مغرب ما بعد كورونا

08 أبريل 2020 - 11:04

تفاعلا مع التطورات والأحداث التي تعرفها بلادنا وكل أرجاء المعمور في الآونة الأخيرة جراء انتشار فيروس كورونا كوفيد 19 المستجد، الذي يفتك بالبشرية جمعاء، وتثمينا للجهود الذي قامت بها الدولة المغربية من وزارة الصحة ووزارة التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي ووزارة الداخلية وغيرها من القطاعات الحكومية ومبادرات المجتمع المدني والمبادرات الإنسانية التي اتخدت حزمة من الإجراءات الاحترازية الاستباقية لمواجهة انتشار هذا الفيروس الخطير، الذي أودى بحياة الكثيرين من كل بقاع المعمور سواء في الدول المتقدمة أو دول العالم الثالث.

ونظرا لما تقتضيه هذه الظرفية العصيبة التي تمر بها بلادنا خاصة وجميع دول العالم بشكل عام، فيجب أن نكون في مستوى تطلعات حكومتنا وبلادنا بالإمتثال لتعليمات الجهات المختصة من سلطات ومجتمع مدني وهيئات منتخبة، بالإلتزام الفعلي بالإجراءات المنصوص عليها لاحتواء هذا الفيروس، ويجب أن ندرك الحل الوحيد للخروج من هذه الأزمة هو الخلاص الجماعي، بمعنى إما أن ننجو جميعا أو نغرق جميعا، وتابعت كلاما عميقا لوزير الداخلية المغربي عبد الوافي لفتيت قائلا: “لم يسبق أن كنا في حاجة إلى بعضنا البعض أكثر من اليوم” مضيفا بقوله: “نحن في مركب واحد، إما أن ننجو جميعا أو نغرق جميعا، ولكن بفضل جهود الجميع سننجو” واعتبارا لكل ما سبق ذكره وترويجه على منصات التواصل الاجتماعي من فيديوهات وإشهارات لتوعية الناس بخطورة هذا الوباء.

فإنه من الضروري إعادة التفكير في الكثير من القضايا ذات المستوى العالي من الأهمية، وأن ترتيب الأولويات هو أهم ما يجب القيام به في هذه الفترة الحرجة، التي تتداخل فيها مشاعر الخوف والهلع وتسيطرعلى النفوس والعقول والأفئدة، واتخاذ الحجر الصحي كوسيلة للوقاية من الفيروس واحتوائه هي أداة قديمة قدم الإنسان، وهو وارد في السنة النبوية الشريفة بحيث ثمة حديث لرسول صلى الله عليه وسلم حول الطاعون إذا حلَّ الطاعون بأرض: “إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه” (متفق عليه) وأغلب هذه الاحتياطات المتخذة من قبل الدولة المغربية موجودة في ديننا الحنيف وخير مثال على ذلك الابتعاد عن الناس مسافة لا تقل عن متر ونصف، فهناك حديث شريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “كَلِّمْ المجذوم وبينك وبينه قدر رمحٍ أو رمحين.” (كنز العمال)، لذلك فالالتزام بالحجر الصحي أو العزل الصحي هو من بين الأساليب المهمة والأساسية لمواجهة هذا الفيروس.

ثمة دروس وعبر كثيرة يمكن الاستفادة منها أثناء مدة الحجر الصحي، وأولها أن يدرك الإنسان أنه مهما بلغ من العلم والمعرفة والحضارة فلن يسيطر على الكون بحيث أن هذه الأرض مسخرة الإنسان ويجب دائما أن يستحضر منزلة الاستخلاف، والاستخلاف هنا يستدعي طرح أسئلة جوهرية، ما غاية وجودك؟ ما رسالتك في الحياة؟ ما الأثر الذي ستتركه بعد وفاتك؟ …كل هذه الأسئلة تساعدنا على إعادة النظر وإعادة التفكير في علاقتنا مع الله عز وجل ومع أنفسنا ومع غيرنا ومع المحيط الخارجي (البيئة والنباتات والحيوانات)، لذلك تدبير هذه العلاقات وتصريفها في منحى إيجابي وفي اتجاه المصير المشترك، هذا بلا شك سيدفع الكثير من الأفراد والجماعات والدول والمنظمات إلى التفكير في بدائل جديدة للحد من تدهور البيئة وعلماء التغير المناخي يُنَدِّدُونَ أن الوضع سيكون أسوأ إن استمررنا بهذه السلوكيات والعقليات وبنفس نمط العيش الاستهلاكي وبنفس الكميات الضخمة من الإنتاج الصناعي والإقتصادي.

ومن الضروري بمكان استشعار أهمية هذه الظرفية في تاريخ المغرب المعاصر، والتفكير في مغرب ما بعد كورونا، مغرب الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية، مغرب جديد يُعْلِي من قيمة العلم والعلماء ويعزز مكانة الأساتذة والأطباء والباحثين من كل شتى الحقول المعرفية، سيكون كل هذا ممكنا إن كانت نيتنا صادقة وعملنا مقرونا بالقصد الذي نود من خلاله ميلاد مغرب جديد، مغرب ما بعد كورونا.

* مدرب متخصص في تطوير الذات

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

تزمامارت

الحياة قائمة على التوازن بين الدنيا والآخرة

حمة وريحانة كانتا هنا

الاختلاف وتدبيره في زمن كورونا

لحاق

تابعنا على