دردشة مع الأمّارة حول التشغيل و الوظيفة والانتماء السياسي

دردشة مع الأمّارة حول التشغيل و الوظيفة والانتماء السياسي

01 فبراير 2017 - 03:08

ساءلتني الأمّارة عن حالي كما اعتادت أن تفعل في كلّ منعطف ترى حينه ضعفا في النّفس و اهتزازا في الجوارح، فقالت لي: "اِنخرط في حزب يتزعّم أو يشارك في الحكومة لعلّك تنال نصيبا من الامتيازات التي يُفترض حسب مناطقة السيّاسة أن يُغدَق بها على الذين يدورون في فلكِ عضو في الحكومة ، أو في فلكٍ قريبٍ منه أو قريبٍ مِنْ مَنْ هم قريبون منه" ، و قد ذكّرتني بتاريخ مضى ليس لتقليب المواجع و لكن فقط لعلّها تُقنعني بما تأمرني به ، ذكّرتني حين احترفت إصلاح الأجهزة السمعية البصرية بعد جولة طويلة غير موفّقة للبحث عن الشغل و بعد أن امتهنت قبل ذلك حرفة النجارة ، احترفتها في انتظار أن يتحقّق حلمي كما حلم كلّ الشّباب أمثالي بدخول عالم الوظيفة بناء على الديبلوم الجامعي الذي قضّيت من أجل الحصول عليه سنوات عدّة ، ذكّرتني بذلك الحزب في بداية التسعينيات الذي كانت المشاركة في حملته الانتخابية و الانضمام إلى شبيبته منفذا إلى الوظيفة ، مرّ منه شباب كثر ، يبدو أنّ حالهم قد تحسّن بفضل الحزب عليهم .

"لقد أخطأتِ التقدير، كيف تنصحينني بالانخراط في حزب ليس اقتناعا ، و لكن لأقضي بذلك حاجة شخصيّة ؟ ألم تري كيف رفضتُ عرض الأصدقاء الدخول من نفس المنفذ ؟ ألا تذكرين حديثي لك حينئذ أنّ الغاية لا يمكنها أن تسوغ اشتغالي طرطورا لهذا أو ذاك الذي احترف العضوية في البرلمان ؟ و أن أعيش حياتي و أنهيها حِرفيّا يصلح الأجهزة الإلكترونية أحبّ إليّ من ما تدعوينني إليه ، و لو شاء الله أن أعيش كذلك ، فلن يستطيع ذلك الحزب أو غيره تغيير قدري و تحويلي إلى موظّف مرتّب في سلالم الإدارة ، و على كلّ حال فإنّ ذلك أصبح في خبر كان ، خاصّة بعد الموقف المتشدّد تجاه التّوظيف المباشر الذي أبداه رئيس الحكومة ، و دعيني أذكّرك بفشل الأطر العاطلة في ثنيه عن قراره ذاك على الرّغم من إلحاح بعض نواب الأمّة والاحتجاجات المسترسلة للمعنيين بالأمر ، و أذكّرك بدعوته المطالبين بالتوظيف المباشر و المقتنعين بعدالة قضيّتهم ، وتشجيعهم على رفع دعوى قضائية ضدّ الحكومة تؤدّي تكاليفها رئاسة الحكومة ، و تعهّده بتنفيذ حكم المحكمة دون تردّد إن حكمت لصالحهم " ، كذلك أجبتها .

قالت : "صحيح إنّك بالأمس عانيت من العطالة بعد أربع سنوات من الدّراسة الجامعية و ظللت تبحث عن الشّغل طيلة سبع سنوات قبل أن تلج معهدا للتكوين عن طريق مباراة كتابية و اختبار شفوي ، و صحيح أنّك عشت كذلك سنة و نيّف من العطالة بعد التخرّج من المعهد قبل أن تلج سلك الوظيفة العمومية ، و على الرغم من كلّ ذلك لم تحاول امتطاء العمل السيّاسي أو النشاط الحزبي و الانتخابي لجرّ منفعة شخصيّة ، و لكن قد تكون تحمّلت كلّ تلك المعاناة فقط لأنّك كنتَ شابّا متحمّسا ترى الحياة أمامك رحبة و العمر أمامك طويلا ، أمّا اليوم فلكلّ مقام مقال ، فأنت موظّف في منتصف العمر و الوظيفة مكسب تحتاج إلى المحافظة عليها و تنميتها بالترقّي عبر درجاتها و سلاليمها بسرعة و سلاسة ، و من أجل ذلك لا بدّ من غطاء سيّاسي تحمي به ظهرك و تؤمّن به مستقبلك المهني ، و تضمن مستقبلَك و مستقبل أسرتِك المادّي" .

"عجبا لك أيّتها الأمّارة ! ألا تعلمين لماذا لم أكن من الذين تهافتوا للانخراط في حزب ذلك الوزير و الوزير الذي تلاه بِنيّة التخلّص من العمل بالمناطق النائية مثل التي كنت أعمل بها و الانتقال للعمل داخل المجال الحضري أو على الأقل في أقرب مقرّ عمل إلى محلّ سكناهم ؟ و لم أفكّر مجرّد التفكير في تقديم مقابل لأيّ أحد من أجل ذلك أو من أجل الدّخول إلى قلب المجال الحضري بالإقليم أو الاقتراب من محيطه .

دعيني أحدّثكِ قليلا عن هذه الوظيفة التي تبرّرين بها دعوتك ، لقد ابتدأت حكايتها مساء أحد أيام ربيع 1995 حين دخل علينا البيت أخي الأكبر يحمل بيده قصاصة من جريدة مكتوب عليها إعلان عن تنظيم مباراة ، يعرضها عليّ بعد أن عرضها عليه أحد الأصدقاء ، تردّدت في بداية الأمر بحكم الزّبونية و المحسوبية التي كانت تلاحق كلّ مباراة تُفتح في وجه الشباب، و لكنّني اقتنعت في آخر المطاف و بعد سجال قصير بضرورة المحاولة ، و خطْوِ خطوة أولى لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا، و هكذا كانت الرّحلة إلى المدينة الحمراء فرصة للسيّاحة و زيّارة الأصدقاء ، أمّا عن الاستعداد فقد كانت ليلة الامتحان كافية ليمنّ الله عليّ بالتوفيق في الجزء الكتابي منه ، أمّا بخصوص الشفوي فقد كان مثاليا إلى درجة تفوّقت فيها الحقيقة على الخيال.

هي إذن و بدون تأويل أو تحليل أو فلسفة ، منّة منّ الله عليّ بها ، بلا حول منّي و لا قوّة ، فإن شاء سبحانه أدامها و إن شاء أخذها ، فلا تتوقّعي منّي بعد ذلك أن أفسد هذه النعمة و أفسد الاستمتاع بها ، بالحرص عليها إلى درجة الهوس أو الخوف المرَضي من زوالها".

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

“ردا على أمكراز…بين المسافات والتحولات”

أزمة مجتمع

اختبار كورونا

فيروس كورونا بين الحقيقة والكذب والصناعة البيولوجية

تابعنا على