المرأة والهشاشة الاجتماعية

المرأة والهشاشة الاجتماعية

28 يوليو 2020 - 00:44

إن الديناميكية الاقتصادية التي شهدها المجتمع المغربي، انطلاقا من إستراتيجية إدماج مؤسساته ضمن النسق الاقتصادي العالمي، وما أفرزته من تحولات بنيوية في سوق الشغل المتمثلة أساسا في زيادة التوجه نحو التشغيل، وبروز أشكال جديدة من العمل - كالعقود المحدودة المدة -، وخاصة في صفوف النساء ضدا على الماضي، حيث كان سوق الشغل رجاليا بامتياز، غير أنه وبالرغم من ذلك برزت إلى الوجود أشكال جديدة من التمييز وعدم المساواة بين الرجل والنساء، بالإضافة إلى ذلك طفت إلى السطح ظاهرة جديدة لم تكون معهودة من قبل وهي ظاهرة الهشاشة والتي هي نفسها كانت تعتبر رجالية منذ البدأ، أي ظاهرة تصيب الرجال أكثر من النساء، غير أن الواقع أثبت العكس حيث أنها ظاهرة تمس الرجال والنساء على حد سواء. فإذا كنا ولوقت غير بعيد نتحدث عن مفهوم تأنيث الفقر، فإنه يمكننا اليوم الحديث عن مفهوم تأنيث الهشاشة.

وبالتالي فخروج المرأة إلى سوق الشغل لا يعني بالضرورة صهر الهيمنة الذكورية وما تحمله من تمثلات اجتماعية حول وضعيتها، بل على العكس من ذلك فخروج المرأة إلى سوق الشغل رافقه نوع جديد من أشكال العنف،- هنا لا أقصد بالضرورة العنف المادي بل الرمزي بكل تجلياته-، والاستصغار ونقص من مكانتها، وإسنادها بكل الأعمال المنحطة والهشة، والقليلة الأجر والتي تكون في غالب الأعم ناتجة عن: "الحالة العائلية الفقيرة، وتدني المستوى التعليمي، وكذا الفقر وعلاقته بالحاجة..."، كل هذه متغيرات تجعل من المرأة في سوق الشغل أمام وضعية هشاشة، غير أنه ما يزيد الطين بله هو التصاعد المتنامي والتوجه نحو التشغيل بصيغة العمل بالعقود المحدودة المدة مقارنة بمناصب العمل الدائمة التي كانت لوقت قريب تعتبر القاعدة ومكسبا للعامل كونها تمثل مصدرا مهما للتوازن والاستقرار الاجتماعيين. وهنا يمكننا وضع التساؤل التالي؛ أين تتمظهر الهشاشة الاجتماعية في صفوف النساء؟

فانطلاقا من تعريف عالمة الإجتماع "ماريز بريسون" للهشاشة باعتبارها مسار في ظل تقلبات المجتمع، وباعتبارها وضعيات اجتماعية تتميز بمستوى من الحرمان وبظروف أقل كفاية في جميع مناحي الحياة سواء في الشغل أو السكن أو الاستهلاك وغيرها، فهي وضعيات لا ترتبط فقط بمشكلات البطالة أو العمل الغير قار، بل هي مشكلات سوسيو-اقتصادية متراكمة تحيلنا على مستويات عيش غير قارة وغير كافية، بالإضافة إلى كونها غير دائمة ومهددة بالزوال مما يطرح احتمال تدهور الوضعية الاجتماعية بالنسبة للأفراد أو الجماعات التي تعاني من هذه الظاهرة.

ومن هنا يمكن اعتبار النساء في وضع اجتماعي "هش" هن النساء اللواتي تعانين من مختلف هذه الوضعيات الاجتماعية التي تتسم بمستوى من الحرمان، ومن عدم الكفاية في جميع مناحي الحياة، مما يجعل وضعيتهن الاجتماعية مهددة دائما بخطر دائم، بخطر اللااستقرار واللاأمن الاجتماعيين، وبالتالي يمكن القول بأن وضعيات الهشاشة التي تعاني منها النساء تتوزع لتشمل عدة مجالات ومستويات متعددة: فمرورا من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، إلى الهشاشة الصحية، وكذلك هشاشة الروابط الاجتماعية، بالإضافة نظرة المجتمع حول عمل المرأة وما يحمله من تمثلات حيالها ، مما يجعله عملا "موصوما".

فالمستوى السوسيو-اقتصادي، يتمثل في ضعف الدخل وعدم تحقيقها للإكتفاء الذاتي والإستقلالية المادية مما يجعلها تابعة تبعية اقتصادية للرجل، وعدم وجود مورد اقتصادي قار وأمن، بالإضافة إلى البطالة الدائمة التي تعانيها المرأة وخاصة المرأة الغير المؤهلة والغير الحاصلة على شهادة تمكنها من ولوج سوق الشغل، وبالتالي تحقيق استقلاليتها المادية. أما بخصوص سوق الشغل فنساء فيه تعانين من وضعيات هشاشة على مستوى العمل بالعقود المحدود الأجل، وعلى حسب أهواء رب العمل، بالإضافة إلى العمل ساعات طويلة وبأجور زهيدة، إضافة إلى هذا فإن وضعيات التفاوت بين النساء والرجال تزيد من حدة هذا الوضع بحيث نجد أن النساء والرجال يعملون نفس العمل لكن أجور النساء غالبا ما تكون أقل مما يتقاضاه الرجال تجاه نفس العمل، ما يولد لدى النساء شعور بالدونية وانعدام المساواة، إضافة إلى الشعور المشترك بين النساء والرجال بانعدام الاطمئنان على العمل وفقدان الأمن الوظيفي نتيجة لبروز أشكال "العمل الهش"، والعمل الغير المهيكل لاسيما في المجال الحضري أكثر منه في المجال القروي حيث سيادة لثقافة محافظة تقف حاجزا أمام إمكانية إرتقاء المرأة إجتماعيا واقتصاديا.

أما على مستوى الروابط الاجتماعية بحكم التمايزات التي تعاني منها المرأة خاصة في الأوساط الإجتماعية المحافظة، والفكرة التي تحصر وظيفة المرأة في المجال الخاص، وبحكم التبعية الإقتصادية للرجل وللهيمنة الذكورية، فإن المرأة تجد نفسها مطالبة ومضطرة بأن تحافظ على الروابط الأسرية التي تجمعها بالرجل المهيمن حتى وإن كان ذلك على حساب حريتها وحقوقها، وما يزيد الطين بلة، هو عدم امتلاكها لمورد اقتصادي قار أو افتقارها للخبرات المهنية، في ظل هذه الوضعية ترى العالمة "ماريز بريسون" أن تفكك الروابط الاجتماعية خاصة الناتج عن الطلاق يمكن أن يضع المرأة في حالة هشاشة قصوى " وهذه الظاهرة متفشية بشكل كبير في صفوف النساء القرويات وخاصة الغير متمدرسات.

هناك مجتمعات تستطيع فيها المرأة أن تكسب مكانة وقوة عن طريق عملها الإنتاجي، أما في المجتمعات التقليدية فلا يمكن لها أن تترجم نشاطها إلى قوة إلا إذا سمح لها الرجل بذلك. ونجدها في هذه المجتمعات القائمة على التفرقة بين الجنسين من حيث المهن ونوعية الوظائف ومستوى الأجور، حيث إنها حتى وإن خرجت إلى سوق الشغل تعمل في مهن هامشية ويكون أجرها أقل بكثير مقارنة بأجر الرجل، وبالتالي تظل في مخيال المجتمع تبعية المرأة للرجل، فالمرأة ينظر إليها في المجتمع باعتبارها "ربة بيت" فقط، وحتى وإن خرجت إلى سوق الشغل تعمل في مهن كالتمريض والتعليم.

خلاصة القول، إن نظرة المجتمع الحديث إلى المرأة تتغير بتغير أدوارها ومكانتها الاجتماعية، ومازالت تتغير إلا أن درجة هذا التغير تختلف من مجتمع إلى أخر وهذا ما نلاحظه في المجتمع المغربي حيث أن التحاق المرأة بسوق الشغل يجعلها معرضة للوصم وخاصة بأعمال "كالعمل في المقاهي، أو المطاعم، أو العلب الليلة، لكن برغم من ذلك فنسبة النساء العاملات في العالم في زيادة مستمرة وسريعة نظرا للتطور الاقتصادي الحاصل حيث نظرة المجتمع لا محال مهزومة تجاهها، بحيث ستفرض المرأة نفسها فرضا.

لكن المشكل المطروح هو خروج المرأة هذا إلى سوق الشغل، سيجعلها عرضة لأنواع جديدة من الاكراهات المرتبطة بالعمل نفسه، وكذا الوضع الهش لهذا العمل، والتي تكون في أغلب الأحيان ناتجة عن متغيرات عدة: كعدم توفرها على شواهد تخول لها الحصول على عمل قار، بالإضافة إلى فقدانها لكل كفاءة ممكنة، وتدني المستوى التعليمي، الأمر الذي يجعلها عرضة للاستغلال من طرف مشغليها. كما أن عمل المرأة في أعمال مثل هده ينعكس على صحتها النفسية والاجتماعية حيث يجعلها تشعر بالاكتئاب والإحساس بالذنب نتيجة العمل، فهي تظهر في عملها في بعض الحالات مشتتة الذهن، وهذه حالة تجعلها تعاني من التوتر المستمر الذي يهدد صحتها النفسية فينعكس على سلوكياتها وتصرفاتها، فهي مكتئبة وقانطة حينا، وعرضة للإحساس بالذنب حينا أخر. فيزيولوجيا إن المرأة تختلف عن الرجل حيث أنها أضعف منه لهذا فإنها إذا إستمرت في بدل الجهد سرعان ما تصاب بالإرهاق، فيقل تحملها للتعب ومنه ينتج أكبر عدد من حوادث العمل، وهذا ما يجعلها تسقط في الهشاشة الصحية.

*طالب باحث في ماستر الهشاشة والسياسات الاجتماعية كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز- فاس -

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

في الحاجة لمنهجية ديمقراطية ذات نفس برلماني

منطق فئة من المغاربة و منطق القانون

مبادرة النقد والتقييم للبيجيدي.. فرصة لتصحيح المسار

تابعنا على