أجيال إعلامية: العربي الصقلي .. أحد رموز التلفزة المغربية في الستينات

01 مايو 2020 - 02:00

تقف وراء وسائل الإعلام بمختلف أشكالها، طاقات بشرية هائلة تسهر على إدارتها وتشغيلها والقيام بكل المهام الإعلامية، بهدف إيصال رسالتهم النبيلة في تبيلغ المعلومة للمجتمع عبر وظائف الإخبار والتثقيف والترفيه، وهو ما يُسهِم في تشكيل البناء الإدراكي والمعرفي للأفراد والمجتمعات.

فالإذاعة المغربية التي تعود سنة انطلاقتها إلى 1928، والتلفزة المغربية التي شرعت في بث برامجها سنة 1962، وعلى مدار تاريخهما، مرت أجيال وأجيال من الإعلاميين أثرت وتأثرت بهذا لكيان الذي ترك بصماته عليهم وعلى ذاكرتهم، وكلما احتاجوا لغفوة منه رجعوا بذاكرتهم للخلف ينهلون منها أجمل الحكايات.

وتبرز في هذا الإطار، أطقم البرامج والنشرات الإخبارية من مخططي البرامج ومذيعين ومحررين ومنشطين وفنيي الربورتاج والتوضيب وتقنيي التصوير والصوت وعمال الصيانة ومسوقو الإعلانات التجارية الذين يقومون بتنظيم الأعمال التجارية، إلى جانب مسؤولي العلاقات العامة والأعمال الإدارية المرتبطة بإنتاج البرامج والسهر على إعداد النشرات الإخبارية من اجتماعات التحرير إلى بثها عبر الأثير.

فطوال شهر رمضان الأبرك، تسترجع معكم جريدة “العمق” من خلال مؤرخ الأجيال الإعلامية محمد الغيذاني، ذكريات رواد وأعلام بصموا تاريخ الإعلام السمعي البصري المغربي عبر مسارهم المهني والعلمي وظروف اشتغالهم وما قدموه من أعمال إبداعية ميزت مسار الإعلام الوطني، وذلك عبر حلقات رمضانية يومية.

الحلقة السادسة: العربي الصقلي

بحثت كثيرا عن المعلومات التي سأقرب بها أحد رموز التلفزيون في الستينات، ولم أجد إلا هذا المقال الصحفي الذي حاول صاحبه أن يسلط الضوء على أسماء صحفية غادرتنا وبقيت ذكرياتهم حاضرة في مخيلتنا، أرجو أن يكون الجزء المخصص للراحل العربي الصقلي يشفي غليل القارئ، المقال كان يحمل عنوان “غائبون عن الصحافة حاضرون في الذاكرة” .

الوقت غير كاف للملمة أشلاء الجراح في فقدان أعزاء امتهنوا الصحافة، وما استراحوا إلا على عتبة الرقاد الأخير. أبدأ بالتلفزيون إذ تصبح الفاجعة موشحة بالصوت والصورة الغائبين إلى الأبد.

لم يكن أحمد الزايدي يشبه العربي الصقلي، إلا في العناد. فقد دخل الأول من بوابة كان غادرها الثاني إلى وزارة الأنباء. يضحك الصقلي ويعبس الزايدي، وما بين البسمة والترقب مسافة متقاربة. ومن خرج سالما من ردهات دار البريهي استحق تمثالا في الصمود والأنفة وعدم نفاد الصبر. رصد الصقلي حروبا من شابا إلى الجولان وسيناء، وصار صوته مبحوحا من فرط التدخين. وانغمر الزايدي في نقل حروب نزاهة الانتخابات وهيمنة الإدارة. عوقب أبا عروب لأنه لم يفطن ذات نشرة أخبار لتمرير صورة المحامي عبد الرحمن اليوسفي. فيما كان الثاني صديقا وفيا لرجل التناوب الذي لم يبتعد قط عن مهنة المتاعب كاتبا ومكتوبا، إذ يقف أمام المحاكم بتهمة محاولة إيذاء الأمن والنظام.

وكان أن رحل الصقلي بعد الانزواء إلى تجربة نادرة في النشر، ارتبطت بـ«موسوعة المغرب» التي أغنت الذاكرة السياسية والثقافية، ولم تشف غليله في أن يحولها إلى أفلام وثائقية. ظل يحلم بإنجازها، لأن صدى التلفزيون كان يطرق مسامعه في كل حين. قال لي يوما وقد تنافسنا في اقتناء أعداد علب السجائر من محل «بيع الموت»، أن فجيعة فقدان نجله الأصغر غرقا في مسبح في ضواحي الرباط، لم تترك له قدرة التقاط الأنفاس. وها أن الغرق يتلوى مثل أفعى على أعناق الآباء والأبناء. من أين جاء القائل بأن لا ثقة في الماء والنار والبقية التي على شفة اللسان.

تعلم الزايدي فضيلة الصبر والتواضع من العربي الصقلي، وعندما التفت إلى الكبار الذين سبقوه إلى اعتلاء الشاشة الصغيرة، اقتفى أثر الوجه الذي عرف بأخبار ومآسي فيتنام. إنه الطاهر بلعربي الذي اقترن ظهوره بالأنباء المشؤومة التي تعرض إلى الحروب والكوارث واختطاف الطائرات. لكنه حول الأنباء إلى مختبر هادئ وخال من الانفعال، ولم يهتم بأن الشاشة الصغيرة لا تملؤها إلا الأسماء الكبيرة.

لم يشأ الزايدي أن ينتقل إلى ضفاف العمل السياسي، من دون رفقة الأصدقاء القدامى. جاء يوما إلى الصديق امحمد الجفان يطلب إليه صحبته إلى حملة انتخابية في دائرته في بوزنيقة. كان يعرف أن الجفان له نفوذ عائلي في المنطقة، وأكبر من ذلك كان محبوبا وصادقا في رفقته. وكان أن حشد له مناصرين توسموا الخير في أبناء المنطقة الذين سرقتهم أضواء الشهرة الإذاعية والتلفزيونية. غير أن النهايات كما البدايات تحن دائما إلى مسقط الرأس، إن في صورة موت على سرير أبيض أو في اختناق بالماء والدخان.

الأخبار هي نفسها، لكن مقدميها يضفون عليها الأهمية التي تستحق، أو يبخسونها حقها، إذ تصبح نشرة الأخبار مثل برامج الأطفال لا يعيرها البالغون الشغوفون بالسياسة الانتباه المطلوب. وأفصح لي الإعلامي العربي الكبير سامي حداد يوما، وكان في زيارة للمغرب لحضور مناظرة حول الصحافة، أن في المغرب صحفيين، «وأنتم تحتاجون إلى مذيعين» وقتها التفت نحو الراحل بنعيسى الفاسي وقال: «وماذا أفعل أنا في هيئة الإذاعة البريطانية؟» وهي تسحر بالأصوات والأسماء قبل اكتشاف الفضائيات.

رحل بنعيسى، وخلت الجلسات من شغب طفولي. كنا ثلاثة الزايدي والفاسي وعبد ربه نتطلع إلى نهر أبي رقراق من سطح ناد بحري. جاء رجل أعمال أثنى على الفاسي وسأل عن غياب الزايدي عن التلفزيون. فاجأه بنعيسى بمقايضة غريبة، قال له: أمنحك صوتي الإذاعي مقابل رصيدك في آخر مصرف وضعت فيه أرباح السنة. ابتسم الزايدي وهو يتأمل النهر، من دون أن يخامره شك في أن الأنهار مثل الأقدار تجرف، وأن عشرة سنتمترات من الصبيب المتدفق تزهق أرواح العشرات.

تحمل الراحل العربي الصقلي عناء فترة تأسيس البث التلفزي بالمغرب، حيث كان يتنقل يوميا الى الدار البيضاء، محملا بقصاصات الأخبار، وذلك لتقديم نشرة الأخبار بالفرنسية من استوديو عين الشق للتلفزة المغربية.

* المصدر: كتاب “للإذاعة المغربية.. أعلام” وكتاب “للتلفزة المغربية.. أعلام” – محمد الغيذاني 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

كوفيد 19

المغرب: 136 إصابة جديدة بكورونا.. وتسجيل 68 حالة شفاء

أكاديمية الدار البيضاء تعفي مدير ثانوية بمدينة برشيد

المصادقة على اتفاقية شراكة لخلق فضاء التشغيل بمراكش

اقتحام منزل بمراكش وسرقة حاسوب ومجوهرات والأمن يفك اللغز

التنمر الإلكتروني بالمغرب .. تعليقات مسيئة تحول حياة شابتين إلى رعب لا يطاق

تابعنا على