بين الإقلاع الاجتماعي والإرهاق المهني.. أخصائي نفساني يُعدِّد مزايا وعيوب العمل عن بعد

27 مايو 2020 - 22:00

العمل عن بعد .. متلازمة “الإقلاع الاجتماعي” و”بورْنْ آوْتْ-كوفيد 19″

لقد كنا نحلم جميعًا بالعمل عن بعد والبقاء في المنزل وتحقق هذا الحلم أخيراً للعديد منا خلال جائحة كورونا، ولكن ليس عن طريق الاختيار بل عن طريق الالتزام نظرًا للحجر الصحي المفروض على جميع السكان. فما هي مزاياه وعيوبه؟

1- النقط الايجابية

أ- من الناحية الصحية

من الواضح من خلال العمل عن بعد لا نعرض أنفسنا والآخرين لمخاطر الإصابة بِكوفيد 19 وبالتالي نشارك في مكافحة الوباء.

ب- على المستوى المادي والمالي والبيئي

نتنقل أقل سواء عن طريق النقل العام أو الفردي وبالطبع نوفر تكلفة التنقل ونساهم في انخفاض الغازات السامة للبيئة.

ج- على مستوى إدارة الوقت

في المنزل، نحن مقتنعون بأنه يمكننا إدارة وقت العمل بشكل مختلف وأكثر مرونة. ومن ناحية أخرى وعلى المدى الطويل تفرض هذه المرونة الزمنية قيودًا جديدة مثل دمج وقت العمل ووقت الراحة والوقت العائلي.

د- على مستوى الأسرة

جميع أفراد العائلة تمارس الحجر الصحي وسعداء لكوننا معًا، ويكتشف أطفالنا الطريقة التي يسير بها عملنا اليومي بأماكن الشغل ونوعيته ونقضي الكثير من الوقت معًا إذا أنشأنا نظاما جيدا.

هـ- على المستوى النفسي

نخفض من ضغط القلق اليومي الذي كنا نعيشه قبل كورونا حيث كنا نجري يمينًا ويسارًا ويتم كل شيء على عجل (الاستيقاظ الصباحي المفاجئ والاستعداد بسرعة في وقت معين وكذلك بالنسبة للأطفال والمدرسة والواجبات المنزلية وكل شيء موقوت.

2- النقط السلبية

أ- ألم غياب التواصل الاجتماعي

مهما كانت شكاوانا اليومية من الشغل خارج البيت قبل كورونا سواء في الطرق مع السائقين الآخرين أو مستخدمي وسائل النقل العام أو مع زملاء العمل أو مع رؤسائنا، فإننا ندرك أثناء الحجر الصحي أننا نفتقد هذا التواصل البشري ونشعر بالحاجة إليه لأن لا وجود لنا بدون وجود الآخرين وهكذا صُوِّرت طبيعة الإنسان.

وللعلم نحن كائنات اجتماعية ونحتاج إلى اتصال بشري مستمر وتبادل عاطفي لتجاربنا وللحديث مع الآخرين ولننظر ونسمع إليهم ونشعر بهم. وهذا التبادل أمر حيوي لتوازننا النفسي لأن”أنا موجود” فقط من خلال التبادل مع الآخرين وبدونهم أنا غير موجود!

يخلق هذا النقص في العمل عن بعد فراغًا وتجربة جديدة قريبة من تلك التي يعيشها السجناء، وسرعان ما نبدأ بالشعور بالتعب وفي المعاناة من متلازمة الإقلاع الاجتماعي.

ب- ضغوط الفوضى الزمنية

من خلال العمل عن بعد بينما نحن في الحجر الصحي، نظن أن لدينا كل وقتنا أو بالأحرى أن الوقت مرن. ولذا نأخذ الكثير من وقت الراحة ونأخذ الوجبات الخفيفة مع الأطفال ونقوم بإعداد القهوة ثم الشاي ثم العصير ونطبخ ومن حين إلى آخر نتلقى ونجري مكالمات هاتفية مع الأصدقاء والأقرباء.

ولكن سرعان ما ندرك أننا تأخرنا في عملنا اليومي عن بعد ونشرع في سباق مع الزمن كي ننهيه ونجد أنفسنا في آخر المطاف كأننا اشتغلنا في مقر الشغل ولا نفهم لماذا نشعر بالإرهاق كما لو أننا عدنا إلى المنزل بعد يوم من الشغل في زمن ما قبل كورونا.

ومع مرور الأيام بدأنا نشعر بسرعة بالانزعاج المعتاد في بداية الصباح حين وقت الذهاب إلى العمل رغم أننا سوف لا نخرج من البيت. ولهذا السبب أصبحنا نشعر بالفرحة في عطلة نهاية الأسبوع رغم أننا في الحجر الصحي.

ج- ضغوط التنافر المعرفي شغل/عطلة

يتم العمل عن بعد كما لو كنا في عطلة ومضطرون للعمل بدون الاستمتاع بالإجازة. وبعبارة أخرى نجد أنفسنا في وضع وكأننا في عطلة لأننا مقيدون في منازلنا ويجب علينا العمل كأننا في مقر الشغل.

وهذا التنافر يعطل وظائفنا المعرفية ونجبر أنفسنا على تجربة التناقض. ومن الواضح أن هذا أحد الأسباب التي تجعلنا نشعر بضغط العمل 24/24 ساعة أكثر مما كنا عليه قبل كورونا. وفي ظل هذه الظروف يمكننا الإصابة بسهولة بالاكتئاب المُقنَّع (بدون إدراكه).

د- ضغوط الفوضى المَكانية والشعور بالتقليل من شأن العمل

يتم تعريف العمل بالزمان والمكان ومن خلال تغيير وقت العمل ومكانه يفقد عملنا الكثير من جوهره وقيمته سواء بالنسبة لأنفسنا أو لزبنائنا ورؤسائنا “لا يَعُد يُعتبر شغلنا بعمل حقيقي بحق قدره”. وهذا يسبب شعورًا بالتقليل من قيمة عملنا وعدم الارتياح والإحساس بالحزن مع إطلاق جرعة كبيرة من القلق والتوتر مما يؤدي لاحقًا إلى الاكتئاب بدون شك.

هـ- الشعور بانخفاض قيمة الصورة الذاتية

في العمل عن بعد لم نعد نهتم بالاستحمام اليومي في الصباح واختيار الملابس والعناية بمظهرنا بحثا عن الأناقة. ولهذا أهمية كبيرة في نظرتنا لأنفسنا وفي نظرة الآخرين علينا ولم يعد هناك (حين الوصول إلى مقر الشغل) من يقول لنا ” واوْ سِترتك جميلة” أو “ما هذه الأناقة” أو “عطرك رائع”.

وتعتبر هذه الملاحظات الصغيرة على مدى احترامنا لذاتنا ولزملائنا في العمل ولزبنائنا. وكما نعلم، الإنسان يبحث دائمًا عن تلك الأنواع من الملاحظات الايجابية والمغرية والتي يمكننا على الأقل قراءتها بسهولة في عيون الآخرين لأنها مُجزية ومن أهم الفوائد الجانبية الايجابية للعمل الجماعي.

أما خلال العمل عن البعد في المنزل نشتغل بملابس النوم ونفقد هذه المكافئة الجانبية والعطية والإشباع التي تعتبر حيوية لِلأنا. ولذلك نبدأ نشعر في تخفيض قيمة أنفسنا مع الشعور بأن عملنا فقد معناه وأهميته. وهذا ضغط وإحباط معنوي يضاف إلى العوامل السلبية الأخرى.

و- ضغوط الأسرة

في العمل عن بعد نشهد طلبًا مرهقًا كبيرًا من أطفالنا وأزواجنا وزوجاتنا لأننا نمكث في المنزل مثل أيام العطلة ولا يفهم أفراد الأسرة سبب عدم إتاحتنا لهم.

وهذا الضغط يسبب الكثير من التوتر والشعور بالذنب ويحدث كل شيء كما هو الحال في مكان الشغل لما نتعرض مثلا للمضايقات من المكالمات الهاتفية المتعددة من طرف الأبناء والأزواج والأقرباء والأصدقاء الذين لا يفهمون سبب عدم ردنا على مكالماتهم أو الرد عليهم بسرعة وفي عجلة من أمرنا. ولكن على الأقل في مقر الشغل يمكن أن نشعر أقل ضغطًا تحت ذريعة عبء العمل على عكس العمل عن بعد.

ز- التوتر من طرف رؤسائنا وزبنائنا

بالنسبة للرؤساء والزبناء نحن قاعدين في المنزل خلال الحجر الصحي وبالتالي لدينا كل وقتنا ونحن جاهزون 24/24 ساعة وليس لنا اي عذر باعتبار العمل في المنزل سهل وليس لنا حاجة إلى وقت للراحة لأننا خارج مقر الشغل. وهذا الاعتبار سرعان ما يصبح مرهقا للغاية.

يبدو لي أنه من الأسهل الإصابة بالإرهاق و البورْنْ آوْتْ* في العمل عن بعد لأن الضغوطات تجتمع معًا في نفس الوقت وعلى الفور. وقد يفسر هذا عدد الانتحار المتزايد وجرائم القتل داخل البيت والتي لوحظت في جميع أنحاء العالم خلال هذا الحجر الصحي.

الآن إذا تخيلنا أن العمل عن بعد كان اختيارًا ولم تفرضه جائحة كورونا، كان سوف يكون لدينا الوقت لإعداد ودراسة هذا النمط من العمل من أجل تقسيم الوقت والمكان وبالتالي فصل وقت العمل ووقت الراحة ووقت الحياة الأسرية. لقد سبق منذ سنوات عديدة، مع ظهور الوسائل التكنولوجية، حيث اختار الكثير من الناس العمل عن بعد لفترة طويلة للغاية وهم راضون.

* الإرهاق المهني
Burn out /Epuisement professionnel*

* الدكتور جواد مبروكي، طبيب نفساني، باحث وخبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي

د

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

ظاهرة تخريب الآثار وإحراق المكتبات في تاريخ المسلمين

هل كان المهدي بن تومرت عميلاً لفرقة الحشاشين؟

اللاعب والملعوب به

الاستعداد لتنظيم الباكالوريا.. محطة تأكيد الكفاءة

أنظروا ماذا فعل الكوفيد بنا!

تابعنا على