عندما يصل الإنسان إلى قمم “طحن مو”…!!!

ربما تقف الكلمات وكأن للقلم نفس وقد انقطع، فالموقف أكبر من كل الكلمات.

إنني أكتب عن أولئك الفقراء، (المطحونين)، والذين اتخذوا من الفقر شرفاً وراية، لا خضوعاً ومسكنة، أكتب لأنهم بحاجة ماسة لمن يذكرهم، أكتب لأن الحقيقة أرغمتني على أن أحني هامتي أحتراما لعذابتهم الكبيرة، ولمعاناتهم الصادقة.

إنهم فئة من العمال، أولئك الذين يحاصرهم الظلم ويحاصرهم الفقر، هذا الفقر الشرس المجنون، الذي لا يرحم ولا يستشعر عجز من يطل عليهم، فيقهر إنسانيتهم، ويقتل أحلامهم وينهي آمالهم، فيجبرهم على العمل المدقع والشاق، وغالباً ما يكون مهين أيضاً.
قُدر لي في الماضي أن أعمل بمهنة “البناء” تلك المهنة الشاقة، والتي أستطيع أن أصفها وبلا مكابرة بـ”مهنة صناع الحضارة”.

لذلك كانت معرفتي دقيقة وحميمة، بكل تفاصيل عالم الطبقة الكادحة، وبكل عذاباتها وهمومها وأحلامها، ومن هنا كان عشقي الأكبر، و إحترامي المقدس، وتعاطفي العميق، والتحامي الشديد لهم وبمشاكلهم، وبطموحاتهم ولقد تشكلة لدي قناعات ثابتة بأن أكثر طبقة تعاني من ممارسات الظلم هي الطبقة الكادحة، وأنها أكثر طبقة تقدم التضحيات لأجل بناء الوطن، وهي أيضاً الطبقة الأنقى والأروع والأعظم.

أعوامهم تمضي بلا طعم، بلا لون، بلا نكهة، بلا قيمة، وبلا شيء، يبدأ عملهم من شروق الشمس ولا ينتهي إلا بعد الغروب، يكدحون كي يعيشوا، يعيشون فقط في زمن التماسيح والعفاريت.!

فالعامل المحترف هنا لا تتعدا أجرته اليومية 100درهم طبعا بلا ضمان إجتماعي أو تغطية صحية مجردين من كافة الحقوق الإنسانية. 
وهنا أنتقل إلى فئة ثانية من هاته الطبقة المهمشة و”المسحوقة” الأمن الخاص ..أو ما يعرف بـ( security )، هم رجال هضمت حقوقهم ماديا ومعنويا،غاريقن في مشاكل لا حصر لها يعيشون حالة من الظلم وعدم المساواة، بأجور لا تكفي لمصروف شخص واحد، فما بالك بمن لديه عائلة تحتاج إلى من يسد رمقهم يسكنهم ويلبسهم في هذا الزمن الصعب فالغلاء في كل شيء،

والعامل منهم يفصل فقط بكلمة “أنت مفصول” .اثنتي عشرة ساعة من العمل المتواصل يوميا جعلت أغلب من يعملون في هذا المجال يعلمون أنه مقبرة لكل الطموحات.

وأنتقل للحديث عن صنف يعتبر نصف المجتمع إن لم نقل هي المجتمع وأساسه كما قال الشاعر أحمد شوقي :”الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراقِ “

ولا يمكن الحديث عن معاناة النساء العاملات دون ذكر عاملات الضيعات الفلاحية، وقصصهن الصادمة نساء يعانين من الإستغلال والتحرش والظلم، يشتغلن في حقول مغطاة تفوق فيها درجة الحرارة في فصل الصيف 45 درجة، مقابل 50 درهم لليوم يبدأ من طلوع الفجر وينتهي مع غروب الشمس دون توقف أو     إستراحة. أما عاملات النظافة (Famme de minage) فتلك معانات من نوع عجيب أختصرها في أجرة لا تتعدى 600درهم شهريا وقد تتوفر على بطاقة الضمان الاجتماعي لكنها قد تكتشف أنها لن تستفد منها.ولعلي أُعرج سريعًا على بحر الظلامات يغرق فيه كل ظالم لنساء بمصانع العبودية..!!

فعندما ترسل الشمس شعاعها الأول تتكدس الحافلة المتوجهة بإتجاه المعامل،لتلتقي بوجوه ذات الملامح اليائسة، تشبه لوحة لمأساة مهجرين أو لاجئين، نساء يبدأن يومهن منذ الخامسة صباحا، ليعدن بعد اثنتي عشرة ساعة من القهر والألم والإستغلال بمعامل منتشرة ، بالمئات أغلبها متخصصة في الخياطة وتشغل العشرات هاته “المصانع” الصغيرة في شكل أوراش عبارة عن (كاراجات) وأقبية لا تخضع للمراقبة ولا تتوفر فيها شروط السلامة، وأغلب العاملات بهذا القطاع لا يتوفرن على عقود عمل، ولا يتم التصريح بأجورهن كاملة في صندوق الضمان الإجتماعي، وحتى اللواتي يصرح بهن المشغلون غالبا ما يفاجأن بأن (الباطرون) لا يدفع أقساط التأمين.

مع قصص من الإ حتيال على القانون للتخلص من العاملات فيكفي إعلان الإفلاس و نقل الشركة إلى منطقة ثانية بعد تغيير الإسم لتبدء الحكاية نفسها.

إن مجتمعنا يستحق النهوض كباقي مجتمعات العالم المتحضر، فماعليه إلا مواجهة هذه الظواهرة السلبية التي يعاني منها جزء مهم من أبناء هذا الوطن … وعليه فلابد من حماية الإنسان بصفة عامة.

هذه حكاية عمال بلا بهاء وبلا أمل، ولكنهم قوة، وعنفوان، قدرات هائلة على العطاء، لكن غالباً ما تكرس هذه القدرات للعمل الشاق فقط، والأيام تمضي وأحلامهم ما زالت أحلام فتية، وكثيرة هي احلام الفقراء.

وفي نهاية مقالي أعود وأتساءل، ماذا ينتظرهم يا ترى، وماذا ستكون نهاية هذا العذاب المضنى البشع الذي يعيشونه، وهل ثمة نهاية في الأفق ؟ هل ثمة نهاية، ماذا ينتظرهم غير الخريف المطلق، والعدم المطلق، والضياع المطلق.