واقع جديد يكتب على الملأ وفي رواق العرض

15 يوليو 2020 - 13:52

للمفاهيم إشكالاتها، تراكماتها، تقاطعاتها المعرفية وحقول استخدامها وهي تعرف تداخلا وتشابكا وتحولا يقتضي إعمال العقل فيها، لذلك تبقى مجالات الاحتمال وفيرة وشاسعة وتنفتح على رؤى متعددة وبالتالي أصبحت الحاجة ملحة إلى إنتاج خطاب قيمي بمبادئ أساسية تواكبه ملكة النقد البناء الفاحص لتنظيم العلاقات بين الأفراد بعيدا عن خطابات القهر والتسلط والتعالي المجتمعي.

وإذا كانت بعض هذه الاهتمامات الأساسية في إرادة الخطاب عبر الوسائط الالكترونية فإنها تهجس كلها براهنية ما تتحمله المجتمعات وما ينوء به الأفراد فثمة واقع معاصر يشهده العالم في هذه المرحلة لن تنفع أي مكابرة في نفيه والالتفاف على حقيقته إنه واقع التغيير السريع الذي يجتاح نظم العالم ومجالات العيش فيه إلى درجة يكاد ينتفي معها ما يقود الناس على اعتباره ثباتا أساسيا في الاجتماع أو الاقتصاد وفي السياسة والفكر والثقافة أيضا.

وكيفما سار الأمر فإن هذه المتغيرات في الزمن الراهن أصبحت أقوى من كل مظاهر الثبات حتى ما عدنا نعرف حقيقة الوجود ووجهه الذي سيطل علينا به ولابد للجميع والحال كذلك من الوقوف أمام تحدي هذا الواقع والنظر فيه والسعي للتعامل معه. وقد أبانت مناسبة الحجر الصحي المرتبط بانتشار وباء كرونا والتي ألزمت الناس المكوث في بيوتهم ونحن في أقسى الظروف الاستثنائية  في حماة الضجيج الإعلامي حول تفاقمات الوباء عبر العالم، يمكن أن ننتبه الى تفصيل شديد الدلالة، هو أن وسائط التواصل الاجتماعي لا تفقد اليوم إغرائها بما هي مراوحة بين دمقرطة الانتشار الواسع وتعويمه، وافراغه من أبعاده الرمزية، اد لا يمكن أن نستبعد ما لتلك الوسائط من مزايا تتيح التعبير لمن لم تكن لهم فرص في الصحافة، والتلفزيون، لإيصال كتاباتهم وخطاباتهم وتعميم أخبارهم على نطاق واسع غير خاضع للانتقاء.

إنها أحيانا أي مواقع التواصل لا تتريث فتستصغر وتستكبر بحسب المقادير والحالات تبعا للسياقات والمواقف والايديولوجيات. سيشكل النشر والتشهير والكذب والافتراء مدار جلسة شاي في ركن ما تستجمع متناقضات كثيرة وقد تفترق الحقائق بحكم أنها ما احتملت أن تتعايش يوما.. ولهدا تكثر في وسائط التواصل الاجتماعي تلك التدوينات  التي تنزع رداء الحقيقة وتتكيف مع موجة  الفضفضة المصنوعة والزائفة لإثبات الوجود وانتزاع الاعتراف.

من هنا يتجلى في كثير من الأحيان اقتسام الحقيقة بما هو قاعدة في حرب رمزية تجاه  صحة الأشياء ومظهرا جوهريا في لعبة التواصل، فلا تبقى للحقيقة مكانتها المرجعية ولا حرمتها إنما تتحول الى عتبة من عتبات جلب المتابعة والاستجابة لرغبة الوجود الاجتماعي للانتشار في عوالمه الافتراضية.

في نفس الاطار حين تحدث ميشيل فوكو في كتابه “نظام الخطاب”  بأن إنتاج الخطاب في كل مجتمع “هو في الوقت نفسه إنتاج مراقب، وأنه هو الذي يترجم الصراعات أو أنظمة السيطرة، وأنه هو السلطة التي نحاول الاستيلاء عليها.

فإنه كان يشير إلى خطورة الخطاب في ما يمارسه على الإنسان من سيطرة وسلطة، قد تنتهي إلى الاستبعاد الاجتماعي، بل يمكن أن تؤدي أيضا إلى التخويف والعنف الذي يمكن أن ينتج عنه عنف مضاد.

إن الخطاب يمارس من حيث ندري أو لا ندري سلطة معنوية مباشرة على الإنسان، ولعل أسلوب فبركة خطابنا وظروف وسياق إنتاج هذا الخطاب، قد تكون السبب الرئيس في الصراعات الاجتماعية، كما يمكنها أن تكون سببا رئيسا في الحوار الاجتماعي والتواصل بين الشعوب والمجتمعات ومن ثم دليلا حضاريا للتعايش السلمي، وعليه فإن التربية على تحرير الخطاب من العنف ودلالات السلطة ضرورة ملحة اليوم في ظل ما نعيشه اليوم من متغيرات اجتماعية وسياسية وثقافية ودينية أيضا.

لم يكن ميشيل فوكو يفكر لحظتها في الوسائط الاجتماعية، بقدر ما كان يستحضر أليات التواصل السمعي البصري الكلاسيكية وخطاباتها المباشرة ما قبل البرامج المتصلة بشبكة الانترنيتبما أن هذا التواصل أصبح يجري أساسا عبر شبكات الأنترنيت الافتراضية فقد آل الأمر إلى بروز كيانات ذات صبغة افتراضية، سواء أكانت هذه الكيانات أفرادا أو كانت جماعات، وهو ما يسميه بعض الباحثين بـ”الجماعات الافتراضية” (جوهر الجموسي، الافتراضي والثورة ص33)، هذه الكيانات التي تتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة، وتعتمد أساسا على مجتمع المعرفة ذي السيولة المعلوماتية الهائلةومن ثم فقد تمكن اليوتوب والفيسبوك والتويتر والإنستغرام من تقويض مبدأ احتكار التواصل من قبل أقلية أو من قبل السلطة، لاسيما في بلدان الجنوب حيث اقترن الاحتكار مع فرض إرادة سياسية عبر خطابات السلطة والشرائح المناصرة لها. وهدا كله يوضح بكثير الحضور القوي للعالم الافتراضي وتغلغله داخل المجتمع الإنساني وجميع ذلك يثبت، بما لا يدع مجالا للشك، أن العالم الافتراضي اليوم له حضور قوي في حياة الناس، وتأثير ملموس على توجهات الرأي العالم، ويساهم بشكل متصاعد ومطّرد في التأثير على صناع القرار، ومن ثمّ في صياغة السياسات العمومية وإقرارها.

وغير بعيد من يومنا هدا ما أثاره النقاش في المغرب خلال فترة الحجر الصحي  حول قانون 20-22 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح

والشبكات المماثلة  منسخطورفض واسع فتجلت بدلك بوضوح قوة الافتراضي في إسقاط مشروع القانون المذكور وكذا الدور الكبير الذي تقوم به مواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي السياسي لدى عامة الناس والتعرف على الأوضاع الداخلية والشؤون العامة ورسم الصور وتشكيل الاتجاهات وكان أثرها واضحا في الآونةالاخيرة.

إننا أصبحنا نعيش مرحلة مهمة من تاريخ المغرب الحديث والمعاصر ونحن على أبواب العشرية الثانية  بعد دستور 2011 والخير كل الخير التوجه إلى مرحلة جديدة بوثيرتها المتسارعة بعيدا عن الصراعات الطائفية والخطابات العنصرية التي ترسم مردود الوعي والابداع والابتكار وما يبقى صحيحا أن الاعلام وحده لا يصنع التغيير على أن ارادة الناس وما أحدثت مواقع التواصل الاجتماعي من التطور الكبير في تاريخ الاعلام وحياة الافراد على المستوى الشخصي والاجتماعي والسياسي حركه دافع الناس الطبيعي والاعلام يبقى بذلك أداة من مجوعة أدوات.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

كاتي رأي

تركيا وسياسة الكيل بـ”سياستين”

البحث التربوي وأهميته في تطوير المهنة‎

البناء الديمقراطي مدخل للتنمية الاجتماعية والاقتصادية بالمغرب ‎‎

بداية انفلات في زمن كورونا

عيد الأضحى .. في حضرة الكورونا

تابعنا على