أما بعد.. وباء الغباء

22 مارس 2020 - 22:34

لا يمكن للمرء وهو يشاهد جموعا غفيرة بمناطق مغربية مختلفة وهي تخرج إلى الشارع للتكبير والتضرع إلى الله لرفع وباء كورونا المستجد، الذي أرعب العالم وأوقف شرايين الحياة، إلا أن يشعر بالأسى والأسف، بل بالعار، من وجود أمثال هؤلاء بيننا، حتى إن “شوهتنا” أضحت عالمية وكتبت عن الواقعة صحف ووكالات أنباء دولية مرموقة، وكأننا شعب فقد عقله خرج أبناؤه ليحتجوا، في سابقة تاريخية، ضد فيروس مجهول ولا يُرى حتى بالعين المجردة.

ومهما حاولنا البحث عن أي تبرير مهما كان تافها من أجل محاولة فهم سبب خروج هؤلاء إلى الشارع ليلا، في تحد فج لقرار الدولة القاضي بفرض حالة الطوارئ الصحية مع تقييد حركة المواطنين بهدف الحد من انتشار الفيروس اللعين، فإننا حتما لن نجده، فالذي فعلوه حماقة وجهالة ما بعدها شيء، وكما قال الشاعر: “لكل داء له دواء يستطب به ** إلا الجهالة أعيت من يداويها”.

فرغم حملات التوعية صباح مساء عبر مختلف وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، إلا أن قوما يحملون في دماغهم كل شيء إلا نعمة العقل، أبوا إلا أن يفسدوا الصور الحضارية التي أبان عنها المغاربة من مواطنين وسلطات، وهم يتجندون لمواجهة الداء ضمن تعبئة وطنية غير مسبوقة، زادها بهاء مساهمة رجال المال والأعمال وكل المواطنين والمسؤولين في الصندوق الذي أمر الملك محمد السادس بإحداثه من أجل توفير الموارد المالية الكفيلة بالتصدي لتداعيات هذا الفيروس، حيث تمكن المغاربة بفضل سخائهم وكرمهم التاريخي المعهود من ضخ ما يناهز 30 مليار درهم (قرابة 3 ملايير دولار) في هذا الصندوق الذي كان أغلب المتفائلين يتساءلون من أين ستأتي الدولة بـ 10 ملايير درهم التي أمر الملك بضخها فيه.

خروج هؤلاء إلى الشارع ليلا على طريقة الخفافيش، المتهمة الأولى بنقل هذا الفيروس إلى البشر، لا يمكن وصفه إلا بالغباء الذي قد يكلفنا كثيرا، في ظل نظام صحي هش لا يمكن أن يستوعب إلا مئات الحالات في أحسن الأحوال، هذا إذا أحسنا الظن بهم وبغايتهم، أما إذا كان ذلك مدبرا فإننا أمام عصابة استغلت مغاربة سذج بخطاب ديني متجاوز من أجل تعميق أزمتهم، ودفع البلاد إلى المجهول، وهو أمر لا يمكن لشخص مهما كانت وطنيته تحت الصفر أن يتمناه لبلده، وقانا الله شر هذا الفيروس.

وإذا كنا قد لُمنا في جزء كبير من هذه الافتتاحية هؤلاء الداعين إلى تلك الخرجات الليلة الوخيمة العواقب، فإننا نوجه كذلك عتابا إلى السلطات أيضا على تساهلها مع هؤلاء والسماح لهم بالجولان في الشوارع دون رادع، خاصة وأننا في حالة طوارئ صحية، يفترض فيها أن تكون جميع الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون يقظة واعية ومنتشرة في جميع أنحاء الوطن من أجل التصدي لكل ما من شأنه أن يهدد أمننا الصحي، لا أن تتصرف وكأنها حاضرة غائبة.

بلدنا ليس بدعا من الدول التي فيها متهورون وسذج يكلفون بلدانهم وعائلاتهم غاليا بتصرفاتهم الرعناء الطائشة، بل سبقتنا إلى ذلك أمريكا وإيطاليا وإسبانيا ودول أوروبية أخرى، وها نحن نرى اليوم كيف يؤدون الثمن غاليا رغم الإمكانيات الطبية والمادية الضخمة التي يتوفرون عليها، وهو ما يحتم علينا أن نكون يقظين وأن نتعظ من غيرنا، لا أن نترك بائسين فكريا وأخلاقيا ودينيا يودون بنا إلى مجهول؛ الله أعلم متى نخرج منه وكيف.

وإذا كان من درس يجب استيعابه من واقعة أمس، والذي يجب أن يكون الحجر الأساس لأي نموذج تنموي مستقبلي، فهو الاستثمار في التعليم والصحة بلا حساب ولا الخضوع لإملاءات صندوق النقد الدولي الذي بلع لسانه في هذه الأزمة وكأنه كائن شبح لم يسمع به أحد من قبل. فهذان القطاعان هما الفيصل الوحيد في بقائنا بين الأمم، فالأول حجر الزاوية في كل شيء، ويجب أن تكون الدولة فيه صارمة وألا تضعه بين أيدي المتلاعبين والجشعين الذين يبحثون عن الربح فقط، حتى إن بعضا منهم لم يتورع عن طلب الاستفادة من “صندوق كورونا” بكل صفاقة، وكأنه نادل في مقهى أو عامل “موقف” وجد نفسه بلا عمل ولا مدخول بين ليلة وضحاها، والثاني هو ضامن كرامة الإنسان إذ لا عقل سليم دون جسم سليم كما قال الأولون. وها نحن نرى الآن الدولة هي التي تدبر هذه الأزمة وحيدة عزلاء فيما القطاع الخاص الذي راكم أغلب أهله الملايير، حتى إن مديرية الضرائب صنفته على رأس القطاعات الخاصة المتهربة من الواجب الضريبي، يتصرف وكأنه لم يكن.

حما الله شعبنا ورفع عنا البلاء وعن الإنسانية جمعاء.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

أما بعد.. تمديد الحجر الصحي مقامرة بالصحة والاقتصاد ودفع نحو التمرد

أما بعد.. أضرار ومخاطر مشروع القانون 22.20

أما بعد .. لا نريد أشواطا إضافية في الطوارئ الصحية

أما بعد .. فيروس أخطر مما تتصورون

أما بعد .. من يعبث بتاريخ وكالة المغرب العربي للأنباء؟

تابعنا على