمغرب، يتضمنون القواعد والمساطر والآليات اللازمة لتنزيل الديمقراطية التشاركية.
وبالتالي، فالتنزيل السليم يشكل جوهر الأخلاق السياسية. ونعني بذلك، تطابق الخطاب السياسي مع الممارسة السياسية. فالسياسي الحقيقي يحول كلماته إلى أشياء يلمسها أبسط المواطنين والمواطنات، من خبز ووظائف وتطبيب وتعليم وسكن(...) وممارسات ديمقراطية.

باختصار، إن الديمقراطية التشاركية ضرورة سياسية ليس فقط على المستويين الجهوي والمحلي، وإنما على المستوى الوطني برمته في الظروف الراهنة للمغرب لاعتبار في غاية الأهمية وهو:

أن نجاح النموذج التنموي المرتقب رهين بالدراسة العلمية لمتطلبات وحاجيات المواطنات والمواطنين على المستويات المحلي والجهوي والوطني، في الجبال والصحراء والسهول والأحياء الهامشية في المدن. ورهين أكثر، بالقدرة على تحويلها إلى سياسات عمومية تجعل من الجانب الاجتماعي محورا رئيسيا لها.

ونعتقد أن من باب الحكمة الانطلاق من مرجع أساسي - نراهن على أهمية الدراسات التي يتضمنها - وهو: تقرير الخمسينية " المغرب الممكن إسهام في النقاش العام من أجل طموح مشترك "، حتى لا نكرر أخطاء الماضي.

* إعلامي وباحث

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

دعونا نفكر في خلاصنا الجماعي

تابعنا على