الحماية القانونية والاجتماعية للمرأة المغربية المهاجرة مدخل لمراجعة مدونة الأسرة

الحماية القانونية والاجتماعية للمرأة المغربية المهاجرة مدخل لمراجعة مدونة الأسرة

20 أكتوبر 2020 - 19:02

يكاد يجمع مختلف الفاعلين بمختلف المواقع والحساسيات على أن إقرار مدونة الأسرة سنة 2004، وإن كان قد شكل في حينه، تحولا عميقا في الترسانة القانونية لمجال الأحوال الشخصية للمغاربة، بغض النظر عن أماكن تواجدهم، غير أن تطبيقات العملية لمختلف نصوص المدونة، أفرزت بما لا يترك مجالا للشك في محدودية بعض موادها، وقصورها عن إيجاد حلول للإشكالات التي تواجه عدد من فئات المواطنات والمواطنين خاصة مغاربة العالم، وهو ما يتطلب مراجعة هذا القانون، بما يتناسب مع المتغيرات الاجتماعية والثقافية التي تعرفها المرأة المهاجرة بالخصوص.

فهذه التحولات جعلت المرأة والاسرة بشكل عام، تواجه تحديات كالتقابل بين القوانين الخاصة ببلدان الاستقبال، لا سيما فيما يتعلق بصعوبات الاعتراف بالأحكام الوطنية بالخارج، لا سيما تلك التي تنص على حق المرأة في النفقة والحضانة، واشكالية السفر بالمحضون التي تؤرق المرأة الحاضنة وغيرها من المشاكل من قبيل انتزاع الأطفال من أسرهم، كما قاربت المذكرة التأطيرية للقاء الدراسي الحضوري والافتراضي حول موضوع ” الحماية القانونية للمرأة المقيمة بالخارج على ضوء مدونة الاسرة والاتفاقيات الدولية” الذي نظمته بمناسبة اليوم الوطني للمرأة ( 10 أكتوبر) الوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج أمس الأربعاء بالرباط بمشاركة خبراء وقضاة ومحامين مغاربة يمارسون بالمغرب وبالخارج.

انتقال الهجرة المغربية من هجرة ذكورية الى هجرة نسوية

فمن بين أهم التحولات الديمغرافية والسوسيو ثقافية والدينامية المتسارعة مغاربة العالم، انتقال الهجرة المغربية من هجرة ذكورية الى هجرة نسوية، هجرة تعرف ديناميات الانتماءات المزدوجة أو المتعددة، مما أفرز بالخصوص الجيل السادس من المواطنات والمواطنين من أصل مغربي، كما أوضحت الوزيرة المنتدبة المكلفة بالمغاربة المقيمين في الخارج نزهة الوافى وهي نفس الرؤية التي تقاسمها معها ادريس اليزمي، حينما سجل بالمحور الأول لهذا اللقاء حول ” المرأة المغربية المقيمة بالخارج بين الحماية القانونية والقضائية والمواكبة المؤسساتية”، ارتفاع ملحوظ في وتيرة النمو الديمغرافي للمهاجرين المغاربة، وتصاعد الموجة الجديدة من الهجرة التي تتخذ وجهين أولهما شرعي وثانيهما غير شرعي فضلا عن ظاهرة هجرة القاصرين غير المصحوبين وهجرة الكفاءات من البلد الأصلي الى الخارج.

كما أشار اليزمى في مداخلة بعنوان ” المتغيرات الاجتماعية لدى مغاربة العالم” الى عولمة الهجرة المغربية، وتنوعها وتجددها وتمثيلها لمختلف جهات المملكة ولمهن مختلفة موضحا أن المهاجرين المغاربة أصبحوا حاليا من بين أبرز الفاعلين الاقتصادين والمقاولين بدول الاستقرار كإيطاليا التي يمثل المغاربة بها أكبر نسبة من المقاولين من خارج أوربا وفي المرتبة الثانية بإسبانيا.

وتواجه لمرأة المغربية المهاجرة في بلدان الإقامة، إكراهات خاصة على مستوى الأحوال الشخصية التي تعتبر ميدانا للتنازع بين الأنظمة القانونية لبلدان الإقامة ومدونة الأسرة، كمسطرة إبرام زواج المغاربة بالخارج، ونظام تنفيذ الأحكام الأجنبية المرتبطة بالطلاق والتطليق بالمغرب، وأيضا حضانة الأطفال.

التحاق المرأة المهاجرة بسوق العمل في مهن متواضعة

وفي هذا الصدد ذكر اليزمى، بأن المرأة التي كانت عادة ما تنتقل الي بلدان الاستقرار في اطار مسطرة التجمع العائلي، في الوقت الذى أصبحت منذ ال 20 سنة الماضية، تهاجر بمفردها بحثا عن فرص العمل. وساهمت كذلك بطالة الرجال الى التحاق المرأة المهاجرة بسوق العمل في مهن متواضعة كقطاع النظافة، وهو ما يجعلها عرضة لمعاناة من كافة أشكال التمييز بسب بلدها الأصلي والطبقية والنوع الاجتماعي.

وإذا كان من بين مميزات الهجرة المغربية التي مر عليه الآن مدة قرن من الزمان، الشيخوخة التي طالت جيلها الأولى، لكن مع استقرار دائم ببلاد الاستقرار عوض البلد الأصلي – يضيف رئيس مجلس الجالية المغربية- الذى لاحظ أن الفئات الشابة من أصول مغربية، أضحت حاملة لقيم دول الاستقرار، مما يتطلب بذل المزيد من الجهود في لتعزيز مسلسل اندماج أبناء الهجرة عبر المزج بين الإرث المجتمعي والثقافي والديني الوطني وبين متطلبات الواقع الاجتماعي لبلدان الإقامة.

بيد وإن كانت مقاربة الإشكاليات التي تواجهها المرأة المهاجرة ترتبط أساسا بالقانون للعلاقات الأسرية، فإن سبل تحسين وضعيتها، تجد مجالها الأوسع من خلال ما تقدمه الاتفاقيات الدولية ذات الصلة من حلول، تستحضر خصوصية هذه النزاعات، والاكراهات الناجمة عن تعدد قوانين الدول المؤطرة للموضوع، فضلا عن أن الرقي بوضعية المرأة المهاجرة يرتبط ارتباطا وثيقا من جهة بالتعريف بالاتفاقيات الثنائية بين المغرب والعديد من الدول لا سيما تلك التي تتواجد بها جالية مغربية مهمة أو من خلال انضمامها للاتفاقيات متعددة الأطراف سيما تلك الصادرة عن مؤتمر لاهاي للقانون الدولي الخاص، وأيضا بالإمكانيات والحلول التي تتيحها هذه الاتفاقيات وحسن تفعيلها وتنسيق الجهود من طرف جميع المتدخلين والمكلفين بتطبيقها حسب ما ذكر الكاتب العام لرئاسة النيابة العامة هشام البلوى في الجلسة الافتتاحية لهذا اللقاء.

استراتيجية جديدة وتكوين القائمين على إنفاذ اتفاقيات التعاون في المادة الأسرية

كما يتطلب من جانب آخر- يقول هشام البلوى- وضع استراتيجية تمكن من التفكير في الاقدام على ابرام اتفاقيات أخرى، من نفس القبيل مع الدول التي تعرف تواجدا لأفراد الجالية المغربية بها، وإعادة النظر فيما سبق إبرامه، قصد ملاءمته مع المستجدات التشريعية، مشددا كذلك على ضرورة تكوين القائمين على إنفاذ اتفاقيات التعاون القضائي القانوني في المادة الأسرية ، على مضامين هذه الاتفاقيات وما تقدمه من حلول إحدى الرهانات التي يتعين كسبها في أفق التفعيل الجيد لبنودها، بما يكرس المكانة التي أولاها الدستور.

ويطرح الاختلاف بين الأنظمة القانونية بدول المهجر-خاصة الأوروبية – والمنظومة القانونية المغربية في مجال الأسرة، عدة تساؤلات حول مدى قابلية تطبيق بعض مواد مدونة الأسرة من طرف هذه الدول، دون اعتبارها منافية لنظامها العام حيث إن معيار نجاح أي نص قانوني – كمدونة الأسرة، لا يتوقف بالضرورة -على ملامسته للإشكالات ذات الطبيعة الوطنية فقط، بل بقدرته على الانسجام مع الأنظمة القانونية الأجنبية، حسب وزير العدل محمد بنعبد القادر.

وفي هذا السياق أكد وزير العدل في كلمة ألقاه بالنيابة عنه الكاتب العام للوزارة عبد الإله لحكيم بناني، أن الحل ليس دائما في تغيير النصوص أو البحث عن تجويد الإطار القانوني الساري المفعول، إذ لا يمكن لأي قانون – مهما بلغت شموليته – أن يجيب على كل التساؤلات المطروحة، لاسيما إذا كان الأمر يتعلق بحياة يومية، وبنوازل كثيرة ومعقدة في بعض الأحيان، بل لابد من الحرص على التطبيق السليم لهذه النصوص، وتفعيلها بالشكل المطلوب، وتفسيرها وتأويلها بالكيفية التي تسد بعض الثغرات التي أبان عنها الواقع العملي.

وهذا الدور هو الذي يضطلع به القضاء عبر الأحكام التي يصدرها في الموضوع، وبخاصة تلك المتعلقة بتذييل الأحكام والعقود الأجنبية بالصيغة التنفيذية، فضلا عن أن الحماية القانونية وإن كانت ترتكز على الإطار القانوني سواء وطنيا أو دوليا. غير أن ذلك لا يكفي وحده لبلوغ الغاية، لذا يجب المواكبة والتتبع في الميدان، ومعالجة القضايا التي تطرح بما يتلاءم وواقعها المعيش واحتياجاتها.

عدم تناغم قوانين البلد الأصل وبلد الإقامة يجعل المرأة المهاجرة بين نارين

أما الأستاذة نسرين رودان عضو مجلس هيئة المحامين بالدار البيضاء فاعتبرت في مداخلتها بعنوان ” حماية حقوق المرأة المهاجرة المغربية من خلال الاتفاقيات الدولية”، أن عدم التناغم بين قوانين البلد الأصل وبلد الإقامة، يبقى عائقا مما يجعل المرأة المهاجرة “ما بين نارين” خصوصا إذا كانت متزوجة من رجل لا ينتمى الى البلد الذى تنتمى اليه هذه المرأة، وهذا يضعها في مأزق قانوني تزداد حدته ببلاد المهجر على الرغم من أن القاعدة القانونية المعتمدة تشير الى أن المهاجرين تطبق عليهم في غالب الأحيان القوانين والتشريعات المعتمدة في بلدانهم.

وشددت على ضرورة إيجاد حلول بديلة للمشاكل الناجمة عن تعارض القوانين الوطنية وقوانين دول الإقامة الشيء الذي ” يفرض وضع حلول وسطى”، لتفادى مثل هذه المشاكل، مع التساؤل حول مدى قدرة الاطار القانوني على توفير الضمانات الكفيلة بحماية المرأة المغربية وصيانة حقوقها سواء داخل أسرتها أو في محيطها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي.

ويقتضى التطبيق العملي لمدونة الاسرة في الوقت الراهن، القيام بوقفة تأمل لرصد ما تم تحقيقه من مكتسبات، يتعين تحصينها، وإعادة قراءة هذا القانون وتقييم مساره وتقويمه وتطويره وتحسين أدائه بما يحقق الأهداف التي رسمت له، مع الأخذ بعين الاعتبار الإشكالات الناجمة عن تطبيق هذه المدونة بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج عموما والمرأة المغربية على وجه الخصوص، فضلا عن مواكبة التحولات التي يعيشها مغاربة العالم ومواصلة الجهود والتفكير بشكل جماعي ومنسجم في مراجعة وتقييم كافة التدابير والمبادرات المتخذة تجاه المواطنات والمواطنين المقيمين بالخارج وتحسينها، كما جاء في كلمة رئاسة النيابة العامة.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

مشروع التعليم التقني بطاطا.. بين الحاجة التربوية والترضيات الشخصية

الفرق بين الربان وفئران السفينة

أمرِيكَا لتَجْدِيدِ قِيَادَتِهَا مَالِكَة

تابعنا على