نظرات في تأثيل الفصحى بيانا ولزومها لسانا (2)

نظرات في تأثيل الفصحى بيانا ولزومها لسانا (2)

21 فبراير 2017 - 16:16

النظرة الثانية : تأثيل الكلمات

التَّأثيلُ موضوع مُعتاص، و نَظم مُتراص، تَنظِمه ضوابط وصيغ تُقَعِّدُ له و لبيانه، إذ هو أعقد من ذَنَب البعير، لذلك ينبغي للمُنشَئين الحُدَثاء أن يركضوا في ميادينه الذَّفِرة بحذر، باعتبارها مزروعة بكثير من الألغام .. مستثمرين في أقوال القدماء المُخَضرَبين، للبناء عليها و التقعيد وفق سياقها: لأنه موضوع ( تَلزَمُه مُكنة راسخة، و عِدَّةٌ معرفية صميمة بتبدلات أحوال الكلمات العربية، مما لم يتسن للقدماء معرفته ) ؛ و على الرغم من المقاصد الجمة التي تعود بالنفع على لغتنا الشاعرة ، إذا نحن فتحنا هذا الثغر اللغوي الذي وَطَّأه القدامى بغير قليل من الإلماعِ و البُروق ، فلم يَطَّيَّرُوا بطائرة تُعرفهم بالدُّرر التي شق الأوائل كٍّمها ، ضيع علينا الوَثْبَة التي تُشيِّدُ الصروح المعرفية المُمَرَّدة بالبيان العربي المبين ، من خلال السعي إلى إزالة الأستار و الدَّيَاجي عن تاريخ كلماتنا العربية الفصحى ، و ما تعبر عنه مع كُرورِ المِلوان ، إِسوَةً بما بلغته الأمم الأخرى التي وضعت مُعجمات تاريخية تُعَرِّف بتبدلات مرت منها كل كلمة ، و معظم التغيرات التي مستها مع توالي الأَجدانِ ...

لا شك أن الذي دَقَّ نظره ، يدرك أن من وراء التأريخ للكلمات غايات و معارف علمية شتَّى لا ينبغي لنا التهاون في تحصيلها و إحصائها ، أو الإعراض عنها مُدَّعين عدم حاجة العربية لهذه المعرفة ، كما ذهب لذلك العلامة الحاذق محمود عباس العقاد قائلا : (( لا نحتاج كثيرا إلى التسلسل التاريخي في وضع معجماتنا الحديثة ، لأن هذا التسلسل ضروري في اللغات التي يكثر فيها إهمال الكلمة في معنى ، و سيرورتها في معنى آخر . و لكنه لا يبلغ المبلغ من الضرورة حين توجد الكلمة مُستَعمَلة في جميع مناحيها على السواء ، أو على درجة متقاربة ، و من النتائج العملية لتلك الملاحظة أن نذكر في سياق التجديد و المحافظة على القديم أن العرب كانوا مُجَدِّدين على الدوام في إطلاقهم الكلمات القديمة على المعاني الجديدة .. )) [ اللغة الشاعرة ، محمود عباس العقاد ، كتاب المجلة العربية ، عدد 211 ، ص 42 ، 43 ] ...

إذا حَصَّلنا التأثيل ببيان مُخرِس ، أدركنا منه الكثير مما يقع فيه التقصير . و أن أقرب الطَّرق ، و أسهل الأساليب التي تقي من النَّصَب في البحث عن تغيرات المعاني ، أن يعقد جمهور العرب خَناصِرهم على حرث هذه الأرض التي تعد بكثير من الخَراج ، و من المعارف التي لا ينقطع نَسلُها . وجب أن نتنبه - نحن العرب – إلى أن الغايات من وراء هذا البحث أقوى اتساقا و انضباطا ، و أظهر حجة و أهدى سبيلا ، و أَسْلَكُ منهجا ، و أن نتساءل عن السر في أن كل الذين أوردوا في هذه الناحية من البحث لم يُصدَروا ؟ ...

لا شك على أن على مثل هذا الرأي القَارِح ، يجب أن تتضافر جهود المُفَنَّنِين الأَبْيِناَء و اللُّغوين البلغاء ، لمعرفة كيفية التوسع الدلالي التي تُحدث للألفاظ القديمة ، فتكتسب دلالات جديدة على غير المعنى الذي كانت تتبناه في الأصل ، بل الدعوة الدَّبَرية إلى هجر بعض الكلمات التراثية و جعلها ساقا ميتة لا حاجة تدعوا إليها في جسد اللغة المُحدثة ، لأن أي لفظة تعد بنت مجتمعها ، تحمل تصاريف الأزمان المختلفة و البيئات المتعددة ، لا يمكن عزلها عما اكتسبته في أثناء استعمالها و تنازع البيئات اللغوية لها بكيفية لا يُفطن إليها إلا بعد المقارنة بين أعصار اللغة و ما عرفته من تغيرات خارجة عن نطاق الأفراد الذين يستعملونها لتكتسب دلالات جديدة ، و تنتقل إلى مجال غير الذي عرفت فيه ...

( يتبع بحول الله ) ...

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

جريمة بيئية تجتاح قرية “ارشيدة”

اغتصاب الأطفال

ظاهرة الاستغلال الجنسي للأطفال

لهاث

تابعنا على