الأزمة الإسلامية: هذيان من ماكرون أم واقع؟

الأزمة الإسلامية: هذيان من ماكرون أم واقع؟

15 أكتوبر 2020 - 12:27

بغض النظر عن دوافع أو نية الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" وراء ما قاله في خطابه بخصوص الأزمة التي يعيشها الإسلام، فقد أصاب. ولمن يقول أنه أخطأ كونه أدرج في حديثه عبارة "أزمة الإسلام" والأجدر أن يقول "أزمة المسلمين"، نقول له أنه سواء استعمل اصطلاح الإسلام أو المسلمين سيظل مصيبا في قوله، فكلاهما يعيشان أزمة، والفرق فقط أن الإسلام من حيث هو أيديولوجيا يعرف بالأساس أزمة نصوص وبالتالي أزمة خطاب يلقى على مسامع المسلمين، وهؤلاء الأخيرين يعيشون أزمة أخلاق وانتكاسة حضارية كبيرة من الصعب أن يخرجوا منها بين ليلة وضحاها.

إن محور الأزمة التي يمر منها الإسلام من حيث هو منظومة فكرية أنه ينحو منحى الأيديولوجيات الشمولية، بمعنى أن هذه المنظومة لا تعترف بسواها ولا تفتح المجال أمام الأفكار الغريبة عنها مرتكزة في ذلك على إطلاقية حقيقتها الثابتة التي لا تعرف تغييرا ولا تريد أن تواكب مسار التاريخ التطوري -بل هذا الأخير من يجب أن يُكيَّف كي يلائمها-، والتي ينبغي على العالم أن يخضع لها سواء أ كان ذلك بالقول أم بالسيف لأنها ببساطة آتية من عند الله، هكذا دونما نقاش أو جدال، اللهم إن كان في أمور لم تحسم فيها من ذي قبل؛ أي في أواسط التاريخ الميلادي.

أما عن الأزمة التي تعيشها نسبة كبيرة من المسلمين، وعلى وجه التحديد من سكان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، فهي أزمة أخلاق بالدرجة الأولى، وهذا ما نراه في كل مرة ينتقد أحد فكرة أتى بها الإسلام؛ بحيث ينكب المسلمون بنوع من التبرر في توجيه أقبح النعوت وأقدحها في شخص المخالف لهم، وكأن الإنتقاد أو الإزدراء من حق المسلمين فقط. والأشد غرابة أنهم لا يناقشون شيئا مما يقال عن أفكارهم نقاشا حضاريا بعيدا عن الغوغائية، فإما يعمدون إلى شخصنة الأمر أو يقومون بإنكار ما سمعوه جملة وتفصيلا واعتبار ذلك محض تآمر وتآلب من طرف أعداء الإسلام "العلمانيين"... إلى جانب أزمتهم الأخلاقية هذه، فهم يعيشون في كم هائل من النفاق، بين القول والفعل، بين ما يسرّون وما يظهرون في العلن، ولا شك في أن هذا جد متوقع بالنظر إلى قاعدة "الممنوع المرغوب"، سيما إن كان الممنوع متعلقا بالغرائز والنزوات.

أعتقد أن إيجاد السكة الصحيحة لإنهاء هذه الأزمات يكمن في إرجاع الإيمان إلى مكانه الطبيعي، بين الخالق والمخلوق فقط، دون إشراك وسطاء بينهما، لأن ذلك من صميم الكهنوت الديني؛ فلا معنى لأن يُنصِّب الشخص أُناسا غيره -الفقهاء في حالتنا هذه- أوصياء عليه في أفكاره ومشاعره وخصوصياته، يملون عليه ما يقوم به وما لا يقوم به ويفتون في جميع مناحي حياته. فهذا بالتحديد، وللأسف، هو ما ينتج لنا ذهنيات قطعانية متسلطة تفسح المجال أمام السلطويات الحاكمة وتعطيها المشروعية الكاملة في السيطرة على الأفراد بالحديد والنار.

إلى جانب هذا كذلك، يجب إعادة النظر في الموروث الديني وتنقيحه. ولا أقصد هنا اتباع طرق الفقهاء ومناهجهم في أخذ ما صح وترك ما ضعف وما لُفِّق، بل إن قصدي هو تقديم العقل والعلم على النقل؛ أي بتعطيل النصوص التي لا تلائمهما (العقل والعلم) كما لا تلائم السياق الذي نعيشه اليوم، ووضع حدود بين الأحكام القروسطية التي ربما كانت توافق معدل ذكاء البشرية آنذاك وبين القوانين الوضعية الحالية المتحولة بتحول الفكر وبحسب ما تفرضه السياقات، عوضا عن التعنت إلى الفقه الكلاسيكي الذي يقول بقصور العقل ونسبية العلم، وبالتالي يفضل تحكيم المتغير إلى الثابت.

إن دور الإعتقادات الدينية في نظري يكمن في تهذيب سلوك النفس البشرية وملئ الفراغ الروحي وتحقيق الطمأنينة والراحة النفسية عبر الإجابة على الأسئلة الفلسفية الوجودية. وما إن يتجاوز هذا، يفقد كنهه ويصبح عبئا على من يتيهون من دونه عوض أن يكون حلا وملاذا لهم.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

غضب..

أثر دورة الأرض من الحياة

حزب العدالة والتنمية … للقصة بقية

تابعنا على