أن تفقِد أحد والديك

أن تفقِد أحد والديك

09 فبراير 2017 - 13:43

فُقدان الوالدين حادثة كونية لا تُعاد مرّتين، إنها تقلب كلّ مفاهيمك عن الألم، تسلُب منك القدرة على استئناف ما فاتك من الحياة ، إنّها نقطة فاصلة بحياتك تجعلك باهتا غير صالح للإستعمال .. إنّه فقد موجع ومُتعب يمتصّ منك حتى القدرة على التألم.. إنّه لا يمنحك أشواطا إضافية لاستدراك الوقت الضّائع، هو يمنحك فقط فرصا للنّدم على ما فوّته معهُم في كل لحظة..

ففُقدان الوالدين بالأصل استثناء ..لأنّ رحيلهما يعني رحيل الحياة، إنّك لا تموت كما ستظُنّ، أنت تضيع وحسب .. تضيع كنيزك ضيّع مجراه وابتلعه ثقب أسود، تظلّ تعيش مُنهكا من مُجرّد التفكير في فقدهم ويأتي الموت ليزيلهم من خارطتك ووُجودك فتعيش بغصّة دائمة في الحلق وتصير معدّلات بصرك أقوى حين يتعلّق الأمر بمراقبة أسرة صغيرة مجتمعة ويمضي عيد الأمّ ثقيلا جارحا مُحمّلا بغيمات صغيرة مالحة ..

كل المعاني تصير متوازية، تفقد الأشياء فجأة كثافتها ويحدُث أن يرحل أحد والديك عن هذه الحياة لترحل روحك معه و تستأجر روحا على مقاس البشر من حولك وتستقيل من هذه الحياة.. فلا أنت مع الموتى ولا أنت مع الأحياء !

أن تفقد أحد والديك .. معناه أن تحاول التكيّف مع عمى الإحساس، أن تشتري وثيقة ميلاد جديدة و تجعلها رمزا للاستمرار في هذه الحياة، معناه أن توقع عقد اللاّمعنى مع من كانوا أحباب ..

أن تفقد أحد والديك ..حائط أسود يُغطي عليك الرؤية وألم لا يستطيع طبيب التخدير إزالته بحقنة، وصفقة مُربحة مع اليأس لن تكون عائداتها إلاّ باقة حنظل و محنة .. 

أن تفقد أحد والديك كابوس يرافقك في كلّ درب ومنشار يقطع أوصالك دون ملل وآخر سمفونيات موزار هي تحيتك كلّ صباح، أن تفقد أحد والديك معناه أن يكتري الحزن كلّ جسمك و يستعبد الضياع كامل نفسك وتسعد قطرات الندى كلّ المروج إلا حديقة بؤسك ..

أن تفقد أحد والديك حياة ما هي بحيّة فتُرجى ولا ميِّتة فتُنعى، ورعشة و شلل لن يُمحى.. إلاّ بطواف بين الصفا والمروة، ونظرة من أطفال فلسطين والعراق تذكرك أنك لست الوحيد تحت التجربة ..

أن تفقد أحد والديك معناه أن تحفر قبرا لسعادتك الفانية وأن تودع آخر طموحات قلبك بعد آن اغتالتها يد القدر ..وأن لا تنسى تلميع زجاج النّافدة حتى تتمكّن من النّظر بقوّة لبؤس المطر..

أن تفقد أحد والديك معناه أن تجبر على العيش دون عينان، معناه أن ترتّل طلاسيم الموت كلّ ليلة، معناه أن تسأل الموناليزا أمرّت بنفس التجربة ..
 أن تفقد أحد والديك ذكرى لا تستطيع الابتعاد عن فكرك فهي مُقعدة أبد الدهر بين أنفاسك..ذكرى لا يطالها أيُّ غبار ولو أصبت بداء النسيان!

ولو أنّ محمود درويش أنشد يوما : وأعشق عمري لأني إذا مُت أخجل من دمع أمّي، فإنّي اليوم أقول : وإنِّي أبخسُ عُمري لأنّي إذا عشتُ أخافُ رحيل أمّي و أبي، أخاف ملمس الكفن في يدي والدّمع الساخن على خدّي و رحيل الحياة من كُلّي ..

الحياة من دون والدين مهما جمّلتها الأصباغ تظلُّ بلون الغياب شاحبة، تنقصها روحان تعدلُ كفّتهما احتياطيّ الأرواح على الأرض !

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

في الحاجة لمنهجية ديمقراطية ذات نفس برلماني

منطق فئة من المغاربة و منطق القانون

مبادرة النقد والتقييم للبيجيدي.. فرصة لتصحيح المسار

تابعنا على